أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي














المزيد.....

هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


لم يكن الطفل يتذكر من رحلته الأولى سوى ثقوب واسعة في الذاكرة، فراغات أكبر من أن تملأ، وأكبر من أن تهمل. كان كبار العائلة يسمونها رحلة من الشرق إلى الغرب، لكن الكلمات لم تكن تحمل له أي معنى؛ فكل ما قبل الوصول كان بلا صورة، بلا صوت، بلا إحساس واضح.
كان يحاول، بعد سنوات، أن يسترجع أي خيط يربطه باللحظات الأولى:
هل سار على قدميه؟ هل حمل على ظهر دابة؟ هل كان نائما؟
بل هل كان مدركا أصلا لوجوده؟
لم يجد شيئا.
كان الماضي ينسحب منه كما تنسحب يد طفل من يد أمه وسط الزحام.
ما يتذكره حقا هو بداية المرحلة الثانية من الرحلة.
توقفت شاحنة أمامهم، بلون أحمر باهت. لم يكن يعرف ما هي، لكن شيئا في ملامحها أيقظ التعرف. تذكر فورا قصة أخيه الأكبر عندما عاد ذات يوم من السوق مع والدته: شاحنة كبيرة، كاميو، لها أقنسوس أحمر و"تجرارين" كبار. رسم له على التراب دائرة واسعة ليوضح حجم العجلة.
والآن، أمامه مباشرة، كانت الشاحنة تشبه القصة إلى حد كبير، باستثناء ثجرارين التي بدت أصغر حجما من وصف أخيه.
وقف الطفل في مواجهة "الكاميو" كما يقف في مواجهة شيء ينتظره منذ زمن.
وضعت الأمتعة.
صعد الأطفال أولا، ثم جلس الأب على صندوق خشبي في المقدمة. انطلقت الشاحنة بصوت صاخب أربكه في البداية. كانت تتمايل، وتتحرك على الطريق الترابي بثقل جعل الطفل يشعر أن الأرض تتحرك تحتهم لا العربة.
تابع بعينيه الأشجار وأعمدة الهاتف وهي تتراجع وتختفي.
ثم جاءت المنعرجات. ثم القيء. ثم النوم، بلا مقاومة.
حين استيقظ، وجد نفسه داخل بيت لا يعرفه.
كان الليل يغطي المكان، والوالدان يتحدثان بصوت منخفض عن وجبة العشاء التي سيجلبها الأب.
لم يفهم أين هو، ولا كيف وصل، ولا لماذا انتهت الرحلة في هذا البيت دون أن يشارك في لحظة وصول واحدة.
نام من جديد، مثقلا بأسئلة لا يملك لها كلمات. كانت الأحلام غائبة تلك الليلة، كأنها لم تصل معه في الموعد.
انقطعت أحداث أخرى من الذاكرة.
ثم ظهرت صورة واحدة واضحة: صعود إلى شاحنة جديدة، وهبوط أمام بناية لم ير مثلها من قبل. كان ذلك مبنى البوسطة، سيعرفه فيما بعد.
وبعد مسير قصير على الأقدام وصلوا إلى المسكن الجديد، بينما تحمل دابة ما تبقى من الأمتعة.
في صباح التسجيل بالمدرسة، رافقه قريبهم.
كان الطفل فرحا على نحو لا يعرف سببه؛ يقفز، يركض، يضرب برجليه على الإسفلت الجديد عليه. لكن القريب نهره بقسوة: «ما ين ثصبانث؟!»
فتوقف الطفل عن القفز، وتلاشى فرحه شيئا فشيئا.
دخل القسم، وجد امرأة بلباس غريب، بوجه محجوب لا يظهر منه سوى العينين، تتحدث لغة لا يفهمها.
أطفال غرباء. وأخوه في زاوية بعيدة، لا يكفي وجوده لتخفيف الوحشة.
تذكر من السنة مشاهد قليلة:
الطريق الموحلة التي حمله أبوه فيها فوق كتفيه،
المدير الذي دخل فجأة ليعلمهم كتابة الأرقام،
ويد المدير وهي تضرب أخاه لأنه أخطأ في رسم الرقم ثمانية.
تلك اللحظة حفرت في ذاكرته أكثر من غيرها، لأن الألم وصل إليه قبل أن يصل إلى أخيه.
سنة كاملة تبخرت إلا من لحظات متفرقة.
لكن الطفل نفسه… لم يترك خلفه أثرا واضحا.
مرت سنوات طويلة، وصار الطفل رجلا يحمل فضولا ثابتا تجاه ماضيه الناقص.
ظل يبحث عن صورة واحدة تثبت أنه كان هناك يوما، أنه طفل عاش تلك السنة بالفعل.
وعندما وجد الصورة أخيرا، لم يتعرف على نفسه فيها.
كان الصف مكتملا، والمدير والمعلمة واقفين كما يتذكرهما الكبار، لكن الوجوه كلها تشبه بعضها… ولا أحد يشبهه.
أخذ الصورة إلى البيت، وفي اللحظة التي هم بالحديث عنها خطفتها ابنته الكبرى من يده.
حدقت فيها لحظة ثم صاحت بثقة:
— «هذا أنت! ها هو شكلك وأنت صغير!»
اقترب الطفل/الرجل من الصورة مجددا.
كان يقف في الصف الثاني، معطف أسود، قميص أبيض، ونظرة بعيدة لا تتجه نحو الكاميرا ولا نحو أحد.
كانت تلك النظرة هي التي أربكته.
بدت كنافذة تطل على طفل لا يعرفه، طفل ينظر إلى مكان لا يعرفه أحد.
ظل الرجل أسابيع يطرح الأسئلة عن ذلك الطفل:
هل كان خائفا؟
هل كان يفكر؟
هل كان يتألم؟
هل كان يحلم؟
ولماذا لم يتذكره؟
لكن الأسئلة أخذت تتراجع مع الوقت.
صار يتقبل الصورة كما هي، ويتقبل الطفل كما كان، لا كما يتمنى أن يكون.
أدرك، بعد وقت طويل، أن الذاكرة لا تهزم بالبحث، وإنما بالتعايش.
وأن الطفل، مهما اختفى من التفاصيل، كان موجودا بما يكفي ليمهد حياته اللاحقة، بكل ما فيها من لحظات غيرت كل ما سبق.
في لحظة هادئة، وضع الرجل الصورة على الطاولة، وتطلع إليها بابتسامة مطمئنة.
لم يعد يبحث عن الطفل ليتأكد من وجوده…
بل ليمنحه مكانا مستقرا داخل حكايته.
وهكذا اكتمل مسار الرحلة:
من الشرق الذي نسيه،
إلى الغرب الذي عاشه،
وبينهما طفل ظل غامضا حتى ظهر في صورة واحدة…
كافية لتعيد ترتيب الحكاية كلها.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.
- حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح


المزيد.....




- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي