أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - رحلة خوف أطول من الطريق














المزيد.....

رحلة خوف أطول من الطريق


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 00:11
المحور: الادب والفن
    


كان مرض جدي من جهة الأم أشبه بطيف حزن حط رحاله ببيتنا. كانت حالة أمي مضطربة كموج بحر لا يهدأ، ومزاجها تعكر صفوه تماما. كان عليها أن تختار بين خيارين أحلاهما مر: ان تتركنا وحدنا بالبيت وتسافر مسافة يوم كامل مشيا على الاقدام، لتطمئن على والدها وروحها كل روحها، مهزوزة ومشوشة غن فلذات كبدها، او أن تبقى لترعانا، والشك يتعبها والخوف يقض مضجعها والوجع يعتصر قلبها. لم تجد أمي عينا تطمنئن إليها لترعانا وتحرس على شؤون البيت كما تحب، خلال غيابها. جارات كثيرات اقترحن عليها تعاونهن في الأمر، لكنها لم تطمئن. لقد اعتادت ان تترك البيت في يد ابنة جارتنا. كانت شابة جميلة ومحبوبة. كانت تحبنا كما نحبها. تعلمت في زمن قياسي التحدث بلساننا الأمازيغي، فاقتربت اكثر منا، كأن اللغة لا تنطق فقط بل تعيد حساب المسافة بين القلوب. لم تكن الشابة ببيت أهلها، كانت في سفر منذ عدة أيام. كانت أمي تنتظر رجوعها بفارغ الصبر.
مرت أيام من الخوف والقلق، قبل ان تعود الشابة من سفرها عصر ذلك اليوم. برقت لحظة فرح، في ليل خوف أمي، كانفراج عابر في سماء ملبدة بغيوم قاتمة، فعزمت على السفر في اليوم الموالي. مساء ذلك اليوم، والشمس تتحرك بسرعة نحو المغيب، كأنها تخشى أن يدركها الليل، وصلنا خبر مبتور، ناقص، كأنه تعمد أن يكون كذلك: شخص ما توفي في دوارنا. لا من؟ ، ولا متى؟، ولا كيف؟ ماذا؟ وأين؟ فقط. كان الخبر يشبه الليل نفسه، واسعا، غامضا، وقابلا لأن يبتلع كل الاحتمالات.
ما إن سمعته أمي حتى ملأت سؤال الخبر "من؟" باسم أبيها. لم تسأل، لم تنتظر. الليل حين يدخل القلب لا يحتاج إلى إذن. صرخت وبكت، ثم قالت بهدوء مفزع: انتهى الأمر...انتهى الأمر.
لم تكن تبكي موت أبيها فقط، بل تبكي الطريق الذي لم تسلكه في الوقت المناسب. جمعت أغراضها بسرعة، وأرادت الرحيل وحدها، كأنها لو مشت في ظلام الليل بما يكفي، ستعيد عقارب الزمن إلى الوراء، لستصل إلى اللحظة التي أخطأتها.
كنا صغارا، حاولنا تهدئتها، وتذكيرها بطول الطريق ومتاعبه ومخاطره ليلا، وحاججناها بخوفنا الشديد عليها، لكن عزمها وقرارها كانا يصدران من مكان لم يكن في متناول أيدينا.
خرجت مع أبي وجارة لنا، قريبة أمي. كان الليل كثيفا، والطريق غير مرئي، لكنهم كانوا يحفظون تفاصيله بدقة، ويبصرون بقلوبهم لا بعيونهم.
فارق الكلام أمي، واستنزف المشي السريع كل طاقتها، كانت تسبق رفقتها، وكأنها تحاول أن تطوي المسافة في خطوة واحدة، او لعلها كانت تهرب من فكرة واحدة: أن يكون الخبر صحيحا لأنها صدقته بسرعة. أما الجارة، فكانت، تتمع بروح فكاهة عجيبة، كان بإمكانها أن تنتزع الضحك من قلب أعتى الأحزان. كانت تحاول ان تؤنس، كانت تضحك وتروي الحكايات، تنسج من مخاوف الليل واتعاب السير قفشات مسلية. كانت تمشي عكس الليل، تحاول أن تثقب عتمته بالكلام.
عند أول خيط الصبح، خف الليل، لكن الطريق لم ينته بعد والتعب قد بلغ منهم مبلغه. جلسوا ليستريحوا، تقاسموا كسرة خبر وليمون. هنا ظهر مسافر من دوار قريب من مسكن جدي. اندهش لرؤيتهم في ذلك الوقت وفي ذلك المكان، عاتبهم على مخاطرتهم بأنفسهم ليلا وهنأهم لوصولهم هنا سالمين. ثم أخبرهم إن المتوفى ليس جدي. بدا وكأن الخبر عاد ليكتمل أخيرا. الاسم الذي سحب من الجملة في البداية عاد الآن، ومعه عاد التوازن.
تقول أمي إن الراحة لم تأتها فورا. لأن الخوف، حين يطول، يترك أثرا في النفس ولا يغادر بسهولة.
حين وصلت إلى والدها وجدته، نائما، متعبا، لكنه حي. شعرت كأنها وصلت إلى نهاية طريقين معا: طريق المسافة التي قطعتها ليلا بما حملته من مخاطر واتعاب، وطريق الليل الذي حملته داخلها.
مكثوا يومين، ثم هموا بالعودة. وأثناء الوداع، ضحكت الجارة وقالت لجدي، وكانت تناديه خالي: «إن كان هناك من موت يتبعك يا خالي، فمت الآن، قبل أن نغادر، فنحن لن نعود مرة أخرى!»
ضحك الجميع. لكن أمي كانت تنظر إلى الطريق.
قالت لي لاحقا: الخبر المبتور علمني شيئا…حين لا يكتمل الكلام، يكمله الخوف. وحين يطول الليل، نصير نحن الطريق.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اهازيج حقل العدس
- الوطنية في المغرب: جذور أعمق من سردية الحركة الوطنية
- بين المعين والصدأ
- العرائض على المستوى الترابي بالمغرب، آلية للمشاركة في صنع ال ...
- أثر يعود ضوء
- شمس في ليل القلب
- رمح القمر
- جيل Z بالمغرب خوارزميات واحتمالات
- التشبيك الجمعوي بالمغرب: من أجل فعل مدني منسق وفعال
- برنامج جيل Z بالمغرب: بين وعي جديد وانتظارات مؤجلة
- فوق أهرام الأحزان
- بين فجر السماء وليل الأرض
- حين تجالس بعض الأرواح، عن الذين يزرعون النور فينا
- على ضفة القلب
- بين العين والهمس
- الإنسان والأرض والرمز في كتاب: -إثنوغرافيا آيت وراين، الأرض ...
- الليبرالية المتوحشة: من احتلال الدولة إلى السيطرة على شرايين ...
- الديمقراطية التشاركية بإقليم تازة(المغرب).. غياب الإرادة وتش ...
- التكنولوجيا الرقمية، آلية لتعزيز المشاركة الاقتصادية للنساء
- حين لا تكفي موازين القوى: من الهامش تصنع الهيمنة


المزيد.....




- هدى شعراوي: إلى أين وصلت التحقيقات بقضية الفنانة السورية؟
- مهرجان عمّار يختتم دورته بتكريم سينمائيين مهتمين بالمجتمع وا ...
- رواية -غليف- تقتفي أثر الحرب في غزة وتشرح -رأسمالية المراقبة ...
- فوضى السرد: انتحار روائي أم صورة لعالم جديد؟
- ندوب صامتة.. كيف أعادت السينما رسم ملامح الرجل المنكسر؟
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ : قراءة موسّعة في مشرو ...
- الملتقى الثقافي المصري - المغربي يناقش دور الثقافة في بناء ا ...
- ماتت ملك
- بن يونس ماجن: الأخطبوط البرتقالي
- داية الدراما السورية.. مقتل الفنانة هدى شعراوي بدمشق


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - رحلة خوف أطول من الطريق