أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - كلنا هادئون...إلى أن تختبرنا الحياة














المزيد.....

كلنا هادئون...إلى أن تختبرنا الحياة


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 18:18
المحور: الادب والفن
    


في تلك الليلة، خرجت من البيت وأنا أصفق الباب خلفي بعنف لم أعهده في نفسي. كان صوت الارتطام كافيا ليوقظ داخلي شيئا مخيفا، شيئا ظل سنوات طويلة نائما تحت طبقات من الصمت والتعقل. مشيت في الشارع بلا وجهة، والبرد يلسع يدي، بينما كانت الكلمات الأخيرة التي قلتها تعود إلى رأسي كالسكاكين.
لم أكن غاضبا فقط… كنت منهكا.
طوال حياتي كنت أعتقد أنني أمتلك قدرة نادرة على التحكم في نفسي. كنت أتباهى، بصمت، بأنني لا أنفعل بسهولة، وأنني أستطيع دائما أن أؤجل غضبي حتى يمر عبر قناة العقل أولا. كنت أردد في داخلي كلما استفزني شيء: “عليك أن تفعل، لا أن ترد الفعل”. كنت أرى رد الفعل نوعا من الهزيمة المؤقتة للعقل، وانتصارا أعمى للعاطفة.
لكن تلك الليلة، سقط كل شيء دفعة واحدة.
أتذكر نظراتها جيدا وهي تقول لي بصوت مرتجف:
ـ “لم أعد أعرف من أنت…”
كانت الجملة قصيرة، لكنها أصابتني في مكان عميق. شعرت لحظتها كأنني أفقد صورتي التي بنيتها عن نفسي عبر السنوات. حاولت أن أشرح، أن أبرر، أن أقول إن التعب هو من يتكلم، وإن الحياة أثقل مما تبدو عليه، لكن الكلمات خرجت مشوهة وغاضبة، ثم تحولت فجأة إلى قسوة لم أقصدها.
رأيت الحزن في عينيها، ورغم ذلك واصلت الكلام. كان ذلك أكثر ما يؤلمني إلى اليوم.
أحيانا لا يكون الإنسان عاجزا عن التوقف، بل يكون مدفوعا بقوة خفية نحو تدمير اللحظة كاملة. كنت أسمع نفسي وأنا أرفع صوتي، وأشعر في الوقت نفسه أن شخصا آخر بداخلي هو من يتكلم. شخص متعب، محاصر، خائف من الانكسار، فيختار الهجوم بدل الاعتراف بضعفه.
حين ابتعدت عن البيت تلك الليلة، جلست على مقعد إسمنتي قرب شارع شبه فارغ. كانت السماء تمطر بخفة، والمدينة تبدو باردة وغريبة. لأول مرة شعرت أنني لست ذلك الرجل الهادئ الذي ظننته دائما. أدركت أن الهدوء ليس طبيعة ثابتة، بل معركة يومية خفية، وأن الإنسان مهما بلغ من التعقل، يحمل داخله هاوية صغيرة، كثقب أسود، قد يغرق نور عقلك أو يبتلع كل حكمته في لحظة ضعف.
بقيت هناك طويلا أحدق في المارة القلائل. وفجأة تذكرت أبي.
تذكرت ليلة قديمة من طفولتي، حين صرخ في وجه أمي ثم خرج غاضبا كما فعلت أنا تماما. يومها كرهت غضبه، وأقسمت في سري ألا أشبهه أبدا. لكنني، دون أن أشعر، كنت أعيد المشهد نفسه بعد سنوات، بنفس العجز، ونفس الندم.
ضحكت بمرارة.
كم يبدو الإنسان قويا وهو ينظر للحياة، وكم يبدو هشا حين يجد نفسه داخل امتحان حقيقي.
عدت متأخرا. كان البيت صامتا بشكل موجع. رأيتها نائمة على الأريكة، وآثار الدموع ما تزال واضحة على وجهها. اقتربت ببطء، وجلست قربها دون أن ألمسها. شعرت حينها أن المشكلة لم تكن في رد الفعل نفسه، بل في الأثر الذي يتركه داخل من نحب.
ومنذ تلك الليلة، لم أعد أبحث عن وهم الإنسان الذي لا يغضب، بل عن الإنسان القادر على ترميم ما أفسدته لحظات ضعفه، قبل أن يتحول الغضب العابر إلى خراب دائم.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجمال لا يلتقط...بل يصان
- الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم ا ...
- البرلماني/ة بالمغرب بين التمثيل الحقيقي وسوء الفهم الشائع.
- استقلالية المجتمع المدني بالمغرب: قراءة نقدية في ضوء التحولا ...
- ينام الحنين على سنابل الضوء
- هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي
- الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.
- حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...


المزيد.....




- كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم ...
- -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع ...
- -إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح ...
- موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
- رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
- غموض يلف حادثة بوشهر: تضارب الروايات يفتح الباب أمام فرضية - ...
- لماذا تُعد رواية -يفغيني أونيغين- لبوشكين -موسوعة الحياة الر ...
- مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي ...
- الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا ...
- روسيا وفلسطين توقعان مذكرة لتوثيق ومعالجة التراث الثقافي رقم ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - كلنا هادئون...إلى أن تختبرنا الحياة