أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - سباق العيد














المزيد.....

سباق العيد


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


بعد أكثر من أسبوع كامل قضيناه في حالة استنفار دائم، نركض دون توقف خلف تفاصيل عيد الأضحى ومتطلباته الصغيرة والكبيرة، التفتت إلي زوجتي، ونحن نتناول الشاي مساء العيد، بنبرة تجمع بين التعب والسخرية، وقالت:
"لا تظن أن الأمر انتهى… علينا أن نبقى في حالة تأهب لبعض الوقت الإضافي، فقد يعود خروف العيد ذات يوم ليطالبنا حتى بثمن نحره، بعد أن استنزفنا ثمن شرائه!"
ضحكت، لكنني أدركت أن عبارتها الساخرة لم تكن بعيدة عن حقيقة ما عاشه الناس خلال الأيام التي سبقت العيد. كان الجميع يسيرون في الشوارع بوجوه شاردة، وأذهان مثقلة بالحسابات والالتزامات، حتى بدا المارة وكأنهم يعبرون الطرق دون انتباه حقيقي لما حولهم.
ومن حسن الحظ أن طرق بلدتنا ضيقة إلى حد لا يسمح بالسرعة، وأن الأرصفة محتلة عن آخرها، مما دفع الناس إلى السير بمحاذاة السيارات في قارعة الطريق، فتداخلت خطواتهم البطيئة مع حركة المرور المكتظة. في مثل ذلك المشهد، صار التهور مستحيلا تقريبا، وكأن الفوضى نفسها فرضت نوعا من الحذر الجماعي غير المعلن. لذلك مرت أيام العيد بأقل الخسائر الممكنة؛ بعض حوادث المرور البسيطة هنا وهناك، احتكاكات عابرة، وصدمات خفيفة، لكن دون خسائر بشرية.
أما نحن، فقد قضينا يوم العيد وحدنا، أنا وزوجتي. أشرفنا على كل المراسيم بأنفسنا، منذ الصباح الباكر، ننتقل من مهمة إلى أخرى دون توقف، نعد كل المتطلبات الصغيرة قبل الكبيرة، كأننا ندير طقسا قديما لا يحق له أن يختل.
لم أعد أقوى على ذبح الأضحية. كل سنة يتسلل إلي ذلك الإحساس الغامض بالتعاطف مع تلك الحيوانات البريئة، فأكتفي بالمراقبة من بعيد. صار الجزار هو من يتولى المهمة مكاني، ببرودة محترف اعتاد تكرار المشهد عشرات المرات. لم تستغرق العملية كلها عنده أكثر من خمس عشرة دقيقة؛ دقائق قليلة كانت كافية لينتهي كل شيء، وكأن الزمن نفسه يتقلص بين يديه.
ظللت أتفرج من بعيد حتى انتهى، ثم سلمته أجرته فانصرف مسرعا نحو موعد آخر. عندها فقط، فتح عداد الزمن بالنسبة إلينا أنا وزوجتي. بدأ سباق طويل مع الساعات، نتقاذف المهام واحدة بعد أخرى، نغسل ونرتب ونقطع ونهيئ، كأن البيت كله تحول إلى ورشة عمل لا تهدأ. كنا نتحرك بصمت وتوتر خفيف، تدفعنا مهمة نحو أخرى، حتى انتصف النهار دون أن نشعر. مارسنا مبدأ المساواة بين الجنسين دون ان نشعر. مع كثرة المهام وتنوعها، وضغطها، لم يكن بمقدور فرد واحد القيام بها وحده، فكان لا بد من التعاون بيينا.
وفي خضم ذلك الاستنفار، اكتشفنا فجأة أن القط اختفى. كان قط الحي الأرقط، الذي اعتاد التسكع قرب باب بيتنا كل صباح، قد تسلل إلى الداخل في لحظة غفلة، ثم اختفى تماما. توقفت زوجتي عن العمل للحظة وهي تقول بقلق ساخر:
"إياك أن يكون قد حمل معه قطعة لحم وفر!"
بدأنا نفتش البيت بعصبية مضحكة؛ خلف الأبواب، تحت الطاولة، قرب أكياس الفحم، وحتى داخل الحمام. للحظات قصيرة تحول بيتنا إلى مسرح مطاردة عبثية، بينما كانت رائحة الشواء الأولى تتصاعد من البيوت المجاورة كأن الحي كله يحتفل بسقوطنا في الفوضى.
وبعد بحث طويل، وجدناه أخيرا نائما فوق كرسي في الشرفة، مستلقيا بكل هدوء، كأنه صاحب البيت الحقيقي، بينما نحن مجرد عاملين موسميين جاؤوا لخدمته. نظرت إلي زوجتي وضحكت لأول مرة منذ الصباح، ثم قالت:
"حتى هذا القط فهم أن يوم العيد ليس للراحة."
عندها فقط انتبهت إلى أننا لم نجلس منذ ساعات، ولم نشرب حتى كوب ماء بهدوء. كنا نعمل وحدنا، كأننا فوق خشبة مسرح بلا متفرجين، لذلك غابت الفرجة. لم يكن ما نعيشه دراميا بما يكفي للبكاء، ولا كوميديا بما يكفي للضحك، ولا رومانسيا كما تصوره الحكايات العابرة. كان مجرد تعب يومي ثقيل، يؤديه شخصان بصبر بارد. ومع ذلك، كان يرمز أيضا إلى شعيرة دينية أنجزناها كما وجدنا الناس يفعلونها منذ زمن طويل؛ نكرر الطقوس نفسها، ونعيد التفاصيل نفسها، ربما بدافع الإيمان أحيانا، وبدافع العادة أحيانا أخرى، لكننا نمضي فيها كما لو أننا نخشى أن ينقطع ذلك الخيط الرفيع الذي يربطنا بالجماعة وبذاكرة الأيام القديمة.
لم يصفق لنا أحد في النهاية، ولم ينتقدنا أحد أيضا. انتهى العرض كما بدأ: بصمت، بينما ظل القط نائما في الشرفة غير مكترث بكل ما حدث.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد، كتاب لم ينصفه التاريخ
- كلنا هادئون...إلى أن تختبرنا الحياة
- الجمال لا يلتقط...بل يصان
- الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم ا ...
- البرلماني/ة بالمغرب بين التمثيل الحقيقي وسوء الفهم الشائع.
- استقلالية المجتمع المدني بالمغرب: قراءة نقدية في ضوء التحولا ...
- ينام الحنين على سنابل الضوء
- هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي
- الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.
- حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...


المزيد.....




- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - سباق العيد