أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عبدالله بولرباح - الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.














المزيد.....

الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 17:50
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لم تعد الرأسمالية في طورها الراهن مجرد نظام يقوم على الإنتاج وتبادل السلع، بل تحولت إلى منظومة مالية معقدة تتجاوز الاقتصاد الحقيقي وتعيد تشكيله وفق منطقها الخاص. فعندما نتحدث اليوم عن"الرأسمالية المالية"، لا يعني ذلك أن المراحل السابقة لم تكن قائمة على المال أو لم تسع إلى تراكمه، بل إن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذا المال ومصدره ووظيفته داخل النظام الاقتصادي.
في الرأسمالية التقليدية، كان بالإمكان تتبع مصادر الثروة بشكل واضح؛ فهي ناتجة عن إنتاج الحبوب أو القطن أو الصناعات النسيجية وغيرها من القطاعات الملموسة. أما اليوم، فقد أصبحت كتلة هائلة من الأموال تتحرك داخل أسواق مالية عالمية وثيقة الترابط بيها، فيما تلك الأموال فقدت أي علاقة مباشرة بالإنتاج الفعلي. إنها أموال تتداول في البورصات، تجري المضاربة بها وتراكم في زمن قياسي، حتى صار حجمها يفوق بكثير ما ينتجه الاقتصاد الحقيقي.
لفهم الحجم الحقيقي لهذه الكتلة المالية، يكفي التوقف عند الأرقام المرتبطة بالأسواق المالية العالمية، وخاصة سوق الصرف(الفوركس) الذي يعد الأكبر عالميا. فوفقا لبيانات حديثة، يبلغ متوسط حجم التداول اليومي في هذا السوق ما يقارب 9,5 تريليون دولار يوميا، وهو رقم يفوق الناتج الداخلي الخام لاقتصادات كبرى، بل ويتجاوز مجموع التداولات اليومية في العديد من القطاعات الإنتاجية. ولا يعكس هذا الرقم سوى جزء من النشاط المالي العالمي، إذ تضاف إليه تداولات المشتقات وأسواق الأسهم والسندات، ما يجعل الحجم الإجمالي للأموال المتداولة يوميا أضخم بكثير. إضافة إلى ذلك يعرف هذا السوق نموا سريعا.
أفرز هذا الانفصال بين المال والإنتاج تحولات عميقة، أبرزها هيمنة الرأسمال المالي على مختلف الأنشطة الاقتصادية، بل وحتى على قرارات الدول وسياساتها. فبدل أن يكون المال في خدمة الإنتاج، أصبح الإنتاج نفسه خاضعا لشروط الأسواق المالية ومتطلباتها، مما يضعف السيادة الاقتصادية للدول ويجعلها رهينة لتقلبات الأسواق.
ولعل من أخطر سمات هذه المرحلة الإفراط في المضاربات المالية ذات المخاطر العالية. فالرأسمال المالي، بحثا عن أرباح سريعة، ينخرط في عمليات مضارباتية قد تؤدي إلى انهيارات مفاجئة في أسواق التمويل. وقد شهد التاريخ الحديث نماذج صارخة لذلك، بدءا من أزمة سنة 1929 التي انطلقت من بورصة “وول ستريت”، مرورا بالأزمة المالية العالمية سنة 2008، وصولا إلى الأزمات المتكررة التي يشهدها الاقتصاد العالمي اليوم. غالبا ما تكون البنوك الكبرى أولى ضحايا هذه الانهيارات، مما يهدد مدخرات الأفراد ويزرع الخوف في صفوف الطبقات الوسطى، التي تكون أول من يؤدي الثمن، دون ان يكون لها يد في ما جرى، بفقدان الشغل وجزء من مدخراتها.
إلى جانب ذلك، يبرز الطابع المعولم للرأسمال المالي كعامل حاسم في تعميق الأزمات. فقد أصبح بإمكان المستثمرين نقل أموالهم بسرعة من مناطق أقل ربحية إلى أخرى أكثر جذبا، دون اعتبار يذكر للآثار الاجتماعية أو لمصير العمال. وتبدو الرأسمالية المالية، في هذا السياق، كالنار التي تقفز من منطقة إلى أخرى بحثا عن الوقود؛ فبمجرد أن تستنفد فرص الربح في مجال أو بلد ما، تنتقل بسرعة إلى فضاءات جديدة حيث تتوفر شروط تحقيق أرباح أعلى، تاركة خلفها آثارا اقتصادية واجتماعية ثقيلة.
وقد تجلى ذلك بوضوح منذ تسعينيات القرن الماضي، حين انتقلت استثمارات عديدة من أوروبا الغربية والولايات المتحدة إلى دول أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، مستفيدة من انخفاض الأجور وضعف الحماية الاجتماعية. هذا الواقع دفع بعض المحللين إلى وصف العامل في ظل هذه المنظومة بـ"العامل القابل للاستبدال" (ouvrier jetable)، في إشارة إلى هشاشة وضعه داخل سوق العمل.
إن مسلسل الأزمات في ظل الرأسمالية المالية لم يعد استثناء، بل أصبح سمة بنيوية لهذا النظام. فمنذ منتصف التسعينيات، مرورا بأزمة 2008، وصولا إلى الأزمات الراهنة، يتكرر السيناريو ذاته: توسع مالي غير مرتبط بالإنتاج، يليه انفجار مفاجئ، ثم تدخلات لإنقاذ المؤسسات الكبرى، غالبا على حساب المجتمع.
في المحصلة، تكشف الرأسمالية المالية عن مفارقة عميقة: نظام ينتج ثروات هائلة، لكنه في الوقت نفسه يولد هشاشة اقتصادية واجتماعية متزايدة. وبينما تستمر الأسواق في فرض منطقها، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة الدول والمجتمعات على استعادة التوازن بين المال والإنتاج، وبين الربح والاستقرار.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح
- المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة


المزيد.....




- ارتفاع الغاز الإيراني إلى 20 مليون م³ يومياً يعزز إنتاج الكه ...
- برنت الفوري يكشف أزمة خفية في سوق النفط العالمية
- الصين تودع انكماش أسعار المنتجين بعد أكثر من 3 سنوات
- تراجع مبيعات بورشة الألمانية للسيارات في الربع الأول
- أوروبا وأميركا تقتربان من إبرام اتفاق بشأن المعادن الحرجة
- استراتيجية التكامل العربي: هل حان وقت التحرر من التبعية الاق ...
- تعديل وزاري في الجزائر يستحدث وزارة للمناجم لتعزيز التنوع ال ...
- النفط يرتفع بعد هجمات إيرانية ومخاوف مضيق هرمز
- الذهب يتراجع لكنه يحافظ على مكاسب أسبوعية
- 36 مليار دولار إيرادات -TSMC- في الربع الأول بزيادة 35%


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عبدالله بولرباح - الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.