أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-














المزيد.....

جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 02:01
المحور: الادب والفن
    


وادي الجنة
حين زرت ذلك الوادي أول مرة، ذات صيف في طفولتي، برفقة والدي اللذين قصدا المكان لغسل الأفرشة، خيل إلي أننا بلغنا الجنة التي كان يصفها لنا معلم الصف الثاني.
كانت الشمس تتدلى فوق رؤوسنا كفاكهة ناضجة، والماء يلمع كمرآة لم تستعمل من قبل. النهر صاف هادر، والخضرة تهيمن على المشهد. أينما وليت بصرك، واجهك اخضرار طري، وأوراق تلمع كأنها مغسولة للتو، وسعادة فائحة حتى من بين الصخور. قلت في نفسي: إن لم تكن هذه هي الجنة، فماذا تكون؟ إما الجنة… أو روحها حين تنزل إلى الأرض.
كان النهر مختبئا بين شقي الوادي، كدفتي كتاب مفتوح. إذا اقتربت سمعت همس صفحاته، وإذا لمست الماء ارتعش قلبك قبل يديك. كانت الأسماك الصغيرة تفر من تحت أقدامنا كالفضة المذعورة، وكانت البرودة الأولى للماء تصعد في الساقين كضحكة مفاجئة. ما إن “تقرأ” السطر الأول من هذا الكتاب حتى يجذبك، فتغرق فيه حبا قبل أن تغرق جسدا. منذ تلك اللحظة تبدأ المغامرة: كل عطلة كانت موعدا سريا مع الوادي، بصحبة الأصدقاء أو وحيدا، نكتشف شعابه، ونسبح في الجمال قبل الماء.
ألقابنا الطفولية
في طفولتنا، كانت لنا القاب اخترعناها، لا هربا من أسمائنا الحقيقية، بل بحثا عما لم تكن تقوله. اسمي كان صوتا يأتيني من بعيد، أنسى معناه فور الصدى. أما الثعلب، الذي اطلق علي، فكان أنا حين أنظر بعينين براقتين ماكرتين، حين أتحرك، حين أركض بسرعة، حين أقفز بخفة، حين أفكر قبل أن أسقط، حين ارتجل وأغامر بتنفيذ بعض الحيل الظريفة، التي تغمر أصدقائي ضحكا، وترفع من منسوب حذرهم، من السقوط في فخاخ أخرى.
في طفولتنا، لم تكن الأسماء مجرد نداءات، بل أحكاما بريئة، مرايا نصنعها لبعضنا البعض. نمنح الاسم لمن نراه كما نحب أن يكون، لا كما كتب في الدفاتر.
لهذا لم نثق بأسمائنا الشخصية؛ كانت محايدة، باردة، لا تعرف ألعابنا ولا خوفنا ولا جرأتنا.
محند أو سعلي، لقب آخر، برز في عالم طفولتنا، لمع وصار نجما. لم يكن شخصا بقدر ما كان نموذجا.
كان هذا اللقب قناعا يجمع الشجاعة والتهور، الضحك والاندفاع، جسدا يتحرك خارج قواعدنا الصغيرة. كان بإمكانه طي خبزة كاملة ووضعها في فمه وإنهائها في لقمة واحدة.
كأننا، بتسميته، كنا نخلق بطلا من لحم ومرح، نختبر فيه ما لا نجرؤ عليه.
كان مختلفا في كل شيء، كأن له لغة أخرى: في ملء الماء من العين، في ركوب الحمارة، في الكلام، حتى في مواجهته الفريدة للكلاب، التي كانت تخيفنا.
ومع ذلك، أو بسبب ذلك، كان الأمان يجيء معه. فالبطل، في الطفولة، لا يطلب منه أن يشبهنا، بل أن يسبقنا خطوة.
أسماؤنا الطفولية كانت هويات مؤقتة، نلبسها لنفهم أنفسنا، ثم نخلعها حين يكبر المعنى. وحين ضاعت تلك الأسماء، لم نضع معها، تركناها هناك، تحرس طفولتنا من النسيان.
حين انشقت الجنة
في ربيع سنة كبيسة، قصدنا الوادي برفقة محند أو سيعلي.كان محند أو سيعلي لا يمشي على قدمين، بل يركض كالحصان، كأن الوادي يناديه باسمه. ننحدر خلفه عبر منحدر صخري، نتصادم بالضحك، تنزلق أقدامنا، وتلسعنا الأشواك، بينما هو يسبقنا دائما إلى "الگلتة" المعروفة. هناك، كان الماء أعمق وأبرد، يبتلع الأصوات فجأة. قفزنا تباعا، ارتفعت الرشات في الهواء، وتكسرت الشمس على سطح الماء كزجاج ملون. لم يصب أحد منا بالانخفاض السريع لحرارة الجسم، لأننا لم نكن نعرف لذلك اسما.
بعد السباحة جاء دور النزهة. جلسنا تحت جرف في منعطف الوادي، حيث الظل كثيف ورائحة الطين رطبة. فوق شجرة نابتة في قلب الجرف، لمح محند أو سيعلي عش طائر. صمتنا جميعا، كأننا اكتشفنا كنزا. تناول عصا طويلة، أدارها خلفه، ثم رماها بقوة. في لحظة الاستدارة، مر طرف العصا الرقيق، كشفرة خاطفة، فوق حاجب عين أخي. توقف الزمن. جرح غائر، ودم يندفع ساخنا، أحمر صارخا وسط كل ذلك الاخضرار، لون...لا يوجد بالجنة... خلت أن عين أخي قد طارت مع العصا، وأن الجنة قد انشقت فجأة.
لكن محند او سيعلي، ببديهته وسرعته، وضع يده على الجرح فأوقف النزيف، وراح يطمئننا بصوته الذي يجمع بين الكلام والضحك: كلام يضحك، وضحك يتكلم… كأن الطفولة، حتى وهي تنزف، تعرف كيف تبتسم. يومها فقط فهمت أن للجنة حافة حادة، وأن الوادي لم يكن مكانا نغادره، بل ذكرى ستظل ترف بهدوء… كلما عدنا إليها.
بيانو
في بداية أيام شهر يناير، كنا نسمع الكبار يتحدثون عن بيانو. كانوا يذكرونه كما لو أنه بوصلة الزمن، بأسماء أمازيغية وعربية وأخرى غامضة. كان لهم تقويمهم الخاص: بيانو، ثامغارث، أحيان، موثلرط، لعنصرث…
بها يضبطون تقويمهم السنوي، ويقيسون به الحرث ومراحله، الصيف وجمع المحصول، توقيف التبن والأعراس، ثم متعة فواكه الخريف. بعد ذلك تبدأ الاستعدادات لفصل الأمطار والثلوج: إصلاح أسطح البيوت، تحصين الجدران من الماء، جمع الحطب وتخزينه. لكن بيانو، بالنسبة لنا نحن الصغار، لم يكن تقويما ولا حسابا للفصول، كان موعدا لفرحة استثنائية. في عز الليل، والبرد القارس، كنا نخرج جماعات، نجوب الدوار بيتا بيتا، ونهتف:
بيانو… بيانو…
هاي… هاي…
يما ميمونة…
هاي...هاي
دارت خبزة...
هاي...هاي
كسكسو بالفول…
هاي...هاي
طيب وكول…
هاي...هاي...
ثم يفتح أحدهم الباب، ويمنحنا نصيبنا:
سكر، شاي، طحين، تمر، تين جاف، زيت… ونقود نادرا.
عند اكتمال الجولة، نودع الغنيمة لدى أحدنا. في الصباح نلتقي بساحة الدوار، نقصد امرأة طيبة، غالبا خالتي مريم حدو، نسلمها كل شيء، فتضيف ما ينقص، لتعد لنا فطورا جماعيا، لذيذا، يتحلق حوله أطفال الدوار، نأكله بفرح طفولي لا يصدق، لتبقى الفرحة أطول من فصل الشتاء.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح
- المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة
- عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا
- مسارج القلوب
- رحلة خوف أطول من الطريق
- اهازيج حقل العدس
- الوطنية في المغرب: جذور أعمق من سردية الحركة الوطنية


المزيد.....




- حاكم الشارقة يفتتح الدورة الـ 35 من أيام الشارقة المسرحية
- ياسين طه حافظ
- بعد نجاح فيلم -برشامة-.. رسالة من المخرج خالد دياب لهشام ماج ...
- هيئة علماء بيروت تدين بشدة قرار وزير الخارجية بشأن التمثيل ا ...
- رحيل المخرج أحمد عاطف درة.. مسيرة عنيدة توقفت فجأة
- انفجارات وشظايا في جبل لبنان تثير الهلع: تضارب الروايات حول ...
- تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل ...
- -العلم الزائف-.. كيف يُختطف الدين باسم المختبر؟
- نوفل تصدر -أشواك حديقة تورينغ-.. أولى روايات اللبنانية رنا ح ...
- المثقف العربي بين حصار النظرية وميادين الفعل الغائبة


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-