عبدالله بولرباح
كاتب وباحث
(Abdellah Boularbah)
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 20:48
المحور:
الادب والفن
في كل صباح، وأنا أعبر الطريق المؤدي إلى مقر عملي، كنت أراه واقفا في المكان نفسه، كأن الليل ينساه هناك ثم يعود النهار ليوقظه. لم أعرف اسمه يوما، ولم أفكر في سؤاله. كان يبدو أكبر من أن يحتاج إلى اسم، وأصغر من أن يحتمل سيرة كاملة. كان مجرد رجل يقف على هامش المدينة، يقتات من مرور الآخرين.
كان يقف عند مدخل موقف السيارات، يراقب الوجوه أكثر مما يراقب السيارات. ما إن يلمح سائقا يبحث بعينيه عن مكان شاغر حتى يرفع يده بإشارة هادئة، ثم يتقدم بخطوات بطيئة، كمن يخشى أن يزعج الإسفلت تحت قدميه. يشير إلى المكان المناسب، ويساعد السائق على ركن سيارته أو إخراجها، ثم يتراجع بصمت منتظرا أن تمتد إليه يد بدرهم أو درهمين. وإذا انصرفت السيارة دون أن يلتفت صاحبها او صاحبتها إليه، اكتفى بابتسامة باهتة، كأن الخيبة لم تعد تستحق الغضب.
كنت أراقبه من بعيد. لم يكن يشبه المتسولين الذين يطاردون المارة، ولا باعة الأرصفة الذين يصرخون لجذب الزبائن، وهم في الخقيقة، ينفرون كثيرا منهم. كان يحمل شيئا من كبرياء غامض، كبرياء رجل لم يتبق له شيء سوى أن يحافظ على الطريقة التي يمد بها يده.
كان نحيلا إلى حد أن الريح تبدو قادرة على اقتلاعه. معطفه القديم يتدلى فوق جسده كأنه ورثه عن رجل أضخم منه بكثير، وحذاؤه المهترئ لا يكاد يحمي قدميه من خشونة الأرض. أما وجهه، فكان كتابا مفتوحا كتبت عليه السنون ما لم تستطع الكلمات أن ترويه. تجاعيد عميقة، وعينان غائرتان، لكنهما لم تفقدا بريقا خافتا يشبه ضوء مصباح يرفض الانطفاء.
ذات صباح، وأنا أجلس بالمقهي المطل على موقف السيارات، هطل المطر بغزارة. احتمى الناس بالمقاهي والمحالات التجارية، واختفت السيارات من الموقف. كنت أظن ان الرجل سيغادر، لكنه بقي واقفا تحت شجرة بالكاد تحجب بعض المطر، يضم معطفه إلى صدره، وينظر إلى الشارع الخالي.
تساءلت: ماذا ينتظر؟
لم يكن هناك عمل، ولا سائقون، ولا أحد يمكن أن يمنحه درهما. ومع ذلك ظل واقفا، كأن الوقوف نفسه أصبح مهنته الأخيرة.
اقتربت منه وأنا أحمل مظلتي.
قلت:
ـ ألا يمكنك أن تعود إلى بيتك حتى يتوقف المطر؟
نظر إلي طويلا، ثم ابتسم ابتسامة شاحبة وقال:
ـ لو كان لي بيت، لما وقفت هنا.
ساد الصمت بيننا.
كان المطر يتساقط بغزارة، والسيارات تمر مسرعة ناشرة الماء على جانبي الطريق، بينما ظل الرجل ينظر إليها دون اكتراث، كأنه خرج منذ زمن من سباق الحياة، ولم يعد يعنيه من يصل أولا، ولا من يتأخر أو يتقدم.
بعد دقائق أخرج من جيبه قطعة خبز يابسة، كسرها إلى أجزاء صغيرة، وأخذ يرميها للعصافير التي احتمت تحت الشجرة نفسها. كانت العصافير تتقافز حوله في أمان، بينما هو يكتفي بالنظر إليها، كأن إطعامها يمنحه شعورا عابرا بأنه ما يزال قادرا على العطاء.
في تلك اللحظة فقط شعرت أنني أنا الذي أقف خارج المشهد، لا هو.
منذ ذلك اليوم بدأت أبحث عنه كل صباح. صار حضوره جزءا من طريقي، وصار غيابه يربكني. كنت أراه أحيانا يفتش في حاوية نفايات قبل أن يتوجه إلى مكانه المعتاد، وأراه أحيانا يشتري كأس شاي من بائع متجول، او من المقهى المجاور، يحتسيه ببطء شديد، كأنه يريد أن يطيل عمر الدفء داخله.
لم أسأله يوما عن ماضيه.
كنت أخشى أن أكتشف أنه كان موظفا أو معلما أو حرفيا أو أبا لأسرة. كنت أفضل أن يبقى بلا ماض، لأن الماضي حين يسكن وجوه الفقراء يصبح أكثر قسوة من الفقر نفسه.
شيئا فشيئا بدأت أفهم أنه لم يعد يعيش الزمن كما نعيشه نحن. نحن نحسب أيامنا بالمواعيد والرواتب والعطل والأعياد. أما هو، فلم يكن يعرف إلا شروقا يعقبه غروب، وغروبا يعقبه شروق. الأمس عنده لا يختلف عن الغد، والغد ليس وعدا، بل مجرد احتمال آخر للجوع.
كان يعيش اللحظة وحدها، وقد امتزج فيها الشقاء براحة غريبة. لم يعد يحلم بشيء، لذلك لم يعد يخاف ضياع الأحلام. كأن الحياة نزعت منه كل ما يمكن أن ينكسر، وتركت له جسدا يمشي وروحا تعلمت كيف تتعايش مع الخسارة.
حل يناير ذلك العام أكثر قساوة مما عهدته. كان البرد ينزل على المدينة كأنه عقاب قديم، تتصلب له الأرصفة، وتفرغ الشوارع من المارة إلا من أولئك الذين لا يملكون رفاهية الاحتماء بالجدران.
في تلك الليلة، وقبل أن أنام، ظل وجه الرجل يطاردني. كنت أتخيله واقفا تحت الشجرة نفسها، يضم معطفه البالي إلى صدره، بينما الريح تتسلل من كل ثقوبه. قلت في نفسي: غدا سأحمل إليه فطورا ساخنا، براد شاي، وخبزة، وما تيسر من الزبدة او العسل. لم يكن الأمر عندي صدقة، بل محاولة خجولة لأخفف عنه قسوة صباح بارد واحد.
في الصباح، وضعت الوجبة إلى جواري في السيارة، وسلكت الطريق المعتاد. عندما وصلت إلى موقف السيارات، قررت أن أركن سيارتي هناك، وأكمل المسافة إلى مقر عملي سيرا على الأقدام.
لكن الرجل لم يكن في مكانه.
كانت الشجرة واقفة كما هي، تمد أغصانها اليابسة فوق الرصيف، والسيارات تدخل وتغادر، غير أن المكان الذي اعتدت أن أراه فيه بدا فارغا على نحو غريب، كأن أحدا اقتلع منه جزءا لا يرى.
أخذت أبحث عنه بين السيارات، ثم في الأزقة المجاورة، وحتى قرب المقهى الصغير الذي كان يشتري منه الشاي أحيانا. سألت عنه بعيني أكثر مما سألت بلساني، لكن لا أحد التفت لغيابه. كأن الرجل لم يكن موجودا أصلا.
أدركني الوقت وسرت إلى عملي، غير أنني تركت شيئا مني هناك، معلقا عند الشجرة.
طوال النهار لم تغادرني صورته. كنت أستعيد تقاسيم وجهه البارزة، وجبهته العريضة، وعينيه الكبيرتين اللتين كانتا تحملان وقارا لا يتناسب مع حاله. كلما أغمضت عيني، رأيت فيه وجوه رجال عرفتهم في طفولتي، رجالا كانوا يملأون القرى حضورا وهيبة، ثم غدر بهم الزمن، فسقطوا واحدا بعد الآخر في هوامش الحياة، حتى صاروا غرباء في أوطانهم.
تراكمت الملفات فوق مكتبي، وتعالت أصوات الزملاء، وتعاقبت الاجتماعات، لكن ذهني ظل معلقا بذلك الفراغ الصغير عند مدخل موقف السيارات.
ولأول مرة منذ سنوات، فقدت شهيتي تماما. بقيت وجبة الغداء أمامي كما هي، ثم أعدتها إلى حقيبتي دون أن ألمسها.
ما إن انتهى وقت العمل حتى خرجت مسرعا. لم أذهب إلى البيت، ولم أفكر في شيء سوى العودة إلى الموقف.
كنت أقترب منه مع انحدار الشمس نحو المغيب. ومن بعيد، لاح لي شبح يقف بجوار الشجرة.
تسارعت خطواتي.
كان هو.
لكنه لم يكن هو.
شيء ما تبدل فيه. كان يقبض بيده اليمنى على عصا غليظة يمسكها مع معطفه إلى جسده، ويشد بيده اليسرى عقب سيجارة يكاد يحرق أصابعه. بدا أكثر صمتا، وأكثر صلابة، كأن يوما واحدا أضاف إلى عمره سنوات.
وقفت أمامه، أتهيأ لأن أسأله: أين كنت هذا الصباح؟
لكنه سبقني.
نظر إلي مباشرة وقال بهدوء:
ـ أنا أعرفك.
شعرت كأن الأرض مالت قليلا تحت قدمي. لم أكن أتوقع أن يعرفني، أنا الذي كنت أظن أنني مجرد وجه عابر في حياته، كما كان هو وجها عابرا في حياتي.
وقبل أن أستعيد دهشتي، أضاف:
ـ أنا... عصو. ألا تذكرني؟
ظل الاسم معلقا في الهواء لحظات.
ثم قلت مترددا:
ـ عسو!.. طبعا أذكرك...
عصو، وليس عسو، قال موضحا.
قلت: طبعا عصو...لكنك... مختلف! مختلف كثيرا! أين كنت كل هذه السنين؟ وكيف انتهى بك الأمر هنا؟
ابتسم ابتسامة قصيرة، لم أعرف إن كانت تخفي ألما أم سخرية، وقال:
ـ نحن أيضا ننتقل... كما تنتقلون أنتم من وظيفة إلى أخرى، أو من مدينة إلى أخرى...
كانت الجملة بسيطة، لكنها سقطت في داخلي كحجر في بئر عميق. لم يقل إنه طرد، أو ضاع، أو أفلس. اختصر العمر كله في كلمة: ننتقل.
قلت وأنا أشير إلى الكيس الذي ما زلت أحمله:
ـ أحضرت لك فطورا هذا الصباح... ولم أجدك. إذا أردت، أستطيع أن آتيك الآن بشيء تأكله.
ابتسم مرة أخرى، وهز رأسه في هدوء.
ـ لا...
فتش في جيب معطفه، وأخرج قطعة نقدية صفراء قديمة، مدها لي وقال:
خذها...
وقبل ان أمد يدي، استدار، ومضى بخطوات بطيئة، دون أن يلتفت وراءه.
بقيت واقفا أحدق في ظهره، أرى شريط زمان مثقل، بأحزان، يسير على يمينه، وبأحلام طفولة تركض على يساره، إلى أن ابتلعه أول الظلام.
في تلك الليلة، لم يزر النوم جفوني إلا لماما. وكلما أغمضت عيني، كنت أسمع صوته يردد تلك الجملة التي لم تغادرني بعد:
"نحن أيضا ننتقل..."
لكنني كنت أعرف، في أعماقي، أن ما ينتقل ليس الناس وحدهم... بل مصائرهم أيضا.
في الصباح الباكر...
وصلت إلى الموقف، فلم أجده.
كان المكان نفسه، والسيارات نفسها، وضجيج المدينة نفسه، لكن فراغا صغيرا استقر عند مدخل الموقف. لأول مرة بدا المكان واسعا أكثر مما ينبغي.
وقفت دقائق أحدق في الفراغ، ثم مضيت.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت رجلا يقف على هامش الطريق، أو امرأة تنقب في حاوية نفايات، أو شيخا يمد يده في صمت، أتساءل: كم من الناس يمشون بيننا دون أن نراهم؟ وكم واحدا منهم يحتاج فقط إلى عين تعترف بأنه ما زال إنسانا، قبل أن يحتاج إلى قطعة نقدية؟
#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)
Abdellah_Boularbah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟