أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.














المزيد.....

حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


كنت في سنتي الأخيرة من الإعدادية، سنة مثقلة بالجد والاجتهاد، ومزدانة بصداقات جميلة ومغامرات لا تنسى. كانت الأيام تمضي بخطى متسارعة. قبيل العطلة الربيعية بأيام، لم يكن يشغل بالي سوى شيء واحد: السفر إلى منطقة جبلية لم ازرها من قبل. حكى لي أصدقائي كثيرا عن جمالها، حتى أصبحت أتخيلها كل ليلة. وبعد معركة صغيرة مع والدي، خرجت منتصرا وبيدي إذن السفر.
اليوم، كلما عدت بذاكرتي إلى تلك المرحلة، أدرك أن ذلك الحلم البسيط بالسفر لم يكن سوى أول تمرين لي على الإصغاء لذاتي، وعلى الإيمان بأن الاكتشاف لا يبدأ من الطرق البعيدة، بل من الرغبة الصادقة في أن نغير زاوية النظر إلى الحياة.
ليلة الرحيل لم أنم تقريبا. كنت أغمض عيني لدقيقة، ثم أفتحهما بقلب ينبض من الحماس. وفي السادسة تماما، نهضت، تناولت فطوري بسرعة، ودعت أهلي، وحملت حقيبتي، وخرجت.
انطلقت مع أصدقائي، والدابة أمامنا تحمل أمتعتنا كأنها تعرف المهمة أفضل منا. كانت المناظر الطبيعية الخلابة تترامى أمام أعيننا على طول الطريق، كلوحة تتجدد مع كل منعطف. غابات كثيفة تفوح منها رائحة الأرض الرطبة، وأودية عميقة تنساب في صمتٍ مهيب، تأسر القلب قبل العين. كنت أحدق في ذلك الجمال بدهشة من يكتشف العالم لأول مرة، فتنطبع المشاهد في الذاكرة نقشا لا تمحوه الأيام، وتغدو الرحلة نفسها درسا صامتا في حب الطبيعة واتساع الروح.
مر طريقنا قرب مكان السوق القديم، لم يكن به أحد. قادنا الفضول، فجلنا داخل أرضيته. هناك وجدنا ورقة نقدية من فئة خمسين درهما. بقينا ننظر إليها كأنها فخ. خمسة دراهم لكل واحد؟ لا صرف… ولا متاجر أمامنا. شعرنا أن الورقة الصغيرة ستتحول إلى شرارة شجار، فتركناها وراءنا.
لم نتوقع أن المطر هو ما سيوقعنا في ورطة، لا الورقة.
بعد يومين من الوصول، انقلبت الجبال إلى حصار.
مطر… مطر… ثم مطر بلا توقف.
لم نخرج من البيت الذي آوانا إلا قليلا، ولولا النار التي كنا نتحلق حولها، والألعاب التي كنا نبتكرها لأصبحنا مجانين.
لكنني كنت أختنق. أحتاج هواء… حرية...طريقا…اريد ان اتسلق الأشجار...اركد خلف الفراشات...العب في جداول المياه العذبة...أريد أي شيء غير الجدران الأربعة.
قلت لهم: "سأعود."
رفضوا. حذروني.
لكن شيئا ما في داخلي كان يصرخ: اخرج الآن… وإلا لن تخرج أبدا.
فجر اليوم التالي، اثناء الفطور، جمعت خبزة حشوتها بالسمن البلدي، أفرغت الحقيبة من الدفاتر والكتاب، وحملتها خفيفة. حاول أهل أصدقائي منعي… لكني كنت مصمما. خرجت وحدي.
كان الطريق في بدايته سهلا. الغابة على اليمين والصنوبر على اليسار، والوادي يزأر بجانبي كما لو أنه يحذرني.
كنت أمر عبر الجداول الصغيرة حافيا، والماء يلسع قدمي، لكني كنت أحس بالحرارة تسري في جسمي من كثرة السير.
قبل الوصول إلى منطقة السوق القديم انحرف الطريق مبتعدا عن مسار الوادي، ضيقا ومتسلقا تلة وعرة. عند السوق القديم، مررت دون أن أتذكر الورقة النقدية التي تركناها. كل شيء كان موحلا ورطبا وباردا.
واصلت المسير في طريق منبسط تحفه الغابة، تربته حمراء. وصلت إلى عين ماء كبيرة، تحيط بها أشجار مهيبة وكثيفة، تثير في قلبك بعض الخوف. هناك وجدت راعي غنم. كلباه ركضا تجاهي، فشددت عصى من شجرة البلوط في يدي متأهبا للدفاع عن نفسي. لكن الراعي نهرهما بصوته القوي، فتراجعا.
جلست معه قليلا. تجاذبنا أطراف الحديث. أخبرته بقصتي، وتقاسمت معه كسرة الخبز. وحين سألته عن الطريق المؤدي الى الوادي الثاني، أشار بعصاه، ثم قال: "نعم… لكن الوادي اليوم مخيف. انتبه."
تابعت الطريق، حسب إرشادات الراعي، وكلماته تطن في أذني. بعد مدة من المشي اطللت من تلة على الوادي سمعت هديره من بعيد… فهمت ما كان يقصده الراعي. كان الصوت أشبه بزئير وحش يبحث عن فريسة.
وصلت أخيرا إلى الوادي. القنطرة؟ محطمة. والتيار يجرف فروعا وأحجارا وجذوع أشجار يابسة، وكل ما يعترضه.
مشيت على طول الضفة أبحث عن مكان آمن للعبور. لا شيء. لم أكن أعرف“المشرع”.
كنت وحدي… والوادي أمامي يغلي. للحظة شعرت أنني ربما ارتكبت أغبى قرار في حياتي. ثم فجأة… ظهر رجل فوق دابة، يقترب من الوادي بثقة غريبة.
ركضت إليه كالغريق حين يرى قارب نجاة.
حكيت له قصتي بسرعة. نظر إلي وقال:
"تعال… سنعبر معا."
ركبت خلفه، ودخلت الدابة الماء. المياه كانت تضرب أرجلها بقوة، وتدفعها جانبا.
كنت أسمع دقات قلبي أعلى من هدير الوادي. خطوة…خطوة…ثم تعثرت!
تجمد الدم في عروقي. ظننت أننا سنسقط وننتهي. لكن الرجل ربت على عنقها، همس لها، فعادت إلى توازنها، وشقت الطريق وسط الماء كأنها تحارب الزمن.
لم أدرك أننا نجونا إلا عندما شعرت بقدمي تطآن اليابسة.
واصلنا السير صامتين. كنت أتنفس بثقل، كأن الوادي ما زال ممسكا بي. حين وصلنا قرب بيت أهلي، طلبت من الرجل الدخول.
ابتسم وقال إنه مستعجل، ثم رحل كما جاء… بهدوء، بلا أثر.
فتحت أمي الباب. ما ان رأتني مبللا، مرتجفا، حتى ارتعشت هي أيضا.
أجلستني قرب النار، غيرت ملابسي، وأمسكت بيدي وكأنها تطمئن أنني حقيقي.
وحين حكيت لهم الحكاية كاملة، صمت الجميع.
ثم رأيت تلك النظرة… نظرة فخر لم أرها من قبل.
في تلك الليلة، أدركت شيئا: لم أعد الطفل الذي خرج… عدت بشخص آخر… بصوت الوادي في أذني… وبقوة جديدة في داخلي.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح
- المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة
- عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا


المزيد.....




- المغرب يودع شوقي السادوسي.. كوميدي وصانع محتوى تعليمي أثر في ...
- تاريخ الرقابة في العالم العربي.. صراع ممتد بين السلطة والكلم ...
- مصر.. الفنان عبدالرحمن أبو زهرة في العناية المركزة
- ذاكرة المكان بين إبراهيم نصر الله وأورهان باموق
- الخوف على الساردة في رواية -الغناء في الرابعة فجراً-
- وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد عن عمر يناهز 68 عامًا
- جيل -ألفا- يعيد العائلات إلى السينما
- -مدخرات 15 عاما اختفت-.. شاهد دمار مدرسة للموسيقى ضربتها غار ...
- من رواد الفن الشعبي.. وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد
- البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.