أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن














المزيد.....

شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 04:50
المحور: الادب والفن
    


في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وخلف البناية العتيقة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز بمدينة فاس، حيث تتعب الخطى من صعود التلة وتبحث الأرواح عن فسحة هدوء، كان يجلس رجل مسن على الأرض، كأنه جزء من المكان لا يفارقه. لا لافتة تشير إليه، ولا جدران تحيط به، فقط نار صغيرة تهمس، وأكواب تنتظر، وذاكرة تتخمر ببطء.
كان اسمه يتردد بين الطلبة كأنه سر جميل: با لخمار.
لم يكن يعد الشاي كما يعد في العادة، بل كان ينصت إليه. يصغي لغليانه، ويراقب تحولاته، كمن يقرأ في أوراقه سيرة زمن طويل. تبدأ الحكاية بشرارة خافتة، تتقد في صمت، ثم يمتد اللهب كأنه نفس دافئ في صباح بارد. يسخن الماء على مهل، وتلقى فيه أوراق الشاي، فتستسلم للحرارة وتبوح بلونها الداكن، كأنها تفرغ ما اختزنته من شمس بعيدة.
حين يضاف النعناع، ينقلب الهواء عطرا. رائحة تتسلل إلى الذاكرة قبل الأنف، وتوقظ في القلب شيئا يشبه الطمأنينة الأولى. يذوب السكر ببطء، لا استعجال في هذا الطقس، فكل شيء هنا يصنع على إيقاع التأمل.
لم يكن هناك براد تقليدي، بل “زيزوة” معدنية، طويلة المقبض، تلمع بوقار اكتسبته من كثرة الاستعمال، كأنها شاهد صامت على تعاقب الوجوه والأيام. فوق اللهب، كانت تغلي، وفي داخلها كان الشاي ينضج كحكاية تروى دون كلمات.
ثم تأتي اللحظة التي ينتظرها الجميع: لحظة الصب. يرفع با لخمار يده بثقة من مارس الفعل آلاف المرات، فينساب الشاي من علو، خيطا كهرمانيا يتكسر على حواف الكأس، وتعلوه رغوة خفيفة، كابتسامة عابرة على وجه الصباح.
حول هذا الطقس، كانت تتكون حياة كاملة. طلبة يتجادلون، آخرون يضحكون، وبعضهم يغرق في صمته. أساتذة يمرون، ومارة يتوقفون دون موعد. لم يكن المكان مقهى، ولم يكن مجرد بائع، بل كان فسحة تعلق فيها أثقال اليوم، وتستعاد فيها خفة الروح.
على مر السنوات، صار هذا الركن الهامشي مركزا خفيا للذاكرة. هنا، عبرت أحلام في بداياتها، وتعثرت أخرى في منتصف الطريق. هنا، ولدت صداقات، وذابت خيبات، وبقي الشاي شاهدا لا ينحاز، يحتفظ بالأسرار في بخاره المتصاعد.
لا يظهر هذا المكان في الخرائط، ولا يذكر في الدلائل، لكنه يسكن في القلوب التي مرت به. هو من تلك الأماكن التي لا تبنى بالحجارة، بل تتشكل من التكرار، من العادة، من الألفة التي تنسجها الأيام خيطا خيطا.
في زمن يركض فيه كل شيء نحو السرعة، كان با لخمار يبطئ العالم قليلا. يعلم، دون أن يقصد، أن الجمال يكمن في التمهل، وأن الطقوس الصغيرة قادرة على أن تحمل معنى الوجود بأكمله.
هنا، لم يكن الشاي مجرد شراب. كان زمنا يسكب في الكؤوس، وذاكرة ترتشف على مهل، ونشيدا دافئا يتلى على هامش الحياة… حيث تبدأ الحكايات، ولا تنتهي.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح
- المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة
- عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا
- مسارج القلوب


المزيد.....




- السجن 15 عاماً لـ-ملكة الكيتامين- في قضية وفاة الممثل ماثيو ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي تتوج بالجائزة العالمية للرواي ...
- التحقق بعد الحرب.. كيف تتحول المعركة من تفنيد المحتوى إلى تف ...
- حسن المسعود .. المغايرة والتجديد في فن الخط العربي
- صراع الروايات بين واشنطن وطهران: حين يسبق التسويق السياسي نت ...
- برلين تفتتح -سود أوست غاليري- معلم الفنون الجدارية في الهواء ...
- من أساطيل البرتغال إلى حاملات الطائرات: هرمز مسرح الصراع عبر ...
- بيت المدى يحتفي بالفنان حسن المسعود
- المعايير العلمية في الخطاب الإعلامي في اتحاد الأدباء
- صوت مصري في فيلم عالمي.. نور النبوي يخطف الأنظار


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن