أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - حين غاب ضوء الفرح














المزيد.....

حين غاب ضوء الفرح


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


أستطيع الآن أن أؤكد بكل ثقة أن أحمد لم يغمض جفنيه على طول تلك الليلة، ولو للحظة واحدة. ومع ذلك، ظللت أترقب قدومه صباح ذلك اليوم المشؤوم. لم أدرك أن الصباح أوشك على الرحيل إلا حين صاح حارس السوق معلنا قرب إغلاق الأبواب.
كالعادة، كنت مع رفاقي في مباراتنا اليومية لحمل صناديق الخضر والفواكه إلى ظهر شاحنات كبيرة مهترئة في سوق الجملة. وما أن وضعت آخر صندوق عن كثفي حتى أسرعت نحو مطعم با لخمار، علني أجد أحمد هناك.
في ذلك المكان اعتدنا تناول وجبتنا المفضلة: اللوبية. كانت دائما أشهى ما يطهى. غير أن اليوم خيم على المكان جو موشح بالسواد: اللوبية بلا طعم، كأنها تبن، والمكان خال من قهقهات أحمد. حتى با لخمار نفسه بدا لي حزينا لأول مرة، بعدما اعتاد أن يكون محايدا بين الحزن والفرح.
لم يكن في يوم أحمد هذا ما يوحي بالاستثناء. فالزيادة التي لامست جيوبنا صباحا في ثمن الحليب والخبز لم تكن سوى تصحيح لأخطاء سابقة تسربت سهوا للأسعار، كما قالت الصحف الحكومية. أما الدخول المدرسي، فلم يعد يعنيه في شيء، بعد أن لفظت المدرسة آخر سبعة من أبنائه بعبارة: «تجاوز السن القانونية».
كان علي أن أذهب زوالا إلى كلية الحقوق لحضور محاضرة أستاذنا المرموق في العلاقات الاقتصادية الدولية، لكن كيف أدرس وأنا لا أعرف مصير أحمد؟ كيف لي أن اهتم بشؤون اقتصادية دولية وذهني مبعثر؟ أيهما أولى: العلم أم الإنسان؟
اوقفت الجدال بداخلي، سرت على غير هدى في الزقاق الضيق المؤدي إلى الطريق، ثم إلى المسلك الذي يفضي في نهاية المطاف إلى الحي الصفيحي حيث مسكن أحمد. لم أنتبه وأنا أقطع الشارع إلا على منبه شاحنة مجنونة كادت أن تدرج اسمي في سجل التاريخ من باب حوادث السير.
كانت الشمس تميل نحو الزوال حين وصلت إلى أطراف المدينة. الهواء محمل برائحة الغبار والخبز الطازج، والشارع يغص بأصوات الباعة وصدى الحكايات اليومية. توقفت عند منعطف ضيق يقود إلى حي يسمونه حي الفرح. الاسم وحده كان كافيا ليوقظ في قلبي سؤالا: أي فرح يمكن أن يسكن هنا؟
خطوت بخفة بين الأزقة الضيقة، والجدران المتعبة تهمس بأسرار غابرة. وعلى مقربة من الحي، رأيت أطفالا حفاة الأقدام، في عيونهم فرح لا يصدق، كأنهم يسرقون البهجة من قلب الفقر. وأمهات يحملن أثقالا على ظهورهن، ويمسكن ورودا بأيديهن، كأنهن يوازن الحياة بين الألم والجمال. رأيت أقمشة تلتف على أجساد تشبه الأشباح، ودموعا مسكوبة على جفون الدهر. رأيت أحلاما تكبر رغم الصمت. رأيت الأقلام تتفتح، والآمال تنمو على صخر، والأقدام الحافية تخوض في الوحل، لكنها تسير إلى وجهتها بثبات مدهش.
في ذلك الحي، رأيت بيوتا دافئة رغم ضيقها وتشققها، وأرواحا صافية رغم ما حولها من غبار وضجيج. رأيت...رأيت، وفي القلب غصة، وفي الروح نور لا يبهت.
اقتربت من المكان الذي اعتدت أن أجد فيه أحمد. لأول مرة رأيت رجالا يتحلقون حول باب نصف مفتوح. سألت أحدهم:
– أهذا بيت أحمد؟
نظر إلي بحزن وقال:
– نعم... هو بالداخل. زوجته المريضة ماتت هذا الصباح، ونحن ننتظر حملها إلى المقبرة.
كانت مريضة منذ مدة قصيرة. رأيتها ذات يوم بالمستشفى الإقليمي كخرقة باهتة اللون، لا تقوى على الكلام. لم يتمكن الأطباء من تشخيص مرضها، عانت في صمت ثم أسلمت الروح.
من تعبها بني البيت. حبلت وولدت دون فواصل تسعة أبناء، خطف الموت إثنين منهم. أصابها الأسى عنهما لكنها تعافت. كانت تخرج مع الفجر كنملة لا تعرف التوقف، تعجن هنا وتخبز هناك تطهو في هذا الزقاق وتغسل وتوضب في ذلك البيت، تنسج من عرق ساعديها خيوط قوت أسرتها خيطا، خيطا. لا تستريح إلا حين يغلبها النوم قبل أن توقظها خيوط الصبح من جديد. جسدت بكدها المتواصل نقطة ضوء بحياة أحمد وفانوسا ينير أزقة الحي.
عانقت أحمد وأنا أواسيه، وقلبي مثقل بالسؤال: كيف سيصير أحمد دون زوجته؟
ورغم صمته، سمعت صدى الجواب يتردد في داخلي: ربما لم تمت وحدها... ربما مات معها آخر ضوء في ليل أحمد.
لكن نورها بقي يسري رغم كل شئ وينير أزقة حي الفرح الحزينة



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح
- المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة
- عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا
- مسارج القلوب
- رحلة خوف أطول من الطريق
- اهازيج حقل العدس
- الوطنية في المغرب: جذور أعمق من سردية الحركة الوطنية
- بين المعين والصدأ
- العرائض على المستوى الترابي بالمغرب، آلية للمشاركة في صنع ال ...


المزيد.....




- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...
- التشيع العربي والفارسي: كتاب يشعل الجدل ويكسر المحرّمات
- وفاة الكاتب والمترجم المغربي عبد الغني أبو العزم
- -فاميلي بيزنس- و-برشامة- و-إيجي بيست-.. أفلام عيد الفطر في م ...
- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...
- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - حين غاب ضوء الفرح