|
|
الطوطمي المتواطِئ مع الجمال
يحيى الشيخ
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 14:02
المحور:
الادب والفن
يشرفني نشر مقالة الأستاذ إبراهيم عبد ربه المخصصة لقصيدتي "الطوطمي" التي نشرتها على صفحتى في الفيسبك ليوم 25 أيلول 2026. في هذه المقالة وما سبقها من مقالات تتعلق بنتاجي الأدبي، يبرهن الأستاذ إبراهيم عبد ربه على خبرة نقدية واعية دقيقة المعايير، رصدت اهم الخصائص والمقومات الجمالية في كتابتي... (أفكار عن الكتابة والرسم في قصيدة يحيى الشيخ "الطوطمي") ______________________ إبراهيم عبد ربه ________________________
تُمثّل قصيدة "الطوطمي" المؤرخة عام 2015، تضمّنها ديوانه الأول "أنزل النهر مرتين" (مرفقة في نهاية المقالة)، تجربةً شعريّةً وفلسفيّةً فارقةً في سلسة تجارب يحيى الشيخ الشعرية والنثرية والرسم أيضاً؛ فهي تشكّل بياناً للرؤيا الجمالية التي أسّست لأعماله اللاحقة. إنّها نصٌّ محشود بالرموز والمعرفة، يندحر فيه الوعي الذاتي لصالح الوعي الكوني، مستنداً إلى جذر مادي وتاريخي ضارب في القدم. لنفهم جوهر القصيدة ومآلها، علينا أن نتعرف على حقيقة كيان جبار وعظيم يقيم خارج النص، يقف أمامه "الشيخ" وهو يكتب ويرسم: ثمة ربٌ يلازمه ويشاركه لحظات حياته. غير هذا يتعذر الدخول إلى عالمه السرّي مع أنه عالم مفتوح كلياً، بلا اقفال ولا أبواب. فهو كما يقول: "انا في كل مكان". ويعني أن ذلك "الربُّ" الخاص يوجد في كل مكان يُوجد فيه "الشيخ"... عبر القصيدة هذه تتضح ملامحه، فهو المعرفة الغنوصية في جوهره. تبدأ القصيدة باستعادة المفهوم الأثنيّ للطوطم؛ لكنّه ليس طوطماً قبلياً تقليدياً، بل هو طوطمٌ مصنوعٌ من المتبقي والمهمل كما لو أنه فزّاعة طيور: "أنحتُ طوطماً من رفات الأشياءِ، من نِفاياتِها، / أهابُه وأسجدُ له." هنا يتحوّل فعل "النحت" إلى ممارسة طقسية بدائية لتقديس العالم المادي غير المدرَك كلياً، إنها الطريقة التي يعتمدها الشيخ في رسمه، فهو يعتمد المواد الخام ويرتقي بخامتها البدائية عبر تقنية عالية الجودة باعتباره مختصاً ذو خبرة علمية واكاديمية عميقة استمدّها من التجريب والتدرب طويل الأمد... الإنسان "الطوطمي" هنا يتواضع أمام الأشياء: "أنا نكرةٌ أمامها؛ / لهذا أعبَدُها..."؛ حيث ينبع التعبدُ من العجز عن التملّك المعرفي للوجود " لا أحزّرُ نواياها، لا أعرفُ أسماءَها". كشفت القصيدة البُعد الأنثروبولوجي في عبادة العناصر الأولية التي قامت عليها العقائد البدائية: "النار"(سعف، عاقول، نار صفراء وحمراء وزرقاء، ورائحة الراتنج) و"الماء": "أعبدُ الماءَ بلا ضفافٍ تَحدُّ من حقيقتِه الأبدية.، و"التراب: "أعبدُ الترابَ الموشومَ بعُري أقدامي... أحاول بقلب مكسورٍ النطقَ بها مبكراً.، ثم "الهواء: "أعبدُ الهواءَ، أتواطأُ معهُ يأخُذ رئتيّ." وتصل القصيدة إلى ذروة تجذّرها الأثني العريق عند الاستحضار الصريح للهوية والذاكرة المندائية: "... مع البذور لأهتدي إلى مسارب النمل، / إلى حدّادي المناجلِ: / أجدادي المندائيين" . هنا ترتبط رمزية الماء الجاري (النهر الذي يتجوّل وحيداً) بالنخلة والتكوين "الجمّار" و"الخلال المطبوخ" و"الأرداف المكتنزة")، بذاكرة شعب رافديني عريق يرتبط دينه وطقوسه بالماء الجاري والحرث والحدادة، والمرأة غزيرة الانوثة، والخصب. تعتمد بلاغة النص بشكل أساسي على الترجيع الإيقاعي لفعل "أتواطأُ"، الذي تحَكّمَ بالقصيدة، بالشاعر والقارئ على حد سواء، هذا الفعل المتكرر لم يعمل مجرد أداة ربط، بل تحول إلى ترتيلة طقسية تؤسس لإنشائية الشاعر الخاصة. إنه تمثل أمين لتراتيل المعبد البابلي والمندائي تحديداً. والتواطؤ هنا ليس خيانة أخلاقية، بل هو اندماج وجودي وانحياز للأنطولوجيا الكونية ضد القوانين الصارمة، وقد يكون خيانة للمنطق؛ لكنه انتماءٌ جذري للحقائق التي يتواطأ معها الشاعر، يتكرر الفعل وكأنه تكرار شهادة اعتراف، أو تكرار يردده المندائي لما يتلوه عليه الكاهن في طقوس التعميد والزواج وتصعيد الرّقية للميت. في القصيدة أصداءُ صوتٍ سمعه يحيى في طفولته من الكاهن وردده ورائه... آنذاك ولد الشاعر في جسد الطفل المبارك بالماء. تتجلى الشاعرية في القدرة على الجمع بين الثنائيات الضدية وصهرها: العبودية والحرية: "لِما تبقّى من أيامي الحُرّة، / أعلنُ عبوديتّي". و"الموت والحياة: "اليوم أنا أكبرُ من الموتِ بسبعين عاماً، / غداً سيكونُ أكبر مني بيومٍ واحدٍ". و "الوجود والعدم": "أتواطأُ مع النقيضين، / مع كلّ ما يُولدُ فيَّ وينفيني جملةً وتفصيلاً". وإلى جانب الثنائيات الضديّة تزخر القصيدة بالصور الشمّية واللمّسية والبصريّة التي تخرج الشعر من تجريد المفاهيم إلى تجسيدها المادي: "رائحة الراتنج تتبخّر من عروقِه" "ألعقُ دمي وأقبّلُ "زنجارها"" "وابقى خالي الذّهن مثل حصاةٍ يغسلُها البحرُ" تكمن الفلسفة الغنوصية في النص عبر إدراك أنّ المعرفة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالجهل بالشرارة الإلهية أو الحقائق الكلية: "أعبُدُ أشياءَ لا احيطُ بحقيقَِها الكليّة، / لا أسبرُ أغوار شيئيتها" إنّ المعرفة هنا ليست عقلانية جافة، بل هي كشف حدسي يتأتى عبر التجربة المباشرة والتواطؤ مع مظاهر الوجود. في طيات القصيدة طرح فلسفي عميق يتماس مع رؤية الغنوصية الأولى حول "الصلصال" و "الصانع"، لكن الشاعر يقلب المعادلة برؤية ذاتية: "نخلقُ أفكارَنا ونذهبُ أحراراً إلى عِبادتها! / أنا عبدٌ لما أُخلُقهُ، / لما أجهلُهُ، / لما أتخيلُهُ." إنّ الإنسان ينشئ رموزه وأفكاره ثم يخضع لها طواعية، وهي عبودية اختيارية ومحبوبة لأنها تتحرر من حرية جافة ومفروضة "... التخلي عن حرية لا أطيقها، حرية تسوقني إلى موت لا أرغب به". ينعكس الفكر الغنوصي الفلسفي في التعامل مع الزمان والمكان؛ فالزمن ليس خطياً صاعداً، بل هو دائري: "مع خطوطِ تفلتُ من نهاياتها، / وتعودُ إلى حيث بدأت. / أتواطأ من البدايةِ، / والنهايةِ معاً..." ثم يتوّج النص هذه الرؤية الفلسفية بالعبارة المفتاحية المشحونة بالرمزية الهيراقليطية والغنوصية في ختام النص: "أتواطأُ مع النهر لأعبر مرتين!" وهذا خرقٌ صريح للقاعدة الهيراقليطية الشهيرة ("لا تعبر النهر مرتين")؛ فالشاعر بتواطئه الغنوصي مع الزمن والنهر والوجود يستطيع القبض على اللحظة وإعادتها، معلناً انحلال جسده وذاته في كل مكان: "أنا في كل مكان... تنخر الأغصان أضلعي، وأنا سعيد بذلك". إنّ قصيدة "الطوطمي" بصريةٌ وفلسفية بامتياز، تشكل البذرة الحقيقية لعالم يحيى الشيخ الفني (سواء في الأدب أو في محترفه التشكيلي كـ "التمائم الوثنية" و"الجزر البلورية"). لقد نجح فيها في إحياء الروحانية البدائية والذاكرة الرافدينية المندائية، وصهرها في قالب لغوي متدفق يرفض العبودية القسرية ليختار "عبودية الفن والجمال والأفكار"، مقدماً نصاً متكاملاً يتجاوز الأطر التقليدية للنص الشعري. عندما يُوصف النص الشعري بأنه يتجاوز «الأطر التقليدية»، فالقصود ليس مجرد انتقاله من الوزن والقافية (الشعر العمودي) إلى الشعر الحر أو قصيدة النثر؛ بل يتعدى ذلك إلى تجاوز البنية الذهنية والجمالية التي استقرت عليها التقاليد الشعرية لفترات طويلة، التي تقوم غالباً على غرض واضح ومحدد (مباشرة العاطفة، الوصف، الرثاء، التعبير الذاتي الوجداني) حيث تكون الذات الشاعرة هي مركز المجرة، تعبر عن مشاعرها ومواقفها تجاه العالم بأسلوب طغى عليه الحنين أو الفخر أو الألم الذاتي. هذه القصيدة الملحمية المذاق، خلافاً للتقاليد آنفة الذكر، لا تقدم عاطفة الذات بالمعنى الوجداني التقليدي، بل تتحول إلى دعوة أنطولوجية (وجودية) وطقس استحضاري، فالذات هنا لا تعبر عن نفسها، بل تتضاءل وتتخلّى عن مركزيتها ("أنا نكرةٌ أمامها" / "أنا عبدٌ لما أُخلُقهُ") لتصبح مجرد وسيط أو قناة تعبر من خلالها كائنات الطبيعة والأشياء المهملة. يبني الشعر التقليدي خطابه وغالباً ما يستند إلى أطر أخلاقية أو منطقية حادة ومستقرة: (الخير ضد الشر، الحرية كغاية مطلقة ضد العبودية كقصور، الخيانة كفعل مذموم ضد الوفاء)، فيما تكسر القصيدة "الطوطمي" هذه الأطر عبر تقبل "التناقض" وصهر الضدين في حالة واحدة؛ فالعبودية تصبح أوج الحرية والتحرر ("أعلنُ عبوديتّي... لأفكارٍ أبدية")، والحرية القسرية تصبح نفياً للذات. كما أن فعل "التواطؤ" والتنكر للولاءات يغدو فضيلة معرفية وشعرية للوصول إلى الحقيقة الكونية، وهو تجاور صريح للبناء الأخلاقي الجاهز للنص الأدبي. من ميزات الشعر التقليدي السائد، الاعتماد على "المجاز الساكن" والصورة الشعرية المزخرفة المقفلة (تشبيه، استعارة، كناية) التي تُؤدى لوظيفة تجميلية أو توضيحية لفكره معينة، وتكون عادة صورة قائمة على المباشرة الحركية أو الشكليّة. أما هنا تتجاوز قصيدة "الطوطمي" التزيين البلاغي لصالح "البلاغة الطقسية الحركية". الصور هنا ليست مجرد مشاهد تُقرأ، بل هي أفعال وتصرفات مادية متسلسلة (تكرار فعل أتواطأ، السجود للنفايات، لعق الدم، تقبيل الزنجار). الاستعارة هنا تحولت من أداة تعبيرية إلى ممارسة طقسية تجعل اللغة نفسها أداة نحت وتجسيد حسي ملموس. الشعر التقليدي يتعامل مع الزمن بشكله الخطي السلس (ماضٍ يُستعاد، حاضر يُعاش، أو مستقبل يُرتجى)، ومع المكان كجغرافية محددة أو أطلال ثابتة. هنا يلغي "الطوطمي" الخطية الزمنية ويستبدلها بالزمن الدائري المندائي والغنوصي؛ فالنهايات تعود إلى البدايات ("خطوط تفلت من نهاياتها وتعود إلى حيث بدأت"). كما يكسر حتمية الزمان الفيزيائي في مقولة هيراقليطس الشهيرة، ليقرر الشاعر قدرته على عبر النهر مرتين، مستعيداً الزمن ومتحركاً بين أزمنة سحيقة (الذاكرة الطوطمية والمندائية) ولحظات تشكيلية مستقبلية. يلتزم الشعر التقليدي بالحدود الفاصلة بين جنس الشعر وباقي الفنون؛ فالشعر نص مكتوب يعتمد على جرس الكلمات وإيقاعها الداخلي أو الخارجي فقط. بينما تأتي "الطوطمي" مكتوبة بوعي "فنان تشكيلي" و"مُخرجٌ طقسي" قبل أن يكون مجرد شاعر؛ فالبناء يعتمد على المادة، الألوان (ناره الصفراء، الحمراء، الزرقاء)، الملمس (زنجار، خشونة التبن، عري الأقدام)، والكتلة الفراغية (نحت الطوطم، خطوط تفلت من نهاياتها). إنه نص يمهد بوضوح للمحترف التشكيلي ويذيب الحدود بين اللوحة والرسم والنص الشعري. إن التجاوز الذي اجترحه نص "الطوطمي" للأطر التقليدية لم يقف عند حدود الإيقاع والمفهوم الأدبي، بل شَكّل العمارة البصرية والذهنية التي بُنيت عليها تجارب "الشيخ" التشكيلية ومن امثلتها الراهنة مخطوطتان قيد الطبع: "التمائم الوثنية" و"الجزر البلورية". ولهذه الفكرة مجال آخر سيأتي في قادم الأيام إن شاء الله. القصيدة: "الطوطمي" لِما تبقّى من أيامي الحُرّة، أعلنُ عبوديتّي؛ أنحتُ طوطماً من رفات الأشياءِ، من نِفاياتِها، أهابُه وأسجدُ له. أنا طوطميّ بكلِّ دلالات الكلمة: أعبُدُ أشياءَ لا احيطُ بحقيقَِها الكليّة، لا أسبرُ أغوار شيئيتها، لا أحزّرُ نواياها، لا أعرفُ أسماءَها، أشمُ روائحَها العَبِقة والعَفِنَة، أنا نكرةٌ أمامها؛ لهذا أعبَدُها...
أعبُدُ الحَطبَ: سعفاً يابساً، كربُ نخيل، وعاقولاً... أغصانَ توتٍ وتينٍ ونبقٍ بريٍّ، وكلُّ ما يحترقُ ويتشظّى... أعبُدُ ناره الصفراء، والحمراء، والزرقاء، والبنفسجية، ودخانهُ الحارق ذا الدمع الغزيرِ، ورائحة الراتنج تتبخّر من عروقِه. أعبدُ الماءَ بلا ضفافٍ تَحدُّ من حقيقتِه الأبدية. أعبدُ الترابَ الموشومَ بعُري أقدامي، الذي سيغمرني بصمتِه السّريّ. أنا أتدربُ في أيامي الأخيرة على لغتِه المقدسةِ، وأحاول بقلب مكسورٍ النطقَ بها مبكراً. أعبدُ الهواءَ، أتواطأُ معهُ يأخُذ رئتيّ. اليوم أنا أكبرُ من الموتِ بسبعين عاماً، غداً سيكونُ أكبر مني بيومٍ واحدٍ. إنه يتراجع إلى الخلفِ، فيما أتقدمُ بعزيمة مهاجرٍ خَبرَ الأسلاكَ الشائكة، يائساً من نجاتِه. أتقدمُ أعزلَ وهو يتراجعُ مُسلَحاً، مُدجّجاً بنوامِيسه كلّها. ليكن! فهذا من شأنه، كذلك من شأن الصراعِ ونواميسه الأبدية، أمّا أنا، فمن شأني أن أتواطأ مع نواميسي: أتواطأُ من الليل، أسترّدُ نجوماً افتقدها، أتواطأُ مع النجم، أنهبُ ساعاتَ الليلِ. أنا خائنٌ لكليهما، لكلّ ولاءٍ يحولُ دوني. أتواطأُ مع البحر، مع الساحلِ كي لا تسخرَ منّي القواقعُ، مع القواقعِ لأعرفَ مواعيدَ الجزرِ، مع الديدانِ لأعرفَ ذوقَ النوارسِ. أتواطأُ من الأسماك لأصطادَ الوقتَ، مع السنّارة لتبقى عاريةً بلا طُعمٍ، مع الطُعمِ ليفضح نواياها الجائرة. أتواطأُ مع النقيضين، مع كلّ ما يُولدُ فيَّ وينفيني جملةً وتفصيلاً. أتواطأ مع كلِّ ما يتحركُ، وما لا يتحركُ، وما يُورقُ في الربيعِ، وما يذبلُ في الخريفِ، وما يرقدُ تحت الثلج. أتواطأُ مع كلِّ ما يموتُ، وفي طريقه إلى الموتِ. أتواطأُ مع الحقول، مع الفراشاتِ، نجمعُ الزعفرانَ معاً، مع الخنافس، تُدحرِجُ رحم الولادةِ: روث الأجيال القادمة، مع البذور لأهتدي إلى مسارب النمل، إلى حّدادي المناجلِ: أجدادي المندائيين. أتواطأ مع التّبن، لأمسكَ بقرون ثيران الحراثة المجنّحةِ. أتواطأ مع كلّ ما يوصلُني إلى بساتيني، إلى نهر يتجوّلُ وحيداً، أعرجَ يُشبهُ خُطوتي. أتواطأُ مع أعذاقٍ لم تُقطع بعد، وما يسقطُ منها لفرط حلاوتِهِ، و "خلال" مطبوخ أدُسُّهُ بين الدفاتر. أتواطأ من الجمّار ليكشف قلب النخلة البضِّ. أتواطأ مع جذوع أخاتلُ خلفها، أتلصّصُ على أردافِ نساءٍ مكتنزاتٍ، ونهود مراهقاتٍ في طور التكوينِ، أتواطأُ مع التكوين! مع خطوطِ تفلتُ من نهاياتها، وتعودُ إلى حيث بدأت. أتواطأ من البدايةِ، والنهايةِ معاً... لستُ متواطئاُ سراً، بل جَهاراً أتخلى عن حريّةٍ لا أطيقُها، حريّةٌ تسوقني إلى موتٍ لا أرغبُ به. مَن منكم يبحث لي عن مبرراتٍ للجنون؟ نحن هكذا أبداً: نخلقُ أفكارَنا ونذهبُ أحراراً إلى عِبادتها! أنا عبدٌ لما أُخلُقهُ، لما أجهلُهُ، لما أتخيلُهُ. أدركُ الآن ولم يفُت الأوانُ؛ أن الافكارَ تذبلُ كالدقائق، تلك التي أنا مملوكُها، تجرجُرني بسلاسل العبودية التي أحبُّها، تجرَحُني وألعقُ دمي وأقبّلُ "زنجارها". عبوديتي لا نظير لها، لأفكارٍ أبديةٍ لم تتجسد بعد. هل عرفتُم رجلاً يُقاتلُ من أجل عبوديتهِ؟ نعم، أنا رأيتُ وجهَهُ عندما ركعتُ على الماء وشربتُ. بلا مبرراتٍ أتواطأُ مع الشمس، أتواطأ مع الشجر في المساء، أسمع نميمة العصافير، اصدّقُها على مضضٍ، لتسكت حتى الفجر، وابقى خالي الذّهن مثل حصاةٍ يغسلُها البحرُ، تنتظر من يقشطُها بوجه الماء. أتواطأ مع الغربان، استعيرُ اجنحتَها، فأسقط مختالاً بدونية جسدي. أتواطأ مع النهر، لأعرف سّرَ الينابيعِ نمرُّ معاً تحت القناطرِ نختلس النظرَ إلى بطونِها الضامرةِ. القناطرُ حدباءُ مثلي، تنحني على ما يَجري إلى الأبدِ... لا أعرفُ كيفَ أعيشُ، لا صورةَ واحدةً لي! لا أعرفُ كيف أموتُ، لا صورةَ واحدةٍ لي! أنا في كل مكان، أستلقي على جرف البحيرة، التي ولدتْ معي، تنخرُ الأغصانُ أضلعي، وأنا سعيد بذلك، ما دمتُ أحلُّ ظهري. أتواطأُ معكِ ضد الأنثى في داخلي. أتواطأ مع الأحلام لأبقى يقظاً، أتواطأ مع الحقائقِ، ومع الأوهام أيضاً؛ أتواطأُ مع النهر لأعبر مرتين! _____________________ حرثت هذه القصيدة الأرض عميقاً، وزرعت بذور ما تلاها من أعمال في الأدب والرسم، وكانت مهداً لولادة أكبر عملين مرسومين "التمائم الوثنية" و "الجزر البلورية". ستطبع طبعة خاصة قريبا. كُتبتْ في 2015، وطبعت في أول ديوان "أنزل النهر مرتين" 2017 عن المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت.
#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الشاعر دلاور قرداغي يأخذ الخفاش في نزهة
-
الحَيَاةُ نَوَاةُ تَمْرٍ.. لَيْسَ إلّا!
-
كارمن العظيمة (قصة لم تنته)
-
معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب
-
اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)
-
سأترك كل شيء ورائي
-
ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سا
...
-
المتصل والمنفصل
-
الكلب -رينو-
-
اماكن لا تصلح للكتابة
-
النمل الفارسي
-
رمية نرد
-
تمائم الشيخ
-
جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
-
الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
-
حوار في محطة خارج الجهات
-
العبّار والنهر
-
العناد الجمالي
-
عشر وصايا في الرسم
-
قصص مجهرية
المزيد.....
-
استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام
...
-
تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد
...
-
-صفوف الغيتو-.. دورات اللغة تتحول إلى فخ لرسوب أبناء المهاجر
...
-
-سويوزمولتفيلم- الروسية تواصل تسويق رسومها المتحركة عالميا و
...
-
نجمة هوليوود مونيت مازور تواجه 3 لصوص ملثمين في منزلها الفاخ
...
-
تربية نينوى تصقل مواهب المعلمين الأدبية بورشة تخصصية في الشع
...
-
الفن يمنح أطفال غزة وشبابها مساحة لاستعادة ذواتهم وسط دمار ا
...
-
بعد 4 سنوات من طعنه.. الكاتب سلمان رشدي يكشف في فيلم وثائقي
...
-
الرسائل من وسيلة بوح إلى أداة تشفير.. المشفرات الشنقيطية نمو
...
-
عراقيون يحررون ناقلة نفط من القراصنة.. ما حقيقة الرواية؟
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|