أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله بولرباح - هل يصنع التصنيع وحده التنمية؟















المزيد.....


هل يصنع التصنيع وحده التنمية؟


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 10:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أكدت البرامج التي أعدتها ونشرتها الأحزاب السياسية بالمغرب بمناسبة الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، أن جلها اعتمد التصنيع باعتباره إحدى الاستراتيجيات الأساسية للخروج من التخلف وتحقيق التنمية. وقد برز في هذا المضمار، على وجه الخصوص، عدد من أحزاب اليسار، التي لا نشك في نبل أهدافها ونزاهة مساعيها الرامية إلى تحقيق تنمية شاملة للبلاد والعباد، تشمل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
غير أن سلامة الأهداف ونبل المقاصد لا يعفياننا من مساءلة الوسائل والافتراضات التي تقوم عليها الاستراتيجيات المقترحة. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس ما إذا كان التصنيع هدفا مشروعا أم لا، وإنما، هل يكفي اعتماد التصنيع استراتيجية للخروج من التخلف؟ وهل يكفي إنشاء المصانع واستقدام التكنولوجيا ورؤوس الأموال لكي يتحول مجتمع ما إلى مجتمع صناعي قادر على إنتاج شروط تقدمه؟
إن التصنيع ليس وصفة جديدة. فمنذ حصول البلدان المستعمرة على استقلالها، جعلت دول كثيرة من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية التصنيع مدخلا أساسيا لبناء الاقتصاد الوطني والتحرر من التبعية. لقد كانت الأحزاب اليسارية، بمختلف اتجاهاتها، من أكثر القوى السياسية دفاعا عن هذه الفكرة، كما تبنتها أيضا أنظمة وطنية لم تكن بالضرورة يسارية، خصوصا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
إن حصيلة هذه التجارب لم تكن واحدة. فقد نجحت بعض بلدان شرق وجنوب شرق آسيا في تحقيق تحولات صناعية عميقة، بينما ظلت بلدان كثيرة في مناطق أخرى تراوح مكانها، أو تحولت صناعتها إلى حلقة إضافية في سلسلة التبعية: تستورد الآلات والتكنولوجيا والخبرات والمدخلات، وتنتج داخل حدودها، لكنها لا تتحكم بالضرورة في المعرفة التي تجعل الإنتاج ممكنا. لذلك، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن التصنيع هو: ما الذي يجعل مجتمعا ما قابلا للتصنيع؟
التصنيع ليس مصنعا
ربما يكون أحد أسباب الالتباس في النقاش حول التصنيع هو اختزاله في المصنع. فالمصنع، في نهاية المطاف، ليس سوى الشكل الظاهر لمسار طويل من التطور التقني والاجتماعي. فالآلة التي تعمل داخله هي نتيجة معرفة متراكمة في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة، لكنها أيضا نتيجة خبرات عملية وثقافية متراكمة في التعامل مع المادة والأداة والحرارة والقياس والحركة.
لكل هذا فإن التصنيع، قبل أن يكون مؤسسة اقتصادية، هو ثقافة تقنية. إنه طريقة في النظر إلى الأشياء، تقوم على محاولة فهمها وتفكيكها وإعادة تركيبها وتطويرها بما يتناسب مع حاجات الإنسان.
إنه هو قدرة على تحويل الحاجة إلى أداة، والأداة إلى تقنية، والتقنية إلى معرفة قابلة للتراكم. لا يكفي أن نستورد آلة حديثة ونضعها في مصنع مغربي لكي نقول إن المغرب أصبح أكثر تصنيعا. السؤال الأعمق هو: من يستطيع فهم هذه الآلة؟ من يستطيع إصلاحها؟ من يستطيع تعديلها؟ ومن يستطيع، في مرحلة لاحقة، أن يصنع آلة أخرى أفضل منها؟ هنا بالضبط يظهر الفرق بين امتلاك الصناعة وامتلاك القدرة الصناعية.
المغرب لم يبدأ من الصفر
حين نتحدث عن التصنيع في المغرب، كثيرا ما نتصرف وكأن التاريخ الصناعي يبدأ مع المصنع الحديث الذي جاء به الاستعمار أو أنشأته الدولة بعد الاستقلال. وكأن المجتمع المغربي كان قبل ذلك مجرد مجتمع فلاحي ورعوي يفتقر إلى أي معرفة تقنية.
هذه صورة، بالطبع، غير دقيقة، فالمجتمع المغربي التقليدي، سواء بالمدن أو داخل التنظيمات القبلية، لم يكن يقوم على التجارة والفلاحة والرعي فقط. بالمدن انتشرت حرف كثيرة وبالبوادي ضمت القبائل، فئات من الحرفيين متخصصين يلبون حاجياتها المتنوعة. كانت بعض الجماعات أو الفئات تتخصص في الحدادة، وأخرى في صناعة الأدوات الزراعية، وصناعة الخشب، والبناء، والنسيج، والجلد، والأدوات المنزلية، وغيرها من الحرف.
لم تكن هذه الحرف مجرد أعمال يدوية بالمعنى البسيط للكلمة. فقد كانت تتضمن معرفة عملية بالمادة، وبخصائصها، وبطرق تحويلها، وبالأدوات اللازمة لذلك. فالحداد، مثلا، الذي كان يصنع سكة المحراث الخشبي، يحتاج إلى معرفة بالحديد والحرارة والطرق، والصلابة، والشكل، والقياس. إن الصانع الذي يطور أداة لأنه اكتشف أن الأداة القديمة لا تلبي حاجة معينة، يمارس، وإن بصورة غير مؤسسية، شكلا من أشكال التفكير التقني.
ظلت هذه المعرفة تنتقل من جيل إلى جيل، وتترسخ داخل الحرفة والأسر والجماعة المحلية. على الرغم من كونها لم تتحول في الغالب إلى علم صناعي بالمعنى الحديث، لكنها كانت تمثل بذرة من بذور التفكير التقني التي كان من الممكن أن تتطور في شروط تاريخية أخرى.
هنا تبدو أهمية النظر إلى التصنيع من زاوية مختلفة، ليس باعتباره شيئا يأتي من الخارج إلى مجتمع خال من التقنية، وإنما باعتباره إمكانية ينبغي أن تجد في المجتمع نفسه أرضية تنمو عليها وتتطور.
الحرفة باعتبارها ذاكرة تقنية للمجتمع
إذا تأملنا تاريخ المجتمعات قبل الصناعة الحديثة، سنجد أن الحرفة كانت بمثابة ذاكرة تقنية تحفظ ما راكمه المجتمع من معرفة عملية. فالمعرفة لم تكن دائما مكتوبة في الكتب، كانت موجودة في يد الحرفي، وفي طريقة استعمال المطرقة، وفي اختيار قطعة الخشب، وفي التحكم في النار، وفي معرفة المعادن، وفي طريقة بناء السقف أو إصلاح أداة زراعية. إنها معرفة تبدو بسيطة إذا نظرنا إليها بعين التكنولوجيا الحديثة، لكنها تصبح ذات أهمية كبيرة عندما ننظر إليها باعتبارها مرحلة من مراحل تكوين العقل التقني. من هذه الزاوية، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس، هل كانت الحرفة التقليدية صناعة حديثة؟ الجواب هنا واضح: لا. لكن السؤال الأهم هو، هل كان يمكن للحرفة أن تكون جسرا نحو الصناعة الحديثة لو توفرت لها شروط التطور؟ هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا.
صناعة الأسلحة: مثال دال على إمكان التطور التقني
من بين الحرف التي تستحق التوقف عندها صناعة الأسلحة. لا يتعلق الأمر هنا بالقول إن انتشار الأسلحة شرط للتنمية، أو إن المجتمع كان ينبغي أن يتحول إلى مجتمع مسلح. إنما المقصود أن صناعة السلاح كانت، تاريخيا، من الحرف التي تتطلب مستوى مرتفعا من الدقة التقنية، لما تقتضيه من معرفة بالمعادن والحرارة والضغط والقياس والتركيب والتجريب. ومن ثم، كان من المرجح أن تطور هذه الصناعة في اتجاه فتح مجال لتراكم مهارات تقنية قابلة للانتقال إلى مجالات أخرى. لكن هذه الحرفة، شأنها شأن كثير من الحرف، لم تكن بعيدة عن السياسة. لقد فرضت ترتيبات الحماية، وما سبقها من تنظيمات دولية، قيودا متزايدة على تجارة الأسلحة وصناعتها وحيازتها وتداولها، وهو ما ساهم في الحد من تطور هذا المجال خارج الأطر التي فرضتها السلطة الاستعمارية. لعل وثيقة الجزيرة الخضراء لسنة 1906 تعتبر مثالا واضحا على تنظيم تجارة الأسلحة وحيازتها في المغرب.
بذلك لم يكن الاستعمار مجرد سيطرة على الأرض والثروة، وإنما كان أيضا تدخلا في المسارات التي كان يمكن أن تتطور من خلالها بعض القدرات التقنية المحلية.
الاستعمار وقطع مسارات التطور
حين ننظر إلى الاستعمار من زاوية اقتصادية ضيقة، نراه نظاما استغل الموارد ووجه الاقتصاد المحلي لخدمة مصالح المركز الاستعماري. لكن تأثيره كان أعمق. لقد أعاد الاستعمار تنظيم الاقتصاد والمجتمع، وأدخل أنماطا جديدة للإنتاج والتبادل، وربط الاقتصاد المغربي بصورة أكبر بالسوق الأوروبية، في الوقت الذي لم يسمح فيه بتطور مستقل ومتوازن لكل مكونات الاقتصاد المحلي.
بهذا المعنى، فإن المشكلة لم تكن فقط في أن المغرب لم يمتلك مصانع كافية، بل في أن بعض المسارات المحلية للتطور الاقتصادي والتقني لم تتحول إلى مسارات تراكم صناعي مستقل.
بعد الاستقلال، أصبح بناء الدولة الوطنية وبناء الاقتصاد الوطني وجهين لمشروع واحد. فكان من الطبيعي أن تتجه الدولة إلى إنشاء صناعة حديثة، وتعويض الواردات بالإنتاج المحلي، وبناء مؤسسات اقتصادية قادرة على قيادة عملية التصنيع. ولا زلنا نتذكر تلك الجملة الشهيرة على علب أعواد الثقاب: "إنكم باستعمال المواد المغربية ستشاركون في اقتصاد البلاد". لكن هذا المشروع اصطدم بإرث تاريخي لم يكن من السهل تجاوزه.
لقد عمل النظام السياسي، انطلاقا من توجسه من القبائل، على خنق إنتاج الأسلحة واستعمالها، وقنن حتى التوفر عليها، مما قضى بشكل شبه نهائي على أي تطور في التفكير والممارسة التقنية خارج ما تجود به الرأسمالية.
طبعا، لا ينبغي فهم هذه الملاحظة باعتبارها دعوة إلى استمرار صناعة الأسلحة، وإنما باعتبارها مثالا على الطريقة التي يمكن بها لسياسة الدولة تجاه مجال تقني معين أن تقطع مسارا من مسارات تراكم المعرفة والخبرة. هكذا، حين ينفصل التطور الصناعي الحديث عن الخبرات التقنية التي راكمها المجتمع تاريخيا، يصبح من السهل أن يبدأ التصنيع من فوق، من الدولة والمؤسسة ورأس المال، بدل أن ينمو أيضا من تربة المجتمع.
التصنيع من أعلى
لقد بذل المغرب، منذ الاستقلال، جهودا مهمة لبناء قاعدة صناعية. ففي الستينيات والسبعينيات اتجهت الدولة إلى التصنيع وإحلال الواردات، وأنشأت مؤسسات عمومية ووجهت استثمارات نحو قطاعات صناعية مختلفة. لكن التصنيع الذي يبدأ من أعلى يظل أمام سؤال أساسي: هل يستطيع أن ينتج المجتمع الصناعي الذي يحتاج إليه؟ إن بناء مصنع شيء، وبناء منظومة صناعية شيء آخر.
المصنع يمكن أن يشيد في وقت قصير نسبيا، ويمكن استيراد الآلات والخبراء والتكنولوجيا. أما المنظومة الصناعية فتحتاج إلى سنوات طويلة من تراكم المهارات، والتعليم، والتكوين، والبحث العلمي، والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، والموردين المحليين، ومراكز التجريب، والخبرة التقنية. كما يتطلب ذلك مهارات عالية في التنظيم والتنسيق والإدارة، لا تقل تعقيدا عن مهارات مايسترو يقود جوقة موسيقية محترفة في أداء عمل موسيقي بالغ الصعوبة، حيث يتوقف نجاح الأداء كله على دقة التناغم بين مختلف مكوناته.
لذلك، فإن الصناعة التي تعتمد على استيراد معظم شروط إنتاجها يمكن أن تحقق نموا في الإنتاج، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى قاعدة مستقلة للتنمية.
من الصناعة إلى القدرة على صناعة الصناعة
يمكن لبلد أن ينتج السيارات، والطائرات، والأسلاك، والأجهزة، وأن يحتل موقعا داخل سلاسل الإنتاج العالمية، ومع ذلك تبقى أجزاء أساسية من المعرفة والتكنولوجيا خارج سيطرته. إذ الفرق كبير بين أن تنتج شيئا، وأن تعرف كيف تصممه، والفرق أكبر بين أن تصمم المنتج، وأن تعرف كيف تصنع الآلة التي تنتجه. أما الفرق الأكبر فهو أن تمتلك القدرة على تطوير الآلة نفسها.
لذلك فإن السؤال عن التصنيع المغربي ينبغي ألا يتوقف عند عدد المصانع أو حجم الصادرات الصناعية. ينبغي أن نسأل أيضا، من يملك التكنولوجيا؟ من يصمم؟ من يطور؟ من يصنع الآلات؟ من ينتج المعرفة؟ من يربط الجامعة بالمصنع؟ ومن يحول البحث العلمي إلى منتج؟ تلك هي الأسئلة التي تقودنا من مفهوم التصنيع إلى مفهوم أعمق هو القدرة على التصنيع.
لماذا نجحت بعض التجارب الآسيوية؟
عندما ننظر إلى شرق وجنوب شرق آسيا، نجد تجارب صناعية حققت انتقالات اقتصادية عميقة. لكن تفسير هذه النتائج لا ينبغي أن يختزل في عامل ثقافي واحد. لقد تداخلت في هذه التجارب عوامل عديدة: إصلاحات زراعية في بعض البلدان، واستثمارات واسعة في التعليم، وبناء مؤسسات الدولة، وسياسات صناعية نشطة، وتشجيع للصادرات، وتراكم تدريجي للخبرة التقنية، فضلا عن السياق الجيوسياسي للحرب الباردة وما رافقه من دعم اقتصادي واستراتيجي لبعض الدول.
لكن أحد العناصر المهمة كان قدرة هذه البلدان على التعلم من التكنولوجيا المستوردة واستيعابها ثم تطويرها. وهذا هو الفارق الجوهري بين الاستيراد والتوطين. إن التكنولوجيا لا تصبح وطنية لمجرد أنها تعمل داخل الحدود الوطنية. تصبح جزءا من القدرة الوطنية عندما تتحول إلى معرفة يمكن فهمها وتطويرها وإعادة إنتاجها.
المشكلة ليست في التصنيع؟
المشكلة ليست في التصنيع، وإنما في التصور الذي يجعل التصنيع غاية منفصلة عن شروطه الاجتماعية والتقنية. إذ لا يمكن أن نطلب من مجتمع أن يصبح صناعيا بمرسوم حكومي أو بمجرد إنشاء مصانع، كما لا يمكن أن نتصور أن استيراد التكنولوجيا يعفينا من بناء الإنسان القادر على استيعابها وتطويرها.
إن التصنيع الحقيقي يبدأ من المدرسة، ومن التكوين المهني، ومن الورشة الصغيرة، ومن الحرفة، ومن المختبر، ومن الجامعة، ومن المقاولة الوطنية. يبدأ أيضا من الاعتراف بأن للمجتمع تاريخا تقنيا سابقا على المصنع الحديث، وأن هذا التاريخ، بما يحمله من مهارات ومعارف، يمكن أن يكون مادة أولية لبناء ثقافة تقنية جديدة.
من "تصنيع المغرب" إلى "مغربة القدرة على التصنيع"
يحتاج المنطلق في هذا المضمار، إلى تغيير صيغة السؤال، من، كيف نصنع المغرب؟ إلى، كيف نجعل المغرب قادراً على التصنيع؟ الفرق شاسع بين السؤالين.
الأول يمكن أن يقود إلى استقدام رؤوس الأموال، واستيراد الآلات، وجلب التكنولوجيا، وبناء المصانع. أما الثاني فيضع أمامنا مهمة أكثر صعوبة، لكنها أكثر عمقا: بناء الإنسان والمؤسسات والمعرفة التي تجعل المجتمع قادرا على إنتاج التكنولوجيا، لا مجرد استعمالها.
هنا ينبغي أن نعيد الاعتبار إلى الحرفة، لا باعتبارها بديلا عن الصناعة الحديثة، وإنما باعتبارها جزءا من تاريخ التفكير التقني في المجتمع. كما ينبغي أن نعيد الاعتبار إلى المدرسة التقنية، والتكوين المهني، والبحث العلمي، والمختبر، والورشة الصغيرة، والمقاولة الوطنية.
إن الحرفي الذي يفهم المادة، والتقني الذي يفهم الآلة، والمهندس الذي يستطيع تطويرها، والباحث الذي يحول المعرفة إلى تقنية، والمقاول الذي يستطيع تحويل التقنية إلى منتج، كل هؤلاء يشكلون، مجتمعين، البنية الحقيقية للتصنيع.
التصنيع الذي نحتاجه
إذا كان التصنيع يحتل مكانة أساسية في البرامج السياسية والاستراتيجيات التنموية، فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن ينتقل من السؤال عن كم مصنعاً سنبني؟ إلى السؤال عن أي مجتمع صناعي نريد أن نبني؟ إن التنمية ليست أن نملك مصنعا ينتج شيئا، كما ليست أن نحتل موقعا في سلسلة إنتاج عالمية.
التنمية هي أن نصل، خطوة بعد خطوة، إلى مرحلة نستطيع فيها أن نفهم ما ننتجه، وننتج ما نحتاج إليه، ونطور ما ننتجه، ثم نصنع الأدوات التي تمكننا من إنتاجه.
غير أن بناء قدرتنا على التصنيع لا ينفصل، في تقديري، عن تعزيز أمننا الغذائي. فالمجتمع الذي يريد أن يمتلك قدرة إنتاجية مستقلة لا يستطيع أن ينظر إلى الصناعة بمعزل عن الزراعة، ولا إلى المصنع بمعزل عن الأرض.
من هنا تبرز أهمية تقوية الزراعة الأسرية ودعمها وتطويرها، ليس باعتبارها بقايا من اقتصاد تقليدي ينبغي تجاوزها لصالح الزراعة الكبرى، وإنما باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الأمن الغذائي ومن الاقتصاد المحلي، والخزان البيئي، والارث الثقافي والتاريخي. تشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من المزارع في العالم تديرها أسر أو أفراد يعتمدون أساسا على العمل الأسري، وأن الزراعة الأسرية تنتج نحو 80% من الغذاء العالمي من حيث القيمة. كما تؤكد المنظمة أن دعم هذا النوع من الزراعة يحتاج إلى سياسات تيسر حصول المزارعين على التكنولوجيا، والماء والأرض والتمويل والأسواق والمعرفة التقنية.
تبقى أهمية هذا المعطى حاسمة بالنسبة لنا، رغم ضعف العناية بها من قبل العديد من الباحثين والسياسيين ببلادنا، لأنها تكشف أن الاقتصاد الذي يبدو، من منظور الخطاب الصناعي، اقتصادا هامشيا أو متخلفا، يظل في الواقع حاملا لجزء أساسي من القدرة الغذائية العالمية. ومن ثم فإن المطلوب ليس وضع الزراعة الأسرية في مواجهة التصنيع، وإنما ربطهما ضمن تصور واحد للتنمية: زراعة أسرية أكثر إنتاجية وتكنولوجيا، وصناعة توفر لها الآلات والمدخلات والخدمات، وفلاح يتحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى شريك في تطويرها واستعمالها.
فالآلة الزراعية التي تلائم حاجات الفلاح المغربي، وتقنيات الري التي تتكيف مع ندرة الماء، والبذور التي تناسب البيئات المحلية، ووسائل التخزين والتحويل الغذائي، كلها مجالات يمكن أن تلتقي فيها الزراعة بالصناعة والبحث العلمي. بذلك لا يعود الأمن الغذائي مجرد مسألة فلاحية، ولا التصنيع مجرد مسألة صناعية، بل يصبح الاثنان جزءا من بناء قدرة إنتاجية وطنية متكاملة. هنا تلتقي فكرتان تبدوان في الظاهر منفصلتين.
لا ينبغي أيضا، في هذا التصور المتكامل للتنمية، أن نغفل ما تزخر به المجالات الجبلية والقروية من إمكانات في السياحة الجبلية والإيكولوجية، التي يمكن، إذا جرى تثمينها وتنظيمها لفائدة السكان المحليين، أن تتحول إلى قاطرة لتنمية هذه المجالات، ولا سيما من خلال خلق دورة اقتصادية تربط بين الإيواء القروي، والإرشاد والنقل، والحرف والمنتجات المحلية، والزراعة والخدمات والثقافة والتراث المحليين. بذلك لا يصبح السائح مجرد مورد للدخل، بل جزءا من دورة إنتاجية تعيد القيمة إلى المجال وتساعد على تنويع اقتصاده.
الأهم أن تستفيد من هذه الدينامية الموارد البشرية الشابة والمتعلمة في العالم القروي، إذ يمكن أن تتحول السياحة إلى وسيلة لإبقاء الشباب في مجالاتهم أو إعادتهم إليها، حاملين معهم المعرفة والخبرة والتكنولوجيا التي اكتسبوها.
عندما تتكامل السياحة مع الزراعة الأسرية والحرف والصناعة والخدمات، يصبح المجال القروي قادرا على بناء اقتصاده من داخله، فلا تعود البادية مجرد خزان بشري يغذي المدن، بل مجالا منتجا يستعيد شبابه، وينهض باقتصاده، ويبني مستقبله ومستقبل أرضه.
عندئذ فقط، يتحول التصنيع من مجرد سياسة اقتصادية إلى تحول اجتماعي وثقافي وتقني. تحول يجعل المجتمع برمته، بمدنه وبواديه، ينتقل من استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاجها، ومن استقبال المعرفة إلى تراكمها، ومن استيراد الأدوات إلى القدرة على تطويرها ومن التوجس من الجفاف والخوف من المجاعة إلى تحسين الإنتاجية وضمان الاستقرار والأمن الغذائي. هنا ربما يكمن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق كل حديث عن التصنيع في المغرب: هل نريد مصانع أكثر، أم نريد مجتمعا أكثر قدرة على صناعة المصانع؟ المصنع يمكن أن نستقدمه، أما القدرة على صناعة المصنع، فهي التي ينبغي أن نبنيها.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيدة العاصفة
- من أجل رؤية جديدة للتنمية بالمغرب
- غابتي
- على مرمى نضال
- الخبر أولا أم الإنسان أولا؟
- الواقفون على الهامش(قصة قصيرة)
- فرانتشيسكا...سيدة الحقيقة
- التحالفات الانتخابية...المقاعد أم البرنامج؟
- السروال والرجال الحقيقيون
- عودة إلى كتاب: -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد: ما الذي يميز ...
- سباق العيد
- كتاب -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد، كتاب لم ينصفه التاريخ
- كلنا هادئون...إلى أن تختبرنا الحياة
- الجمال لا يلتقط...بل يصان
- الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم ا ...
- البرلماني/ة بالمغرب بين التمثيل الحقيقي وسوء الفهم الشائع.
- استقلالية المجتمع المدني بالمغرب: قراءة نقدية في ضوء التحولا ...
- ينام الحنين على سنابل الضوء
- هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي
- الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.


المزيد.....




- فيديو يوثق إنقاذ فيل صغير من الغرق في نهر بالهند
- الرئيس الأمريكي ينشر خريطة لهرمز باسم -مضيق ترامب- وغياب قطر ...
- شاهد.. مسيرات FPV انتحارية روسية تدمر مسيرات أوكرانية عبر ال ...
- ليلة عصيبة في ليبيا.. سيول جارفة تجتاح الطرق وتحاصر السكان
- بانكوك تغرق.. أمطار غزيرة تعطل الطرق وتجبر السكان على النزوح ...
- بزشكيان يختتم زيارته إلى نيويورك ويعود إلى طهران
- ألمانيا.. -مواطنو الرايخ- يستعدون لاجتماع كبير في دارمشتات و ...
- اتفاق عراقي كويتي على معالجة الملفات العالقة خلال 30 يوما
- مباشر: اعتراض مسيرات أطلقها الحوثيون على السعودية وترقب للرد ...
- بعد حظرها من دخول البيت الأبيض... منع مراسلي -سي إن إن- من م ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله بولرباح - هل يصنع التصنيع وحده التنمية؟