أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله بولرباح - الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم المالي.














المزيد.....

الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم المالي.


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 19:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن تحول الرأسمالية إلى طورها المالي محض صدفة تاريخية، ولا مجرد انحراف عابر في مسار نظام اقتصادي بدا في لحظة ما وكأنه قادر على ابتلاع العالم. بل كان هذا التحول، في جوهره، تعبيرا عن مأزق بنيوي: مأزق التوسع نفسه. فالرأسمالية، التي نشأت وتغذت على الانتشار الأفقي كـ“بقعة زيت” تتمدد باستمرار، وجدت نفسها، مع مرور الزمن، أمام حدود لم تعد قادرة على تجاوزها بالوتيرة نفسها.
في مراحلها الأولى، كان التوسع بسيطا وواضحا: أسواق جديدة تفتح، موارد تستغل، وأيد عاملة تدمج في دورة الإنتاج، ثم مرحلة الاستعمار وما شابها من استعمال القوة العسكرية واستغلال بشع لثروات بلدان كثيرة، ثم مرحلة النيوكولونيالية وما عرفته من تبادل لا متكافئ ومن سيطرة على الإنتاج الصناعية والأسواق. غير أن هذا المنطق بدأ يفقد زخمه تدريجيا، خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، حين دخلت الاقتصادات الصناعية في حالة من التشبع النسبي. لم يعد بالإمكان بيع المزيد من السلع بنفس السهولة، ولا تحقيق نفس معدلات الربح من الإنتاج المادي. هنا ظهر ما أشار إليه كارل ماركس منذ زمن بعيد: ميل معدل الربح إلى الانخفاض، حين تتراكم الرساميل وتضيق فرص الاستثمار المجدي في الاقتصاد الحقيقي.
أمام هذا الأفق المحدود، راحت الرأسمالية تبحث عن سبيل آخر للحفاظ على التراكم والربح. هكذا ومع تطور التكنولوجيات الحديثة للمعلومات والتواصل، غيرت الراسمالية ساحة لعبها. فبدل التوسع على الأرض، بدأت تتوسع في المال ذاته. مع تفكك نظام بريتون وودز وتحرير حركة الرساميل، أصبح المال أكثر سيولة وانفلاتا، قادرا على الانتقال عبر الحدود دون قيود تذكر. لم يعد ضروريا أن يمر الربح عبر المصنع أو الحقل، بل صار بالإمكان تحقيقه داخل الأسواق المالية، عبر المضاربات وتداول الأصول.
هكذا نشأت رأسمالية جديدة، لا تقوم أساسا على إنتاج السلع، بل على إنتاج القيم المالية. تضخمت الأسواق المالية إلى حد باتت فيه تفوق الاقتصاد الحقيقي بأضعاف مضاعفة، وظهرت أدوات مالية معقدة (كالمشتقات) تتداول بكثافة، رغم انفصالها النسبي عن أي أساس إنتاجي ملموس. لقد أصبحت المالية، التي كانت في الأصل خادمة للإنتاج، هي السيد الذي يفرض منطقه عليه.
غير أن هذا التوسع المالي يحمل في طياته هشاشته الخاصة. فهو، في جانب كبير منه، قائم على تضخيم القيم أكثر من خلقها. ولذلك، كلما اهتزت الثقة، أو انكشفت الفجوة بين القيمة المالية والقيمة الحقيقية، انهار البناء بسرعة مذهلة. أزمة الأزمة المالية العالمية 2008 لم تكن سوى مثال صارخ على ذلك: قلاع مالية شاهقة تبخرت في أسابيع لأنها لم تكن تستند إلى أساس مادي صلب.
وإذا كان يظن أن الرأسمالية تهيمن بالكامل على الإنتاج العالمي، فإن نظرة أدق تكشف صورة أكثر تعقيدا. فحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة، لا تزال الزراعة الأسرية تنتج الجزء الأكبر من غذاء العالم، ازيد من 80% من الغذاء العالمي. غير أن الرأسمالية، بدل أن تسيطر مباشرة على الإنتاج، أحكمت قبضتها على ما يحيط به: التمويل، التسويق، سلاسل التوريد. إنها تهيمن لا من موقع المنتج دائما، بل من موقع المتحكم في الشروط.
من هنا يمكن فهم التحول نحو الرأسمالية المالية لا كعلامة قوة مطلقة، بل كاستجابة لأفق ضاق بالتوسع المادي. فعندما تعجز الرأسمالية عن الانتشار أفقيا بالقدر الكافي، تلجأ إلى التوسع عموديا داخل المجال المالي، حيث يمكن تسريع التراكم وتضخيم القيم دون الاصطدام المباشر بحدود الواقع المادي.
لكن هذا “الحل” ليس بلا ثمن. فكلما ازداد الاعتماد على المالية، ازداد الانفصال عن الاقتصاد الحقيقي، وتفاقمت الهشاشة البنيوية للنظام. وهكذا، تبدو الرأسمالية وكأنها تؤجل أزماتها بدل أن تحلها، تبني توازنها على أرض رخوة، وتستمر في السير على حافة الانهيار.
في النهاية، لا تكشف الرأسمالية المالية عن قوة مكتملة، بل عن نظام بلغ حدوده في شكل، وأخذت تنكشف حقيقته للعيان، كنظام إنتاج، مناقض للطبيعة البشرية والمادية، نظام مخادع، سراب لا يفيد إلا في استهلاكه المفرط للمقدرات الإنسانية، ومراكمة الأموال في جيوب محدودة، فيما ينشر الفقر والحرمان والجوع والحروب على البسيطة. أزمته الناتجة عن استنفاذه لكل امكانيات التوسع الافقي قادته الى البحث عن امتداد في شكل آخر- امتداد قد يكون أكثر اتساعا، لكنه أيضا أكثر عرضة للتداعي.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البرلماني/ة بالمغرب بين التمثيل الحقيقي وسوء الفهم الشائع.
- استقلالية المجتمع المدني بالمغرب: قراءة نقدية في ضوء التحولا ...
- ينام الحنين على سنابل الضوء
- هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي
- الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.
- حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس


المزيد.....




- بعيد ميلاده الخامس.. باندا عملاقة يحتفل بكعكة من التفاح والأ ...
- شركة بحرية تعلن عن معدل حركة مرور السفن بمضيق هرمز
- هل يعود صاحب -الحذاء الأخضر- من إيفرست بعد 30 عاماً على وفات ...
- حرب إيران تضع واشنطن أمام -خيارات محدودة-.. وكبير جنرالات تر ...
- تزامنًا مع وصول حليف ترامب إلى الحكم.. أمريكا تعتزم تقديم حز ...
- الإمارات تتهم إيران باستهداف ناقلة لشركة أدنوك في مضيق هرمز ...
- -بلومبيرغ-: تركيا تبدأ بتقييد عبور السفن في البحر الأسود
- عراقجي: الاتفاق مع عُمان لا يعني إعادة فتح مضيق هرمز
- مشاهد تنشر لأول مرة لمجتبى خامنئي (فيديو)
- مخاوف من اتساع رقعة الصراع في اليمن


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله بولرباح - الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم المالي.