أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - ينام الحنين على سنابل الضوء














المزيد.....

ينام الحنين على سنابل الضوء


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 00:13
المحور: الادب والفن
    


كانت بيوتنا الصغيرة امتدادا طبيعيا للأرض، تفتح أبوابها على الحقول كما تفتح العيون على الضوء. هناك، في ذلك الفضاء الواسع، تعلمنا أول دروس الحياة. لم تكن لنا مدرسة قبل الحقول؛ فيها عرفنا الفصول، وتعلمنا تمييز الألوان، وحفظنا أسماء النباتات والكائنات كما نحفظ أسماء أصدقائنا.
كانت الحقول تتغير كما لو أنها كائن حي. في الشتاء، ترتدي رماديتها الهادئة، يتخللها بياض خفيف حين تتساقط الثلوج. ثم يأتي الربيع، فتنبض الأرض بخضرة طرية، كأنها ولدت من جديد. وبعده يحل الصيف، فتتحول الحقول إلى ذهب خالص، لا مجازا بل حقيقة؛ إنه موسم الحصاد، حيث تتخذ الأرض لونا ذهبيا، هو الموسم الذي يجزي الفلاحين أحسن الجزاء عن كدهم المتواصل. ثم يأتي الخريف، بلونه الأصفر الحزين، لا يخفف وطأته سوى فواكه نضجت على مهل تحت شمس رحلت ولم تترك سوى دفئها.
كنا نحن أبناء تلك الحقول. لا تغيب صورها عن أعيننا إلا حين نغمضها للنوم. عليها نطل من نوافذ القلوب، قبل نوافذ البيوت، وفيها نخطو أولى خطواتنا مباشرة بعد عتبة الباب، وعلى ترابها نركض ونلعب. كانت الحقول طرقنا إلى المدرسة والسوق، وكانت ملتقانا وممرنا، نقطة انطلاقنا ووجهتنا المفضلة. فيها تعلمنا الذهاب والإياب، السفر والعودة، ومنها عرفنا معنى الحياة، وعلى دروبها صادفنا أول خفقة حب.
حين يضيق بنا الوقت أو تتسع فراغاته، كنا نلجأ إلى مكان نسميه السد. هناك كانت عين ماء صافية، وسواقي تضحك في صمت، وبساتين خضراء لا تعرف الذبول. كنا نعبره في طريقنا إلى المدرسة، لكننا كثيرا ما كنا نؤخر الوصول لنستمتع به. كانت أشجاره الكثيفة تخبئنا عن أعين الكبار، فنجد فيه عالما خاصا بنا.
هناك كنا نتحلق، نركض، نختلف ونتصالح، نتآمر على مغامرات صغيرة، ونلعب الورق كأننا كبار. نشرب من العين مباشرة، ماء باردا ينعش الروح قبل الجسد. كنا ننتظر الصيف بفارغ الصبر؛ يعود أصدقاء لنا يدرسون بمدن أخرى، نستمع لحكاياتهم ومغامراتهم بالمدن. ياتي ضيوف جدد يزدان بهم المكان، وتخفق لهم القلوب. تحول السد الى منتجعنا، ومكان سمرنا.
ذات ليلة من سمرنا، تحلقنا حول العين، نحكي لبعضنا البعض حكايات عن إقدامنا وشجاعتنا، أصيب، على حين غرة صديقنا بوكرين بهيستيريا الضحك، ثم بدت عليه علامات وعكة صحية، قبل ان يغمي عليه. أصبنا بالهلع، اعتقدنا ان الجنية التي حكى لنا عنها أهلنا، أنها تملك العين وتسكنه، قبضت روحه، بسبب إزعاجه لها بقهقته القوية. تملكتنا الحيرة؛ هل سنفر بجلودنا ونترك صديقنا لمصيره، أم نحمله معنا أم ماذا؟ اقترحت أن ننزله وسط حوض العين لعل الماء البارد يعيده إلى وعيه. رفعناه، بعضنا يمسكه من ارجله والبعض من يديه والبعض الآخر من جذعه. انزلناه الى الماء وضعنا رجليه في الماء، وجسمه يتدلى الى الأمام حاولت ان ارش وجهه بالماء، لكن كثلة جسمه الثقيلة، انفلتت من أيدي من يمسكون به فسقط جسمه كاملا في الماء. في الوقت الذي حاولنا رفع رأسه من الماء لكي لا يختنق، وقف ببطئ شديد على رجليه. وقال بصوت متثاقل وغليض: أنا جنية العين، ماذا تفعلون هنا؟ فزعنا فزعا شديدا وأطلقنا سيقاننا للريح، دون أن نلتفت وراءنا، ولم نقف إلا قرب مسكن بوكرين. تجمعنا كلنا ونحن نلهث وقلوبنا تدق بسرعة، من شدة الخوف والركض، ونظرنا الى بعضنا البعض فوجدنا بوكربن بيننا. أصبنا بالذعر مرة أخرى وهممنا بالفرار، لكن بوكربن ضحك، ضحكا ساخرا وقال: يا لكم من شجعان، يا أسود علبة أعواد الثقاب!
اندهشنا وبقينا صامتين، نحدق فيه. في تلك اللحظة، لم نعد كما كنا. شيء ما انكسر… أو ربما استيقظ.
في اليوم التالي، عدنا إلى السد كمن يكتشف مكانا لاول مرة. على عكس ما انتظرنا، كان كل شيء كما هو: الماء، الأشجار، الضوء. لكننا لم نعد ندخله بنفس الخفة. صرنا نقترب بحذر، كأننا نعرف أن للأماكن وجها آخر لا يظهر دائما.
في الصيف كنا نصنع رشاشا من الصبار، ونغتسل تحت مياهه العذبة، بضحكات عالية، كأننا اخترعنا الفرح بأيدينا.
كانت لنا، ايضا بالمكان ذاته، سعيديتنا الخاصة، التي لا تشبه أي مكان آخر، ولا تشبه منتجع السعيدية بشمال شرق المغرب. لم تكن سعيديتنا شاطئا ولا منتجعا، بل شجرة تين عظيمة، تمتد كغابة صغيرة. فروعها العريضة المتشابكة والمتدلية الى الأرض، تخفي جدعها، تتداخل معها نباتات أخرى حتى بدت كعالم سري. كنا نتسلقها بخفة، نتشبث بأغصانها كقرود صغيرة، ونصعد إلى قلبها.
هناك، في جوفها، كنا نجد ملاذنا. نجلس بين ظلالها الكثيفة، نأكل من تينها الحلو، ونستنشق عطرها الذي لا يشبه شيئا آخر. كان الزمن يمر فيها ببطء لذيذ، كأنه ينساب دون أن نشعر. كنا نستريح بين أحضانها كما لو أننا في حضن أم، أو في دفء حكاية لا تنتهي.
لم نكن نحلم بالبحر، ولا بالجبال البعيدة. كانت مغامراتنا هنا، بين الحقول والسد وسعيديتنا الصغيرة. هنا كبرت أحلامنا، واتسعت آمالنا، وهناك، بين الماء والحقول والضحك والهرب، تركنا جزءا منا، لا يزال… ينام على سنابل الضوء.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي
- الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.
- حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق


المزيد.....




- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...
- -مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس- مذكرات الوزير السابق جمال أغم ...
- فتحي عبد الوهاب.. كيف يصبح الممثل الأهم دون أن يكون البطل؟
- فرنسا أمام امتحان الاعتراف بنهب الاستعمار
- جامعة إيرانية: الهجمات الأمريكية الإسرائيلية تستهدف تقدم إير ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - ينام الحنين على سنابل الضوء