أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - ظل محند














المزيد.....

ظل محند


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 09:53
المحور: الادب والفن
    


على تلك الأحراش الصخرية الممتدة بين العين والغابة، كانت الأرض تفوح برائحة الطفولة، وتتنفس حكايات الأجداد القديمة. أشجار البلوط الأخضر ترفع أغصانها في كبرياء، كأنها تحرس ذاكرة الجبل من النسيان. وبين تلك الصخور، اعتاد محند أن يمر حاملا سلاحه الناري، يتفقد الممرات، ويستعيد في كل خطوة صدى معارك الأجداد. حين أمر من هناك، يخيل إلي أني أراه يقفز من ربوة إلى أخرى، ثم يجلس إلى طاولة التاريخ، يفتح صفحة جديدة في كتاب الوطن، يخطها بحبر من تراب الأرض وعرق الرجال.
رسم محند خططا محكمة، مستفيدا من معرفته الدقيقة بطبوغرافية المنطقة. كانت فلول الدخلاء تسقط تباعا في فخاخه. حاولوا بكل الوسائل القبض عليه، لكنه كان ينزلق من بين أيديهم كالسمكة. يظهر حيث لا يتوقع أن يكون، ويختفي حيث لا يظن أن يمر إنسان. يهجم كأسد مفترس، وينسحب كصقر خاطف.
نقل جبهة معاركه تدريجيا من الغرب إلى الشرق، ومن السهل إلى الجبل. كان بارعا في التخفي كما كان في الرصد والتحطيم. تاه الغزاة، وسأل بعضهم بعضا في ذهول: "أإنسان هذا؟ أم جني خرج من رحم الجبل؟"
أزيد من عشر سنين مرت، وهو يقاوم، لا يهدأ له بال، لا يعرف للنوم إلا لماما من الليل، لا يمر بالمكان نفسه مرتين، قبل أن يسقط شهيدا في ساحة المعركة، كان محند مقاتلا لا مساوما، مؤمنا أن الحرية تروى بالروح، لا بالكلمات. حين غاب رفعت الريح عقيرتها في كبرياء، كأنها تنوح على محند، أو تنشد له نشيد الخلود، رددت الجبال صدى المعارك القديمة، وحينت السجل الذهبي لمن مروا من هنا وتركوا أثرا لا يمحى، فأضافت اسم محند على رأس القائمة. بقيت ظلاله تسري بين الجبال.. نسجت المخيلة الشعبية حوله أساطير لا تنتهي: قيل إنه لم يمت، وأن قبره ليس قبرا، بل روضة تشفي، وتمنح العاقر أمومة مؤجلة.
ظن الغزاة أنهم أحكموا السيطرة على كل شيء، وقالوا بثقة متغطرسة: "حان الوقت لزرع نظامنا في هذه الأرجاء."
في صباح غائم من صيف ثقيل، وصلت إلى المنطقة آليات غريبة، تشق الأرض وتقتلع الأشجار كما لو كانت تمحو تاريخا بأكمله. على الطرف الغربي من الوادي، حيث كانت الخنازير البرية تعيش في أمان، بدأ الغازي مشروعه الأول: حظيرة خنازير.
ظلت الأشغال أسبوعا كاملا، حتى بدا المكان كجرح مفتوح في جسد الأرض. وحين امتلأت الحظيرة بسكانها الجدد، انبعثت رائحة خانقة لم تعرفها التربة من قبل، رائحة بلا أصل، بلا ذاكرة.
في تلك الليلة، تسلل الخنزير البري الأكبر من الغابة. كان ضخما، كأن الجبل صاغه من حجر وروح قديمة. تأملته الأشجار وهو يعبر السياج، كأنها تعرفه، وكأن الريح همست باسمه القديم: محند.
قفز فوق الحظيرة ونثر فيها فوضى عارمة. لم يستفق الحارس إلا على صرخات الخنازير الداجنة. هرع مذعورا، وأطلق النار عشوائيا. لكن الخنزير البري كان أسرع من الرصاصة، اختفى في ظلمة الغابة، تاركا خلفه فزعا لا يهدأ.
تكررت الغارات ليال عديدة. كان الخنزير البري يعود كل مرة في توقيت مختلف، يهاجم ويختفي، لا تراه العيون إلا كوميض البرق.
قال الناس إنه ليس خنزيرا عاديا، بل روح الجبل وقد تجسدت لتدافع عن نفسها. وقال آخرون إنه ظل محند، عاد في هيئة حيوان ليكمل ما بدأه من مقاومة.
أرسل الغازي المزيد من الحراس، ونصبت الأفخاخ، وأُضيئت الأنوار في كل زاوية، لكن الخنزير كان يفلت دائما، كأنه يعرف الطرق السرية تحت الأرض.
ومع كل غارة، كانت أصوات الليل تهمس: "الأرض لا تنام... الأرض تعرف أبناءها."
في فجر خريف رمادي، وجدت الحظيرة خاوية على عروشها، جدرانها منهارة، وأثر أقدام كبيرة تتجه نحو الجبل.
لم يعثر على الخنزير بعدها أبدا، لكن كل من مر بالمكان بعد سنين، كان يقسم أنه يسمع في الليالي المقمرة صرخة بعيدة، تمتزج بصفير الريح ورائحة البلوط.
هناك، عند سفح الربوة، نصب القرويون شاهدا حجريا صغيرا، كتبوا عليه: "هنا قاوم الخنزير الحر، آخر من تذكر أن الأرض لا تباع، وأن الرائحة لا تزور."
ومنذ ذلك اليوم، صار محند والخنزير البري وجهين لحكاية واحدة: حكاية الأرض حين تنهض لتدافع عن نفسها حتى الرمق الأخير.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح
- المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة
- عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا
- مسارج القلوب
- رحلة خوف أطول من الطريق
- اهازيج حقل العدس
- الوطنية في المغرب: جذور أعمق من سردية الحركة الوطنية
- بين المعين والصدأ
- العرائض على المستوى الترابي بالمغرب، آلية للمشاركة في صنع ال ...
- أثر يعود ضوء


المزيد.....




- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...
- مدريد تحتفي بالثقافة الإيرلندية في موكب ملون ليوم القديس بات ...
- أوسكار 2026.. سقوط -ملك الأفلام- وصعود الانقلاب الخفي في هول ...
- الأوسكار يختم -مسيرة مذهلة- لفيلم هامنت من إنتاج RedBird IMI ...
- -كأن تختبئ من المرآة أمامها-.. شعرية الهامش وجماليّات الانكس ...
- إنتاج -آي إم آي ريد بيرد-.. رحلة -هامنت- من الأدب للأوسكار
- العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس
- 27 رمضان.. يوم واحد قلب تاريخ 4 دول كبرى


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - ظل محند