أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - السروال والرجال الحقيقيون














المزيد.....

السروال والرجال الحقيقيون


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


عادت زوجتي إلى البيت ذلك المساء وهي تحمل كيسا صغيرا، وقد بدا على وجهها شيء من الرضا والانتصار، كأنها أنجزت مهمة كانت تخطط لها منذ أيام.
ما إن دخلت حتى تقدمت نحوي ومدت يدها بالكيس قائلة:
- اشتريت لك هدية، بمناسبة عيد الأب. أتمنى أن تعجبك.
تناولت الكيس بفضول، وجلست أفتحه ببطء. أخرجت منه سروالا أنيقا بلون هادئ وشكل عصري. قلبته بين يدي بإعجاب وقلت:
- جميل جدا، شكرا جزيلا لك عزيزتي... يبدو أنك أحسنت الاختيار.
ابتسمت ابتسامة المنتصر وقالت:
- كنت أعلم أنه سيعجبك.
تأملت السروال قليلا، ثم رفعت حاجبي مازحا:
- لكن قولي لي بصراحة... أليس هذا سروالا للنساء؟
لم تتردد لحظة، بل نظرت إلي بعينين لامعتين وقالت بسرعة خاطفة:
- وهل بقي هناك رجال بعد، حتى نجد لهم بالأسواق سراويل خاصة بهم؟
انفجرت ضاحكا من جرأة جوابها، حتى كدت أسقط السروال من يدي. أما هي فظلت تنظر إلي بثقة وكأنها ألقت حقيقة لا تقبل النقاش.
بعد أن هدأت ضحكتي قلت:
- يبدو أن لديك حكما قاسيا على الرجال.
أجابت وهي تجلس قبالتي:
- لست أقصد جميع الرجال، لكن انظر حولك. كم من رجل يتخلى عن مسؤوليته عند أول اختبار؟ كم من رجل يعد ولا يفي، ويتحدث كثيرا ولا يفعل شيئا؟ أصبح بعضهم يبحث عن الراحة أكثر مما يبحث عن الكرامة.
هززت رأسي مفكرا ثم قلت:
- ربما معك بعض الحق. لكن الرجال الحقيقيين لم ينقرضوا، إنهم فقط أصبحوا أقل ظهورا. مثل المعادن النفيسة، كلما زادت قيمتها قل وجودها.
ابتسمت وقالت:
- والنساء أيضا تغيرن. كثيرات أصبحن يقمن بأدوار كانت تنسب قديما إلى الرجال.
قلت:
- نعم، نرى نساء يتحملن مسؤولية أسر كاملة، ويواجهن الصعوبات بشجاعة، ويكافحن في العمل والحياة بإصرار لا يملكه كثير من الرجال.
ساد صمت قصير، ثم أضفت:
- ألم تسمعي بفاطمة مسرور، تلك المرأة الشجاعة التي واجهت العبث وحدها داخل مجلس الجماعة، وفرضت بقوة خطابها ونبل أهدافها تصحيح مسار العمل ليصبح في خدمة الصالح العام للساكنة؟
قالت زوجتي بعد برهة تأمل:
- نعم، تابعت أخبارها على وسائل التواصل الاجتماعي. إنها امرأة مقدامة، بينما رجال معها ضربوا مناقيرهم بريشهم المنفوخ وبلعوا ألسنتهم.
صمتت لحظة ثم أضافت:
- ألا تذكر جارتنا محجوبة في الشارع الذي كنا نسكنه سابقا؟ كيف قادت وحدها سفينة أسرتها بعد وفاة زوجها؟
قلت:
- نعم، كانت امرأة قوية. رغم قلة ذات اليد استطاعت بكدها وعملها الدؤوب وإخلاصها أن تعيل أبناءها وتقودهم إلى بر الأمان. نهلوا من العلم والمعرفة حتى أصبحوا في مناصب مشرفة.
رفعت نظري إلى زوجتي وقلت:
- في الحقيقة، أصبحنا نرى كثيرا من النساء يتحلين بصفات كنا نعدها يوما من خصال الرجال: الشجاعة، والإقدام، والوفاء، والصدق، وتحمل المسؤولية.
قالت زوجتي بهدوء:
- لأن تلك الصفات ليست ملكا للرجال أصلا. نحن فقط تعودنا أن ننسبها إليهم. الأخلاق لا تعرف جنسا ولا لونا ولا عمرا.
أعجبتني فكرتها، فقلت:
- إذن أنت ترين أن الرجولة ليست صفة بيولوجية؟
أجابت:
- الرجولة بمعناها الأخلاقي موقف قبل أن تكون جنسا. وكذلك الأنوثة الحقيقية ليست مجرد مظهر. الإنسان يقاس بما يحمله من قيم، لا بما يرتديه من ثياب.
نظرت إلى السروال مرة أخرى. قطعة قماش لا أكثر، لكنها فجأة بدت لي وكأنها مرآة صغيرة تعكس أحكامنا المسبقة. كم من الأشياء نصفها بالرجولية أو الأنثوية لمجرد أن العادة قالت ذلك يوما؟ وكم من القيم العظيمة ضاعت بين الأسماء والتصنيفات؟
تذكرت رجالا عرفناهم ولم يحملوا من الرجولة إلا الاسم، وتذكرت نساء حملن من الشجاعة والوفاء ما جعل الناس يقفون لهن احتراما. أدركت حينها أن الألقاب سهلة، أما القيم فثقيلة لا يحملها إلا من استحقها.
وقفت لأجرب السروال، وما إن ارتديته حتى سألتني زوجتي ضاحكة:
- حسنا، هل ما زلت تراه سروالا نسائيا؟
نظرت إليها للحظة، ثم انفجرت ضاحكا وقلت:
- لا، يبدو أن السروال وجد أخيرا رجلا يليق به!
ضحكنا معا، ثم علقت السروال في الخزانة وانشغلت بأشياء أخرى. لكن الحوار ظل معلقا في ذهني أطول مما علق السروال على شماعته.
أدركت أن حديثنا لم يكن عن قطعة ثياب، ولا عن الرجال والنساء بالمعنى التقليدي. كان حديثا عن زمن اختلطت فيه الأدوار وتشابهت المظاهر وتبدلت الصور، وبقيت فيه حقيقة واحدة لا تتغير:
الإنسان لا يصنعه ما يلبس، ولا ما يقوله عن نفسه، بل ما يفعله حين تمتحنه الحياة.
الرجولة ليست امتيازا يمنحه الجسد، ولا الأنوثة قيمة يحددها المظهر، كلاهما يرتقي بالأخلاق وينحدر بغيابها. أما الشجاعة والصدق والوفاء وتحمل المسؤولية، فهي صفات لا تسأل صاحبها إن كان رجلا أم امرأة، بل تسأله فقط:
هل أنت أهل لها؟
تلك هي الحقيقة التي بقيت تتردد في ذهني ذلك المساء، بينما كان السروال الجديد معلقا في الخزانة، شاهدا صامتا على حوار بدأ بقطعة قماش، وانتهى بمعنى الإنسان.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عودة إلى كتاب: -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد: ما الذي يميز ...
- سباق العيد
- كتاب -الدولة والثورة- لأرثور أرنولد، كتاب لم ينصفه التاريخ
- كلنا هادئون...إلى أن تختبرنا الحياة
- الجمال لا يلتقط...بل يصان
- الرأسمالية حين تضيق بها الأرض: من التوسع المادي إلى التضخم ا ...
- البرلماني/ة بالمغرب بين التمثيل الحقيقي وسوء الفهم الشائع.
- استقلالية المجتمع المدني بالمغرب: قراءة نقدية في ضوء التحولا ...
- ينام الحنين على سنابل الضوء
- هجرة إلى الغرب وسفر إلى الماضي
- الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.
- حين اكتشفت ملامحي في مرآة المغامرة.
- شاي با لخمار: نشيد دافئ على هامش الزمن
- أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ


المزيد.....




- -كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل ...
- -ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو ...
- كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا ...
- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...
- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - السروال والرجال الحقيقيون