أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - الجمال لا يلتقط...بل يصان















المزيد.....

الجمال لا يلتقط...بل يصان


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 02:47
المحور: الادب والفن
    


في قلب أمكنة لا يطالها النسيان، كان الضوء ينكسر على صفحة الماء كأنه صلاة صامتة. واد ينحدر من الأعالي، ينثر صفاءها حيث يمر ويفرغ روحه في بحيرة سد ينام ويصحو على أنفاس الريح. الأشجار تتكئ على بعضها كعائلة قديمة، وتنساب المياه في صمت عذب، كأنها تحفظ سرا لا يقال. أما المكان فكان أكثر من مجرد منتجع، كان كائنا حيا، ذا ذاكرة خفية، وإحساس يلتقط وقع الخطى ويميز بين من يمر ومن يثقل المكان بمروره..
اعتاد الناس أن يقصدوه هربا من ضجيج المدن، يحملون معهم اثقال تعبهم الاسبوعي، ويتركونه على عتبات الظلال. يضحكون، يأكلون، يلتقطون الصور، ثم، حين يهبط المساء، يجمعون ما خف حمله… ويتركون ما ثقل على ضمائرهم. قنينات بلاستيكية، أكياس مهملة، علب صدئة، كل شبر صار مثقلا بأشياء بلا روح، لكنها كانت تخنق روح المكان.
كنت من بين أولئك الزوار، العاشقين للمكان. لم أكن مختلفا كثيرا عن غيري، سوى أنني كنت أرى العالم من خلال عدسة كاميرتي. كنت أبحث عن اللقطة الكاملة، عن الضوء الذي يلامس الماء في لحظة لا تتكرر. كنت بعد جمع صيدي من الصور، أجلس أمام النهر أكاد ألامس مياهه، تحت شجرة هرمة، لكنها جد مورقة، كأنها شاهدة على عصور من الحضور والغياب. أنقل صوري إلى الحاسوب ثم أعيد مشاهدتها، أنتقي منها أفضلها وألقي بالباقي في سلة مهملات حاسوبي. آكل، وأشرب، من مؤونتي اليومية، ثم أنهض… وأترك خلفي بقايا يومي، كما يفعل الجميع، دون أن ألتفت.
كنت ألاحظ أحيانا، وأنا أبتعد، أن شيئا ما لا ينسجم. كأن المكان، رغم جماله، يحمل تعبا خفيا. نظرات عابرة كنت أظنها وهما، أو ربما انعكاسا لشيء في داخلي لم أرد الإصغاء إليه. كنت أشيح بنظري، وأقنع نفسي أن كل شيء على ما يرام.
كنت أسائل نفسي عن مصير هذه النفايات التي أترك هنا. أقول لنفسي أو على الأصح نفسي كانت تقول لي: انتبه، إنها ليست نفايات رقمية بل حقيقية. لكنني كنت أظن أن اتساع المكان كفيل بابتلاع ما أتركه، وأن ما أرميه لا يتجاوز كونه ذرة في فضاء لا نهائي.
أردت أن أرفض، أن أقول إنني لست المسؤول وحدي، أن الجميع يفعل ذلك… لكن الكلمات علقت في حلقي. لأول مرة، لم أجد حجة تحميني من نفسي.
لكن المكان، كما تبين لاحقا، لم يكن لينسى... يئن ويعطي إشارات لمن له بال او يتعظ من حوادث وقعت او حكيت.
كنت اصور لقطات لأصدقاء لي وهم يسبحون على طرف قليل الغرق من حقينة السد، إذا بأحدهم يصرخ متألما، هرع إليه آخران، فساعداه على الخروج من الماء. كانت قدمه اليسرى تنزف دما. زجاجة مكسورة فلحت قدمه.
حكى لي صديق آخر أنه كان في نزهة بالمكان مع زوجته وأبنائه. استعدوا لتناول وجبة الغذاء، بعدما قضوا وقتا طويلا في التنزه واللعب والسباحة، وأحسوا بالجوع، وارتفع منسوب شهيتهم. التفوا حول الطاولة، تحت شجرة ظليلة، وضع صحن الطابق الرئيسي الشهي والساخن أمامهم، وهموا بالأكل، إذا بكيس بلاستيكي غارق في اوساخه، يسقط من غصن الشجرة ويسبقهم الى الصحن ويستقر فيه. رفعوا الكيس بسرعة وحاولوا ما أمكن إزالة ما اتسخ من الطعام، لكن أبناءه عافوا ذلك الاكل فمكثوا بجوعهم، فاضطر للعودة قبل الأوان.
حكايات كثيرة عن حوادث مثل هاته، لكن قليلون من فهموها.
مالت الشمس للغروب، فغادرت المكان، على أمل أن أعود إليه قريبا ويحالفني الحظ في التقاط صور فريدة.
في تلك الليلة، عندما انسحب آخر ضوء من السماء، واستقر الصمت بين جدران مسكني، حدث ما لم يحدث من قبل. تسلل إلي أرق غريب. لم يكن قلقا عابرا، بل أشبه بنداء خافت، يشدني إلى هناك. قاومت قليلا، ثم استسلمت لشيء لم أفهمه، ربما نداء خافت، أو وخزة ضمير تأخرت في الوصول، وقدت خطواتي نحو الوادي.
حين بلغت الوادي، كان القمر معلقا بين الأغصان، يراقب. توجهت مباشرة إلى الشجرة الهرمة، أخذت مكاني وجلست. سكون جميل وتام، إلا من موسيقى المكان. إيقاع الريح الخفيفة في الأغصان، تغريدة طيور ليلية، خرير الوادي. نور خافت يلف المكان، ورائحة طيبة تفوح من كل زاوية، كان امرأة جميلة مرت للتو من هنا، وتركت بصمة عطرها الساحر.
لكن المكان لم يكن كما تركته تماما. كان مألوفا… لكن بشيء ناقص، أو ربما زائد لا يرى. حتى خرير الماء بدا أبطأ، كأنه يختبر صبري، أو ينتظر مني أن أفهم شيئا لم أفهمه بعد.
فجأة تغير كل شيء...كأن الستار رفع على مشهد جديد ومغاير من مسرحية. هبت ريح صاعدة قوية فرأيت ما أربكني. لم أدر أفي حلم أنا أم في يقظة. شيء لا يصدق بمكان معروف بسكينته وأمنه، حركة غير عادية في مكان عهدته عاديا. ماذا جرى؟ كيف أمكن لنفايات من كل نوع، ومن كل حدب وصوب، أن تتجمع أمامي، في استعراض مخيف...ما عادت ساكنة. كانت تتحرك ببطء، كأنها تستيقظ من سبات طويل. الأكياس ترتفع وتلتف، القنينات ترتجف فوق سطح الماء، والظلال تتراقص في دوامة غريبة.
ثم جاء الصوت. لم يكن صوتا يسمع بقدر ما كان يحس. خرج من عمق الأرض، من الماء، من جذوع الأشجار:
- لماذا تستمتعون بجمالنا، وتنفتون فينا سمومكم؟
فزعت وتراجعت خطوة، وقد ضاق صدري بشيء لم أعرف اسمه من قبل. نظرت حولي، فلم أر أحدا، لكني احسست أن المكان كله كان ينظر إلي.
- نحن لا نرفضكم… لكننا نختنق بما تتركون.
كانت الكلمات تنساب كالماء، لكنها تضرب كالحجر.
فجأة، ارتفعت زوبعة من النفايات، دارت حولي، التصقت بثيابي، كأنها تريد أن تعيد إلي ما تجاهلته. حاولت أن أفر، لكن المكان أمسك بي، لا بيد، بل بإحساس ثقيل من الذنب.
صرخت، وقد اختلط الخوف بالندم:
- ماذا تريدون مني؟
هدأت الزوبعة كما بدأت، وسقطت الأشياء حولي في صمت ثقيل. ثم جاء الجواب، واضحا هذه المرة:
- أن ترى… ثم تصلح.
جلست على الارض واقرنت ظهري ورأسي الى جذع الشجرة، أستعيد أنفاسي، أعيد بذهني شريط ما وقع وأتأمل في معانيه. لم أدر كيف ولا متى أخذني النوم. فقت مع أول خيوط الشمس الذهبية. جسمي في كامل قواه. نهضت أفطرت بنسمة ريح وشربت قطرات ندى صافية. سرت، ولم أحمل كاميرتي هذه المرة، بقيت واقفا لحظات، أحدق في المكان. عاد كل شيء كما كان، أو هكذا بدا. ترددت… هل ما حدث كان حقيقيا؟ انحنيت، التقطت قطعة صغيرة من البلاستيك، ثم تركتها. استدرت لأمضي… لكني توقفت. عدت، التقطتها من جديد، وكأن القرار لم يكن في يدي وحدي. بعد تردد، تذكرت أكياسا فارغة من السيارة. أخرجتها وشرعت أجمع ما تناثر، من نفايات، قطعة قطعة، كمن يرمم ذاكرة مكسورة. كان وجهي هادئا، لكن في عيني شيء جديد، وعي يشبه الحزن، أو ربما يشبه المسؤولية تجاه أمكنة تمسح عنا بجمالها ما يعلق بأيامنا من أتعاب.
مر بي بعض الزوار، نظروا إلي باستغراب، ثم سألوني:
-لماذا تفعل هذا؟
توقفت لحظة، كأني أبحث عن كلمات لا تخون ما شعرت به، ثم قلت:
- لأن المكان يتذكر… ونحن يجب أن نتذكر معه.
لم يفهموا تماما، لكنهم انحنوا، واحدا تلو الآخر، وبدأوا يساعدونني. كان المشهد بسيطا، لكنه عميق: أيد تجمع ما أفسدته أيد أخرى، وقلوب تتعلم ببطء كيف تنصت.
ومع الأيام، خف ثقل النفايات، وعاد المكان يتنفس. الأشجار رفعت أغصانها، والماء استعاد صفاءه، كأن شيئا من الألم قد انزاح.
التقطت صورة أخيرة، لا لأحتفظ بها، بل لأتأكد أنني أراها جيدا. ثم أغلقت الكاميرا، ووضعتها جانبا، لأنني أدركت أن الجمال لا يلتقط… بل يصان.
منذ ذلك الحين، كل من يمر بالمكان، إذا أنصت جيدا، قد يسمع همسا خافتا بين الأغصان: الجمال ليس ما تراه، بل ما تتركه خلفك... أو ما تختار ألا تتركه.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم ا ...
- البرلماني/ة بالمغرب بين التمثيل الحقيقي وسوء الفهم الشائع.
- استقلالية المجتمع المدني بالمغرب: قراءة نقدية في ضوء التحولا ...
- ينام الحنين على سنابل الضوء
- هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي
- الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.
- حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح


المزيد.....




- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - الجمال لا يلتقط...بل يصان