أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - اهازيج حقل العدس














المزيد.....

اهازيج حقل العدس


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 22:15
المحور: الادب والفن
    


كانت السعادة هي الغالبة على مدشرنا. الأحزان، وإن كانت مؤلمة، كانت مؤقتة، لا تجد من يتفرغ لها، فتنسحب سريعا كما جاءت. لكل فصل حكايات، أشغال وفرح.
سكان المدشر، نساء ورجالا، كانت علاقاتهم قوية كأنهم إخوة وأخوات، يحتاج بعضهم بعضا باستمرار. يدخلون بيوت بعضهم بعضا دون استئذان ثقيل او بروتوكولات.
النساء كن عماد الحياة، نقطة انطلاقها، مقام لحنها ونغمة ركوزها. يحتجن بعضهن بعضا في كل شئ: هذه تطلب الملح، وأخرى الخميرة، وتلك في حاجة إلى ملعقة عسل للعلاج. يتعاونن في الأشغال الاستثنائية، في جمع بعض المحاصيل الزراعية التي يتكفلن بها، كالعدس والحمص والشعير الذي تقزمت سنابله، ويتأفف الرجال عن حصده بالمنجل. يتعاونن في المناسبات الاجتماعية: العقيقة، الختان، الأعراس، وفي إعداد منسوجات الزرابي والأغطية والملابس الصوفية.
يلتقين يوميا، كأنهن يلتقين لأول مرة: يتحادثن بصدق وبدهشة المستكشف، يتساءلن، بفضول وبحس المتفلسف، يتبادلن الأخبار، يشتكين بعض الوعكات الصحية، فيجدن من بينهن من تشخص ومن تصف العلاج ومن تواسي. يتقاسمن الأفراح ويذقن بعضهن البعض أطباقهن الساخنة. الكل في حركة دؤوبة، كالنحل في خلاياه، والصغار يلهون جماعات تحت مراقبتهن جميعا.
كانت لقاءات النساء غنية بالأخبار، بالمخاوف، بالآمال وبالفرح، يتحاكين أحلام الليلة السابقة ويحاولن تفسيرها. يتتبعن أحوال الحوامل والمرضى والعجزة ويعتنين بهم. يرصعن لقاءاتهن بحكايات مذهلة، ويغنين أغان وأهازيج محلية مدهشة.
لهن برنامج عمل يومي يتغير مع الفصول: يبدأ نهارهن باكرا جدا، بحلب المواشي، ثم العجين وإعداد الفطور، فإيقاظ الأطفال المتمدرسين، إفطارهم وتوجيههم للمدرسة، ثم جلب الحطب والماء، وطبخ الخبز وإعداد الغداء وغسل الملابس.
في الصيف، تزداد الرزنامة عملا في الحقول. يقلعن بعض المحصولات يدويا. يقلعن العدس، ويكومنه في صفوف ليجف تحت الشمس، قبل أن ينقله الرجال إلى البيدر. كان العمل شاقا، لكن الحقول كانت تفتح لهن فضاء أوسع من الجدران، فيملأن التعب بالأهازيج. أصوات جماعية، صافية، ترفرف كفراشات فوق حقول العدس، فتخفف القنوط.
من بين تلك الأهازيج، واحدة علقت بذهني. رددنها ذات صيف من بداية ستينيات القرن الماضي:
أ حامد آ حميد
أحامد ألمرضي
شريلي رابعة
أو ما الكوردون راه عندي.
في ذلك الصيف، مرضت إحدى النساء فجأة. كانت من أكثرهن غناء وضحكا، صوتها العذب، الذي كان يصدح على إيقاع خفيف، تنقاد له باقي الاصوات التي تختلف نبراتها لكنها تتوحد في اللحن والمقام، فيبدين كجوقة غنائية طروبة. غابت أياما، فخفتت الأهازيج، وبدا جو الحقل أثقل مما كان، مملا ومتعبا، صامتا على غير عادته. سرت همهمة بين النساء، دعاء خافت، أعشاب وملعقة عسل أخرى مرت من يد إلى يد وانتقلت من بيت إلى بيت.
في صباح قائظ، ظهرت المرأة فجأة كنور مبهج عند حافة الحقل. كانت متعبة، لكنها واقفة. توقفت النساء عن العمل، ثم ابتسمت إحداهن، وبدأت تغني. التقطت الأخريات اللحن، وعاد الصوت جماعيا، أقوى من ذي قبل. رفعت المرأة يدها، ورددت المقطع الأخير لكن صوتها كان مبحوحا، بسبب المرض، فضج الحقل بالضحك والغناء.
حينها فقط فهمت، دون أن أفهم الكلمات: أن الغناء لم يكن للفرح وحده، بل للحياة نفسها، كي لا تنقطع.
اليوم، وأنا أستعيد تلك الصور، أتذكر وجوه تلك النساء، كن في ريعان الشباب، بملامح طفولية وأصوات مترنمة، كأنهن تدربن على الغناء في معاهد فنية. لم يفارفقهن الجمال والفرح رغم أنهن كن أمهات لعدد من الأطفال. كثيرات رحلن، لكن تلك الأغنية، كلما مرت في رأسي، تعيد إلي أجواء الصيف وجمع المحصول من الأرض، وذكرى نساء رائعات يغنين كي تستمر الحياة.
مرت الأعوام، وتغير المدشر، وتفرقت الوجوه. غير أن الصيف، كلما جاء، يتوقف قليلا عند تلك الحقول كأنه يعيد تأملها من جديد.
في بعض الصباحات الهادئة، المفعمة بهواء خفيف، وتحت سماء توردت وجنتاها خجلا من الأشعة الاولى لشروق الشمس، تأخذني يد الحنين إلى تلك الامكنة، أمر بصمت على جنبات تلك الحقول كأني بمكان مقدس. كنت أظن أنني أسمع شيئا: ليس غناء كاملا، ولا صمتا خالصا، بل أثرا يشبه النفس بعد التعب. لا أعرف إن كان الصوت يأتي من الأرض، أم من النساء اللواتي مررن بها، أم من طفل ظل واقفا هناك، لا يفهم الكلمات، لكنه يحفظ اللحن، أم منهم جميعا.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوطنية في المغرب: جذور أعمق من سردية الحركة الوطنية
- بين المعين والصدأ
- العرائض على المستوى الترابي بالمغرب، آلية للمشاركة في صنع ال ...
- أثر يعود ضوء
- شمس في ليل القلب
- رمح القمر
- جيل Z بالمغرب خوارزميات واحتمالات
- التشبيك الجمعوي بالمغرب: من أجل فعل مدني منسق وفعال
- برنامج جيل Z بالمغرب: بين وعي جديد وانتظارات مؤجلة
- فوق أهرام الأحزان
- بين فجر السماء وليل الأرض
- حين تجالس بعض الأرواح، عن الذين يزرعون النور فينا
- على ضفة القلب
- بين العين والهمس
- الإنسان والأرض والرمز في كتاب: -إثنوغرافيا آيت وراين، الأرض ...
- الليبرالية المتوحشة: من احتلال الدولة إلى السيطرة على شرايين ...
- الديمقراطية التشاركية بإقليم تازة(المغرب).. غياب الإرادة وتش ...
- التكنولوجيا الرقمية، آلية لتعزيز المشاركة الاقتصادية للنساء
- حين لا تكفي موازين القوى: من الهامش تصنع الهيمنة
- ظل الارتطام


المزيد.....




- بيان صادر عن تجمع اتحرّك حول فيلم “اللي باقي منك”
- -لهذا كان تشابلن عبقرياً-: قصة فيلم -أضواء المدينة- وأعظم لق ...
- مقتل ممرض مينيابوليس.. مشاهد تناقض -الرواية الرسمية-
- -ترامب سيرحّلك-: نائب ديمقراطي يتعرض لاعتداء باللكم خلال مهر ...
- السيف والقلم.. هل غيرت غزة وظيفة المثقف في العالم؟
- فيلم -هامنت-.. هل وُلد إبداع شكسبير من رحم الفقد والخسارة؟
- يوسف شاهين... أيقونة فنية عكست مخاض العالم عبر مرآة السينما ...
- مهرجان الأفلام بسولوتورن: إدنا بوليتي ضيفة شرف شغلتها قضاي ...
- علي جعفر العلاق للجزيرة نت: غادرت بغداد إلى صنعاء كآخر الناج ...
- نص سيريالى بعنوان(حِين يصير الغيَاب حبيبَة)الشاعرمحمدابوالحس ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - اهازيج حقل العدس