أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد















المزيد.....


الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 09:08
المحور: الادب والفن
    


تنبيه للقارئ: هذه مسرحية تسخر من الجلادين، لا من الضحايا. وفيها شخصية واحدة لا تُسخر منها أبداً، وهي التي تُوقف المسرحية كلما ظهرت.



الشخصيات

الرجل ذو البدلة الزرقاء — رئيس حكومة. يبتسم في الصور، ويُحصي الصواريخ في السر.

التاجر — رجل أعمال عالمي، مقاول صفقات. صوته من مكبر بعيد في المشهد الرابع.

الجنرال — جنرال دفاعات جوية. يحمل لوحاً رقمياً فيه مخزون من الصفر.

الطبيب — طبيب جراحة، يحمل حقيبة سفر وحقيبة أدوات.

المهندسة — مهندسة برمجيات، تحمل لابتوب وحقيبة صغيرة.

الشيخ — رجل دين مسنّ، يجلس على كرسي في زاوية المسرح ولا يتحرك. لا يتكلم.

الصحافي — صحافي في صحيفة سويسرية عريقة.

الرجل الذي يحمل الحقيبة — رجل عجوز في قبو. حقيبته لا تُفتح.

صاحب الشرفة — رجل يجلس على شرفة عالية، ينظر إلى البحر. لا يبتسم.

الرجل ذو المحفظة — رجل خليجي في بدلة بيضاء. يفتح محفظته، فتخرج فاتورة.

المراجع — محاسب عجوز، يحمل دفتراً ضخماً وقلماً أحمر.

الأم — امرأة تحمل طفلاً نائماً. لا تتكلم.

الطفل — طفل نائم في ذراعي أمه. لا يتكلم. لا يتحرك. لا يستيقظ.

الجوقة — عشرة مسافرين في مطار. يحملون حقائب. يتحركون في مجموعات. يقرأون أرقاماً.



المشهد الأول: مكتب البطل

(مكتب فخم. جدار من الشاشات. على كل شاشة، صورة الرجل ذو البدلة الزرقاء نفسه. تسع شاشات، وكلها تعرض الوجه نفسه من زوايا مختلفة. الرجل واقف في الوسط، ينظر إلى نسخه.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: تسع شاشات، تسعة آراء، كلها تقول إنني عظيم. هذا هو الإجماع. الإجماع ليس في الشارع، الإجماع في الشاشات. الشارع يمكن أن يكون مخطئاً.

(يمسك جهاز تحكم. يضغط زراً. تتحول كل الشاشات إلى صورة واحدة: صورة جمهور كبير.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أربعون ألف. أربعون ألف في المظاهرة. لا. خمسون ألفاً. المظاهرة ليست حقيقة. المظاهرة رأي. والحقيقة رقم. والحقيقة التي لا رأي فيها: عشرون ألف مواطن غادروا الشهر الماضي. هؤلاء ليسوا رأياً. هؤلاء أرقام. والأرقام لا تتظاهر.

(يجلس. يفتح درجاً. يخرج ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء (يقرأ): "صديقي، يجب أن تغادر." — من؟ (يقلب الورقة) لا اسم. فقط "صديقي". كل الناس هنا يكتبون لي "صديقي". ولا أحد يوقّع. هذا هو النجاح: أن يكون لك أصدقاء بلا أسماء.

(يدخل السكرتير. لا يتكلم. يضع تقريراً على الطاولة. ينصرف.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء (يفتح التقرير): "٢٦٨٬٥٠٩". ما هذا الرقم؟ ماذا يعني ٢٦٨٬٥٠٩؟

(يقرأ بصوت مرتفع.)

"إجمالي المغادرين خلال ثلاث سنوات، لمدة ثلاثة أشهر متواصلة على الأقل."

(يهز رأسه.)

ثلاثة أشهر. هذا ليس غياباً. الغياب عودة. هذا ليس سفراً. السفر عودة. هذا... هذا رحيل. لكن كلمة "رحيل" قاسية. سنسميها "تنقل استراتيجي". أنا لا أفقد المواطنين، أنا أصدّرهم. وأصدّر لكم الطبيب. أصدّر لكم المهندس. أصدّر لكم العقل. وأقول: شكراً على الخروج، هذا فخر، هذا ازدهار.

(يبتسم إلى الشاشات. الشاشات لا تبتسم.)

وفي المقابل، كم استوردنا؟ صفر. صفر أطباء، صفر مهندسين، صفر عقل.

(يتوقف.)

لا بأس. الحساب لا يُحسب بالعقل، بل بالقبضة. من يملك القبضة لا يحتاج العقل.

(يتوقف. ينظر إلى القاعة. يكتشف أن أحداً لم يكن هناك. يضحك من غير سبب.)

هذا جيد. لأن من يضحك وحده، إما مجنون أو رئيس. وأنا لست مجنوناً. أنا صاحب أعلى نسبة تأييد في تاريخي. ولو لم يكن أحد يؤيدني، لكانت النسبة صفراً. والصفر أيضاً نسبة.



المشهد الثاني: المطار

(صالة مطار. الجوقة: عشرة مسافرين. حقائب كبيرة. طوابير. شاشة رحلات. على الشاشة كلمات: "زيورخ"، "فرانكفورت"، "تورنتو"، "لندن". الجوقة تتحرك ببطء كأنها تدفن نفسها.)

المسافر الأول: إلى أين؟

المسافر الثاني: إلى حيث لا يوجد نتنياهو.

المسافر الأول: وهل يوجد مكان لا يوجد فيه؟

المسافر الثاني: سويسرا.

المسافر الأول: سويسرا؟ سويسرا محايدة. المحايد لا يحمي.

المسافر الثاني: المحايد لا يقصف.

(صمت.)

الطبيب (يدخل، يحمل حقيبتين): اسمي د. الطبيب. تخرجت من كلية الطب هنا. عملت في مستشفى هنا. أنقذت حياة هنا. وأنا الآن في طريقي إلى زيورخ. لا تظنوا أنني أخاف من الموت. أنا أرى الموت كل يوم. ولكن هناك شيء اسمه المستقبل. وأنا لن أصلح عظام أطفال في مستشفى سيبقى مفتوحاً شهرين.

المهندسة (تدخل): اسمي مهندسة. كنت أكتب كوداً لشركة في تل أبيب. الكود يعمل. الشركة تعمل. وأنا لا أعمل. أنا فقط أستمر. وهناك فرق بين أن تعمل، وأن تستمر.

الطبيب: إلى أين؟

المهندسة: إلى لوزان. المعهد الفدرالي.

الطبيب: ألم تقرئي الرقم؟

المهندسة: قرأته. في لوزان، عدد الموظفين من عندنا ارتفع من ٩.٤ إلى ١٦. في أربع سنوات. مضاعف تقريباً. هذا ليس رقمي، هذا اتجاهي.

الطبيب: لكن ١٦ شخصاً. رقم صغير.

المهندسة: كل نزيف يبدأ بقطرة.

(الجوقة تهمس: "٢٦٨٬٥٠٩". الجوقة تهمس: "٩٠٬٩٢٢". الجوقة تهمس: "٣.٥ مليار". ثم تصمت.)

المسافر الثالث (يحمل حقيبة صغيرة، يقف في آخر الطابور): اسمي المهندس. وأنا لا أغادر لأنني خائف. أنا أغادر لأنني حسبت. هناك رقم اسمه الرقم الاقتصادي: أنا أنتج ضعف ما أُعطى. وإذا كنت أنتج ضعف ما أُعطى، فلماذا أنا هنا؟ لكي أكون بطلاً؟ البطل في المسرحيات. وأنا في الصالة.

الطبيب: بعضنا يقول إن هذا هروب.

المهندسة: الهروب من النار ليس هروباً. الهروب من الماء ليس جبناً.

الطبيب: لكن النار أشعلها أعداءنا.

المهندسة: بعض النيران أشعلها أعداؤنا. وبعضها أشعلناه بأيدينا. والفرق بين النوعين لا يهم الحريق.

(تصعد الأم مع الطفل النائم إلى المنصة. تتوقف في منتصف المسرح. المسرح يتجمد. الجوقة تتوقف. الطبيب يتوقف. المهندسة تتوقف. لا صوت. عشر ثوانٍ. ثم تنزل الأم. يعود الصوت. يعود الكلام. لكن شيئاً ما في المشهد قد انكسر.)

المسافر الرابع: سافرت عام ٢٠٢٣.

المسافر الخامس: وأنا في ٢٠٢٤.

المسافر السادس: وأنا في ٢٠٢٥.

الطبيب: وحين نعود؟

المهندسة: حين يعود العقل إلى البيت.

الطبيب: ومن سيعيده؟

المهندسة: العقل لا يُعاد. يُستدعى. وأنت تستدعي الطبيب بعقد أفضل، لا بخطاب أفضل.

(الشاشة تقلب الرحلات. زيورخ تأخير. فرانكفورت صعود. تل أبيب — الرحلات القادمة مجدولة. الرحلات القادمة قليلة. الرحلات القادمة خفيفة. حقائب قليلة.)



المشهد الثالث: غرفة العمليات

(طاولة كبيرة. خريطة على الطاولة. الجنرال يقف. حوله ستة شاشات، كلها فارغة. أمام كل شاشة كرسي فارغ.)

الجنرال (ينظر إلى لوح رقمي): هذه هي الجولة. هذه هي الحالة.

(يقرأ.)

٥٧٤ صاروخاً باليستياً. تم اعتراض ٢٥٧. نجحنا في ٢٠١. فشلنا في ٣٦.

(يتوقف.)

حسناً. النسب جيدة.

(يصمت، ثم ينظر إلى اللوح من جديد.)

لكن المخزون ليس نسبة. المخزون رقم.

(يقلب صفحة.)

١٥٠ صاروخ ثاد. ٨٠ صاروخ ستاندرد-٣. في اثني عشر يوماً. وإنتاجنا السنوي: ٤٠ صاروخاً.

(يضع اللوح على الطاولة.)

معنى هذا: من كان يظن أن المخزون بحر، يجب أن يعرف أن البحر كان كوباً.

(يدخل الرجل ذو البدلة الزرقاء. يحمل حقيبة. يجلس على كرسي فارغ. ينظر إلى الشاشات الفارغة.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أريد رقماً.

الجنرال: عندك رقم.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أريد رقماً مريحاً.

الجنرال: الرقم المريح هو الرقم الآخر. نحن نتعامل مع رقم غير مريح.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: متى يُعاد التخزين؟

الجنرال: ٢٠٣٠.

الرجل ذو البدلة الزرقاء (بعد صمت): ٢٠٣٠. هذا رقم. رقم بعيد.

الجنرال: ليس بعيداً عن الطاولة. الطاولة هنا. وبيننا وبينه ثلاث سنوات. والأسئلة لا تنتظر ثلاث سنوات.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: كم جولة نستطيع أن نتحمل؟

الجنرال: جولة واحدة قوية. أو جولتان متوسطتان. أو حرب استنزاف لا تُحسب بالجولات، بل بالصبر. والصبر ليس في المخزون. الصبر في الناس. والمخزون أسهل من الناس.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: إذن نستطيع أن نصمد.

الجنرال: نحن نصمد. لكن الصمود ليس انتصاراً. الصمود هو أن تظل واقفاً. والسؤال ليس هل نظل واقفين، بل هل نظل كاملين.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: الشعب يريد أن يسمع انتصاراً.

الجنرال: الشعب يريد أن يسمع أرقاماً. وأنا أستطيع أن أقدّم لك انتصاراً في الشاشة، وأرقاماً في الدفتر. الاثنان لا يجتمعان.

(الجنرال يخرج. يبقى الرجل ذو البدلة الزرقاء مع الشاشات الفارغة. يفتح حقيبته. يخرج علبة صغيرة. يفتحها. داخلها صاروخ بلاستيكي، مثل لعبة أطفال. يضعه على الطاولة. ينظر إليه طويلاً. يبتسم. الشاشة تشتعل: "الرئيس: نحن في أعلى جهوزية". يبتسم مرة أخرى. الصاروخ البلاستيكي لا يتكلم.)



المشهد الرابع: القمة

(قاعة كبيرة. طاولة بيضاء. كرسي واحد. الرجل ذو البدلة الزرقاء جالس. أمامه شاشة كبيرة. على الشاشة، ظل رجل ضخم، لا يظهر وجهه كاملاً. هذا هو التاجر.)

التاجر (صوته من مكبر): صديقي! صديقي! كيف حالك؟ أنت تخوض حرباً. حرباً جميلة. حرب نظيفة. حرب حديثة.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: ليست نظيفة تماماً.

التاجر: لا توجد حرب نظيفة. هناك حروب تُبَث وحروب لا تُبَث. حربك تُبَث. هذا مهم.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أحتاج دعماً.

التاجر: أنا الدعم! أنا أكبر دعم! لقد بعثت لك كل ما تحتاجه.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: لم تعد ترسل كل ما أحتاجه. أرسلت نصف ما أحتاجه.

التاجر: النصف الآخر في الطريق.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: النصف الآخر في الكونغرس.

التاجر: الكونغرس مشغول. الكونغرس يحسب. الكونغرس رأى الفاتورة.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: الفاتورة؟

التاجر: نحن نحبكم. ولكن الحب أيضاً له فاتورة. الصواريخ ليست مجاناً، والاعتراض ليس مجاناً، والحماية ليست مجاناً.

(يقلب ورقة.)

نحن نتحمل ديوناً. ديوننا كبيرة. ٤٠ تريليون. فوائدنا ١.١٧ تريليون في السنة.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: منذ متى صار حسابكم حسابنا؟

التاجر: منذ أن صار ديننا فائدتنا، وفائدتنا مشكلتنا. الديون لا تتظاهر. الديون أرقام.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أنا أرقام أيضاً.

التاجر: نعم، وأنت رقم أفضل من غيرك. لكن حين يصبح الرقم عبئاً، ينظر الرجل إلى محفظته.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: ألم تقل إنك لن تتخلى عنا؟

التاجر: لم أقل. قلت إنني أفضل صديق. والصديق الجيد هو الذي يبقى صديقاً بذكاء.

(صمت. الرجل ذو البدلة الزرقاء ينظر إلى الشاشة. التاجر يختفي. تبقى الشاشة مضيئة، لكن فارغة. يظهر في زاوية الشاشة شعار صغير: "الدفع مقدماً".)

الرجل ذو البدلة الزرقاء (لنفسه): بذكاء. نعم. هذه هي الصداقة الجديدة: صداقة بذكاء. أي صداقة على طريقة المحاسب. ونحن نحب المحاسبين، لأنهم لا يكذبون. لكنهم لا يحبوننا.

(يصعد إلى منصة عالية. ينظر إلى المسرح من الأعلى. الجوقة تتحرك في الأسفل، تحمل الحقائب. يرفع يده كأنه يحيي. لا أحد يرفع يده. يخفض يده.)



المشهد الخامس: القبو

(غرفة صغيرة. رجل عجوز جالس على كرسي خشبي. أمامه حقيبة معدنية صغيرة، عليها قفل قديم. الرجل ذو البدلة الزرقاء يدخل.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: مرحباً.

العجوز: مرحباً.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: ما هذا؟

العجوز: هذه هي الحقيبة.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أي حقيبة؟

العجوز: حقيبة الأمان الأخير. البعض يسميها "خيار شمشون". وأنا أسميها: الحقيبة.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: هل فيها سلاح؟

العجوز: فيها نهاية.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أفهم. نهاية العالم.

العجوز: لا. نهاية نحن. العالم يبقى.

(صمت.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: وهل هذا ردع؟

العجوز: هذا ردع. لكنه ردع غريب. ردع لا يُستخدم. فإذا استُخدم، فقد فشل. وإذا لم يُستخدم، فهو كلام. الردع الأخير ليس سلاحاً، بل قصة. وكل قصة يخاف منها الناس، حتى إذا لم تكن موجودة.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: هل هي موجودة؟

العجوز: هل تريد الحقيقة، أم الراحة؟

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أريد النتيجة.

العجوز: النتيجة: من يستخدم الحقيبة يخسر، ومن لا يستخدمها ينتظر. الانتظار ليس حلاً، لكنه كل ما لدينا.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: إذن هي كذبة؟

العجوز: لا. ليست كذبة. الكذبة شيء صغير. هذه شيء كبير. لكن حجمها لا يغني عن سؤال واحد: من سيحمي الشعب بعد أن نحمي أنفسنا؟

الرجل ذو البدلة الزرقاء: الشعب سيحمي نفسه.

العجوز: الشعب يرحل. رأيت المطار.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: الشعب يبحث عن مستقبل.

العجوز: الشعب يعرف أن الحقيبة لا تعطي مستقبلاً. الحقيبة تعطي نهاية. النهاية ليست حياة. النهاية نهاية.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: وماذا تريدني أن أفعل؟

العجوز: أن تفتح الحقيبة.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: لكي أستخدمها؟

العجوز: لا. لكي ترى ما فيها. الناس يخافون من الأشياء التي لم يروها. أما الذين يرونها، فيعرفون أنها حقيبة. وأن الحقيبة لا تحكم. الحكم يحتاج رجلاً، والرجل يحتاج عقلاً، والعقل لا يعيش في الحقيبة.

(الرجل ذو البدلة الزرقاء يقترب. يمد يده إلى القفل. يتوقف.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: لا.

العجوز: لماذا؟

الرجل ذو البدلة الزرقاء: لأنني لا أريد أن أرى. من يرى، لا يستطيع أن يقول إنه لم يكن يعلم.

(يخرج. العجوز يبقى. يمسك الحقيبة. يضعها على ركبته. يقرع عليها مرتين. لا صوت.)

العجوز (لنفسه): سمعتم؟ لا صوت. هكذا تكون النهاية: صامتة، خفيفة، تكفي لرجل واحد أن يقررها لوحده.

(صمت طويل.)



المشهد السادس: الشرفة

(شرفة عالية. تنظر إلى البحر. صاحب الشرفة جالس. يرتدي ملابس بسيطة. يداه على ركبتيه. لا يبتسم. يقف الرجل ذو المحفظة في الأسفل، يخاطبه من بعيد.)

الرجل ذو المحفظة: من أنت؟

صاحب الشرفة: أنا الذي ينظر إلى الممر.

الرجل ذو المحفظة: وأنا الذي يمر من الممر.

صاحب الشرفة: لا. أنت من كان يمرّ. الآن، من يمر يمرّ بإذني. أو لا يمر.

الرجل ذو المحفظة: هذا كلام كبير.

صاحب الشرفة: هذا ليس كلاماً. هذا ماء. الماء لا يتكلم.

الرجل ذو المحفظة: لكنك تتكلم كثيراً.

صاحب الشرفة: أنا أتكلم لأنكم تتكلمون كثيراً. أنتم الذين كتبتم التقارير عني. أنا لم أكتب تقريراً عنكم.

الرجل ذو المحفظة (يفتح محفظته): لدينا شركات. لدينا عقود. لدينا سندات في الخزينة الأمريكية.

صاحب الشرفة: كم؟

الرجل ذو المحفظة: ٢٨٠ مليار.

صاحب الشرفة: هذه ليست قوة. هذه رهينة.

الرجل ذو المحفظة: كيف؟

صاحب الشرفة: من يعتمد على حماية غيره، يخاف من سيده أكثر مما يخاف من عدوه. وأنتم خائفون. أعرف ذلك. لأنكم لا تسألون عن الأمن، بل عن التأمين. الأمن يحتاج جيشاً. التأمين يحتاج فاتورة.

(الرجل ذو المحفظة يصمت. يدخل المراجع من اليمين، يحمل دفتراً ضخماً. يقف بينهما.)

المراجع: اسمحوا لي. أنا هنا لأتحدث عن الأصول.

الرجل ذو المحفظة: الأصول؟

المراجع: نعم. أصولكم موجودة في الغرب. وأصولنا موجودة في أذهان الشعب. الفرق أن أصولكم قابلة للتجميد. أصولنا غير قابلة للتجميد، لأنها لا تُكتب في دفتر.

الرجل ذو المحفظة: هذا كلام شعراء.

المراجع: الشعر يعيش أطول من الأرقام. نحن رأينا رقماً اسمه الاتحاد السوفيتي. كان أكبر من أي رصيد. ثم ذهب. ولا يزال في الدفاتر.

صاحب الشرفة: وهذا هو الدرس. من يملك الممر، يملك العبور. ومن يملك العبور، يملك السياسة. لا يحتاج إلى أن يهزم أحداً. يكفي أن يجعل أحداً ينتظر.

الرجل ذو المحفظة: ونحن؟

صاحب الشرفة: أنتم تنتظرون.

(ينزل صاحب الشرفة من الشرفة. يقف على الأرض. يمر من أمامهما. لا ينظر إليهما. يخرج. يبقى الاثنان. المراجع يفتح دفتره. يكتب: "الانتظار: أداة استراتيجية".)



المشهد السابع: الحسابات

(مكتب صغير. المراجع يجلس. أمامه الرجل ذو البدلة الزرقاء، والجنرال، والرجل ذو المحفظة، والصحافي. الجوقة تقف في الخلف. المراجع يقرأ.)

المراجع: دفتر أول: الدين. أربعون تريليون دولار. الفوائد: تريليون ومئة وسبعون مليار سنوياً. بالشهر: ستة وتسعون ملياراً. باليوم: ثلاثة مليارات ومئتان.

التاجر (من الشاشة): أرقام قديمة.

المراجع: الأرقام لا تصير قديمة. الأرقام تصير أكبر.

المراجع: دفتر ثانٍ: الذهب. مئتان وواحد وستون مليون أونصة. القيمة السوقية: تريليون وستون ملياراً. لكنه مسجّل في الدفاتر: أربعة وأربعون ملياراً. الفرق ليس ربحاً. الفرق وهم محاسبي. من يظن أن الذهب يسدد ديناً، يظن أن النافذة تحمل البيت.

المراجع: دفتر ثالث: إسرائيل. المغادرون: مئتان وثمانية وستون ألفاً وخمسمائة وتسعة. الخسارة الضريبية المتوقعة: ثلاثة مليارات ونصف شيكل في السنة. الأطباء: ألف وثلاثمئة وسبعون. وهذه ليست خسارة مالية، بل خسارة قدرة.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: القدرة مفهوم غامض.

المراجع: القدرة ليست غامضة. القدرة طبيب، ومهندس، وعقل. وأنت تصدّرهم. الفرق بينك وبين تاجر العقول أن التاجر يعرف أنه يبيع. وأنت لا تعرف.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أنا لا أبيع.

المراجع: صحيح. أنت تعطي مجاناً. أسوأ.

(الطبيب والمهندسة يدخلان من يسار المسرح. يحملان حقائبهما. يقفان.)

الطبيب: نحن هنا.

المراجع: أعرف.

الطبيب: لماذا لا تسألنا لماذا؟

المراجع: لأن الجواب مكتوب في الدفتر. أنتم مغادرون، لأنكم أذكى من الدفتر.

المهندسة: لا. نحن مغادرون لأننا نستطيع. من لا يستطيع يبقى ويحسب.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أنتم خونة.

الطبيب: الخيانة أن تعالج أطفالاً بلا مستقبل. وأنا أعالجهم. أنت من تعطيهم الحرب.

(يدخل الصحافي. يحمل دفتراً وقميصاً بنياً. يقف في الوسط.)

الصحافي: اسمي من صحيفة سويسرية. عندي سؤال واحد: هل تنوي التوقف؟

الرجل ذو البدلة الزرقاء: لا.

الصحافي: لماذا؟

الرجل ذو البدلة الزرقاء: لأن التوقف يبدو كالهزيمة.

الصحافي: والاستمرار؟

الرجل ذو البدلة الزرقاء: الاستمرار يبدو كالبطولة.

الصحافي: حتى لو كان الغرق؟

الرجل ذو البدلة الزرقاء: حتى لو كان الغرق. الغرق له صورة جميلة. يداك مرفوعتان، ورأسك فوق الماء، والناس في الخارج يرونك تقاوم. الصورة هي التي تهم. الماء لا يُرى في الصورة.

الصحافي: والسؤال الأخير: ما هو الرقم؟

الرجل ذو البدلة الزرقاء: أي رقم؟

الصحافي: الرقم الذي تعرف أنه لا يمكن إخفاؤه.

(صمت. الرجل ذو البدلة الزرقاء لا يجيب. الجوقة تبدأ تقرأ أرقاماً بصوت خفيف.)

الجوقة (بصوت جماعي): ٢٦٨٬٥٠٩.

الجوقة: ٩٠٬٩٢٢.

الجوقة: ٣.٥ مليار.

الجوقة: ٢٠٣٠.

الجوقة: ٣٦.

(المراجع يكتب في الدفتر. يغلق الدفتر. يخرج.)



المشهد الثامن: الكرسي الفارغ

(المسرح فارغ. كرسي واحد في الوسط. على الكرسي حقيبة صغيرة. تدخل الأم مع الطفل النائم. تجلس على الأرض. لا كلام. لا صوت. المسرح كله متوقف. عشرون ثانية كاملة. لا يتكلم أحد.)

(ثم يدخل الرجل ذو البدلة الزرقاء. ينظر إلى الأم. ينظر إلى الطفل. لا يتكلم. يريد أن يقول شيئاً. لا يقول. يجلس على الكرسي. يفتح الحقيبة. يخرج ورقة. يقرأها بصوت خفيض، لكن الصوت مسموع.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: "نحن ننتصر." لا. ليست هي. (يقلب.) "نحن نصمد." لا. ليست هي. (يقلب.) "نحن نحمي." لا. (يتوقف على ورقة رقيقة.) "نحن نبكي." لا. هذه ليست من خطاباتي.

(يرفع رأسه. ينظر إلى القاعة.)

لا. لا توجد ورقة تقول "نحن نبكي".

(يدخل الطبيب والمهندسة بحقائبهما. يقفان في الباب. ينظران إليه. لا يتكلمان.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: إلى أين؟

الطبيب: كما تعرف.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: متى تعودون؟

المهندسة: حين تعود إلينا.

الرجل ذو البدلة الزرقاء: ما معنى هذا؟

المهندسة: معناه أننا لا نغادر بلداً، بل نغادر خطة. الخطة التي تقول إن الحياة معركة، والمعركة صورة، والصورة تُنتج نصراً. ونحن لا نريد صورة. نريد حياة.

(يخرجان. الجوقة تدخل. عشر حقائب. عشر خطوات. تخرج. المسرح يفرغ. يبقى الرجل ذو البدلة الزرقاء على الكرسي. معه الطفل والأم.)

(صمت.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء (إلى الطفل): هل أنت نائم؟

(لا جواب.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: هل أنت هنا؟

(لا جواب.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: هل تسمعني؟

(لا جواب. يمد يده. لا يلمس. يخفض يده. يبتسم ابتسامة صغيرة. ثم يمسح الابتسامة. يضع الحقيبة على الأرض. يقف.)

الرجل ذو البدلة الزرقاء: إذن... "نحن ننتصر".

(لا أحد يرد. الشاشات على الجدار تُطفأ واحدة، واحدة. تسع شاشات. تطفأ جميعها. تصبح الشاشة الأخيرة سوداء. يبقى وجهه فيها. ثم يختفي وجهه. تصبح الشاشة مرآة.)

(ينظر إلى المرآة. لا يرى بطلاً. يرى رجلاً واقفاً في غرفة، وكرسياً فارغاً، وطفلاً نائماً، وامرأة تنتظر.)

(الستارة.)


ملحق: تعليق المؤلف على مسرحية "الغرقى"

هذه المسرحية لا تقول إن إسرائيل ستنتهي غداً. تقول شيئاً أصغر وأدق: إن منطق الحكم بالصورة، والحكم بالقبضة، والحكم بالرقم المخفي، منطق يعمل، ثم ينفد.

الكوميديا هنا ليست في الموت. الموت لا يُضحك. الكوميديا في الخطاب الذي يحوّل الموت إلى "ضربة دقيقة"، والهروب إلى "تنقل استراتيجي"، والعجز إلى "جهوزية عالية"، والرفض إلى "خيانة".

وفي المسرحية شخصية واحدة لا تضحك، وهي التي تجعلنا نعرف أننا كنا نتفرج على شيء خطير: الطفل النائم. كلما ظهر، توقف العرض. لأنه لا يمكن كتابة كوميديا في وجوده. وأي كوميديا تكتب في وجوده، فهي ليست كوميديا، بل غطاء.


— نهاية المسرحية —



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول ...
- حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد ...
- مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف ...
- حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات: ...
- شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل ...
- كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي ...
- “الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت ...
- مهندسو الوهم.. مسرحية ساخرة في ثلاثة فصول وثلاثين مشهدًا
- باب المندب: حين تُكتب نهاية عصرٍ من رحم الجغرافيا.. تحوّلات ...
- اليمن عند تسارع التحرير: سقوط المخا وحيس ومعسكر خالد بن الول ...
- خرائط الممرات: دراسة مقارنة لكتابي في الأدب الجيوسياسي العال ...
- مسرحية -العالم مسرح... والحمقى ممثلوه- كوميديا تراجيدية في خ ...
- مسرحية ساخرة : -ترامبوصوف: يوم دمر الرئيس البحرية الإيرانية. ...
- التقاطع الخفي: كيف يتوحد اليمين الألماني تحت سقف النيوليبرال ...
- إعادة تشكيل العالم: صراع السيادة مقابل هيمنة رأس المال العال ...
- مخاض الطاقة في خليج عُمان: حينما تكسر الصواريخ الذكية عظام ا ...
- الصين بين سردية المركز وهيمنة الوقائع: نقد بنيوي لخطاب -العم ...
- المال الذي قتل: قراءة في قرار لوكسمبورغ وإنهاء تواطؤ أوروبا ...
- مقدمة كتابي : بيادق الرمال : تشريح الأدوار الوظيفية من الاحت ...
- سورية بين خطاب إعادة الإعمار وواقع النهب المنظم


المزيد.....




- الإقبال الشديد يدفع متحف برلين إلى تمديد عرض بورتريه أنغيلا ...
- سينما -كينوبورت- تستقطب 18 ألف مشاهد في المحطة النهرية الشما ...
- أقدم مسجد في فرنسا.. حفريات جزيرة -مايوت- تعيد كتابة تاريخ د ...
- -نازا- في سان سيباستيان.. مهرجان السينما يجدد موقفه من حرب غ ...
- فيلم -نازا- الوثائقي في قلب عاصفة سياسية في إسرائيل
- تراث متجذر في حياة السودانيين.. زراعة الحناء تصارع الجفاف وت ...
- وفاة صاحب أغنية -Barely Breathing- الشهيرة عن عمر ناهز 56 عا ...
- جدران مدن الأردن.. من كتل صامتة إلى صفحات مفتوحة للذاكرة
- رغم الغضب الإسرائيلي.. فيلم -نازا- يصل إلى دور العرض الأمريك ...
- مصر ترشح -القصص- لخوض سباق الأوسكار 2027


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد