أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة














المزيد.....

المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 02:52
المحور: الادب والفن
    


كان أستاذي للعربية بقسمي المتوسط الأول والثاني، يتربع على رأس قائمة الأساتذة المحبوبين عند التلاميذ، إناثا وذكورا. الجميع كان يتمنى أن يحالفه الحظ ليكون ضمن قسمه. عرف هذا الأستاذ بأسلوبه الشيق في التدريس، الذي يحول الدرس من واجب الى متعة، كأننا في نزهة مشوقة. في حصة التاريخ، كان يلقب كل تلميذ أو تلميذة باسم خليفة من خلفاء الدول الأموية والعباسية والمرابطين والموحدين وغيرهم، أو من قادة جيوشهم. لقبني أنا باسم المؤسس الروحي للدولة الموحدية، المهدي بن تومرث. كنت مزهوا بهذا اللقب، لما حكى لنا الأستاذ عن الرجل وأطال في الحديث عن مناقبه. مقابل اللقب، كان علينا أن نموقع من لقبنا باسمه في السيرورة التاريخية ثم نحفظ تاريخ ميلاده ونتذكر أهم ما قام به خلال حياته ثم تاريخ وفاته، ونستعرض ذلك أمام أستاذنا كلما طلبه منا.
في الحصة الأولى للعربية، نادى علينا الاستاذ من لائحة بحوزته. كان إسمي العائلي ينتهي بياء النسب، مثل العديد من أسماء التلاميذ والأساتذة، التي تبدأ بال الشمسية أو القمرية، وتنتهي بياء النسب، فتبدو في صياغتها كأسماء عربية. لذلك كان من الصعب ان تميز بين من يتكلم ب"الشلحة" والدارجة ومن لا يتكلم إلا بالدارجة. قال لي أستاذ العربية وهو يقرأ إسمي: "لم هذه الياء الزائدة؟ لنحذفها". صحح الاسم باللائحة. ومن حسن الصدف أنني، بعدما عرفت أنني كنت مسجلا بالحالة المدنية داخل الاجل القانوني للتصريح، وجدت الاسم مكتوبا بالضبط كما صححه الأستاذ.
كان مسكن أستاذ العربية على الطريق بين المدرسة وبيت أسرتي. كلفني بأخذ دفاتر التمارين من المدرسة إلى بيته، ثم المرور صباحا على بيته لإرجاعها إلى المدرسة، بعد قيامه بتصحيحها. كنت أسير بحرص شديد وأنا أحمل تلك الدفاتر، كأني أحمل كنزا ثمينا، أحاول المشي وحيدا، منتبها، كي لا يضيع أو يتسخ أي منها، وكنت لا أسمح لا لنفسي ولا لغيري أن يطلع على أي منها.
لا زلت أذكر أول صباح مررت فيه بمسكن الأستاذ، لأخذ الدفاتر. طرقت الباب بلطف، وانتظرت ان يخرج لي أحدهم الدفاتر. فتح الباب، وإذا بالأستاذ نفسه يقف أمامي، مرتديا جلبابا صوفيا ناصع البياض. ارتبكت لحظة، ثم سلمت عليه، وقلت متلعتما: أ السي جيت ناخذ الدفاتر. فقال لي: زيد تفطر بعدا. فوجئت وخجلت في البداية، لكنه ألح فدخلت. أجلسني بصالون تقليدي زاهي الألوان، وبعد لحظة قدم لي حريرة ساخنة. ما إن انتهيت من شربها حتى وضع أمامي على الطاولة صينية بها كأس قهوة بالحليب وزبدة وخبز، فأمرني بالأكل، قائلا: "كل باش تقرا مزيان". كان الفطور لذيذا فتناولته، رغم أن أمي ما كانت تسمح لنا بالخروج من البيت دون إفطار.
واضب أستاذي على إدخالي لتناول الفطور كلما مررت ببيته لأخذ الدفاتر، فاضطررت للاستغناء عن الإفطار ببيتنا، رفقا بمعدتي الصغيرة.
في مخيلتي الطفولية، التي كان الواقع لا يزال بها مسجونا داخل شرنقة الأحلام، بدا لي مرة، أن الأستاذ آمن ولو لبرهة أنني ابن تومرت بعينه، فكان ذلك الفطور اللذيذ نصيبي من هذا الوهم الجميل، أو أنه حرس على تكريم نسب تاريخي، لبسته أنا صدفة لضرورة تعليمية- تعلمية.
ذات مرة وأنا أفطر بصالون أستاذي، وأنا أتملى بألوان أثاثه الزاهية، وأتتبع متاهات زخارفه المتنوعة، سمعت صوت أستاذي كهمس في حلم، وهو يحادث أحد أفراد أسرته بلساننا الأمازيغي الورايني. سرت في نفسي فرحة مختلطة بالإعجاب والحيرة: أيمكن أن يكون الأستاذ وراينيا، واسمه عربي؟ أم تعلم "الشلحة" مثل إبنة جارتنا؟
بعد لحظة، دخل الاستاذ إلى الصالون، وكنت قد انتهيت للتو من الإفطار، اتجه الى الدفاتر ليسلمها لي. استجمعت كل ذرات الشجاعة المشتتة بأرجاء مختلفة مني، تعرفت على بعضها البعض ربما لأول مرة، فخرجت قولا من فمي، سؤالا مترددا: أ السي كتعرف الشلحة؟ فاجأني وهو يجيبني ضاحكا: "إماين اثغيل حنام؟" ابتسمت وأخذت الدفاتر، فسرت والسعادة تمشي بجانبي.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا
- مسارج القلوب
- رحلة خوف أطول من الطريق
- اهازيج حقل العدس
- الوطنية في المغرب: جذور أعمق من سردية الحركة الوطنية
- بين المعين والصدأ
- العرائض على المستوى الترابي بالمغرب، آلية للمشاركة في صنع ال ...
- أثر يعود ضوء
- شمس في ليل القلب
- رمح القمر
- جيل Z بالمغرب خوارزميات واحتمالات
- التشبيك الجمعوي بالمغرب: من أجل فعل مدني منسق وفعال
- برنامج جيل Z بالمغرب: بين وعي جديد وانتظارات مؤجلة
- فوق أهرام الأحزان
- بين فجر السماء وليل الأرض
- حين تجالس بعض الأرواح، عن الذين يزرعون النور فينا
- على ضفة القلب
- بين العين والهمس
- الإنسان والأرض والرمز في كتاب: -إثنوغرافيا آيت وراين، الأرض ...
- الليبرالية المتوحشة: من احتلال الدولة إلى السيطرة على شرايين ...


المزيد.....




- فخ -الاختراق- من الداخل.. كيف تمنحنا السينما مفاتيح فهم لغز ...
- قفزة في مشاهدات وثائقي ميشيل أوباما على نتفليكس بعد إطلاق في ...
- معاذ المحالبي للجزيرة نت: الاهتمام الروسي باليمن ثمرة لتلاقي ...
- يكلمني -كنان- ويكتبني الوجع.. كيف يواجه شعراء غزة -رواية الد ...
- مهند قطيش يكسر صمته: -الدجاج السياسي- شهادة فنان عن جحيم صيد ...
- بتقنيات الذكاء الاصطناعي.. فيلم -مادلين- يوثق كواليس اختطاف ...
- من -لوليتا- إلى -بقعة ضوء-.. أشباح إبستين في الخيال الغربي
- الفن الذي هزم الجغرافيا.. فنانة فنزويلية تحترف -الإبرو- التر ...
- تركيا تحظر حفلات موسيقى الميتال في إسطنبول بسبب القيم المجتم ...
- بمشاركة سلمان خان ومونيكا بيلوتشي.. تركي آل الشيخ يكشف عن ال ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة