احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 23:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يظهر بين الحين والآخر نصٌّ يحمل في طياته القدرة على هزّ أركان التصورات الراسخة ، في عالمٍ تطغى عليه ضجيج الإمبراطوريات الإعلامية، وتخيم عليه سحب الروايات الأحادية،
. كتاب «نزيف تحت الجلد: تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية» ليس مجرد كتاب، بل هو "زلزال فكري، انزياح معرفي، صرخة في وجه الإمبراطوريات القديمة والجديدة". مئات الصفحات من التحليل العميق والدراسة المقارنة، تخدم هدفاً واحداً: فضح خرافة القوة الأمريكية عبر تشريح منهجي لجثة إمبراطورية ما زالت تعتقد أنها حية.
يأتي هذا العمل ليكتب "الملحمة التراجيدية-التأملية لعالم في طور المخاض"، بعد أن كتب فوكوياما نشيد النصر، وهنتنغتون تحذير العاصفة، وتشومسكي صلاة الغضب. إنه ينظر إلى المشهد من قمة أزمة متعددة الأبعاد في 2024، بعد ثلاثة عقود من أوهام "نهاية التاريخ".
أولاً: الفرق الجوهري بين الأفول والانهيار المفاجئ
الإمبراطورية الرومانية لم تسقط في يوم واحد، بل نزفت قروناً. والإمبراطورية الأمريكية اليوم لا تواجه خطر الانهيار المفاجئ، بل تواجه خطر النزيف البطيء من الداخل — وهو ما يجعل "النزيف تحت الجلد" أخطر من الجرح الظاهر.
ما يقوله النموذج التشريحي في هذا الكتاب هو أن الخطر الحقيقي على أمريكا ليس خارجياً — لا الصين ولا روسيا ولا إيران — بل هو خطر داخلي متعدد الأوجه: التفكك الاجتماعي، والاستقطاب السياسي، والمديونية المتفاقمة، واللامساواة المتوحشة، وانهيار الثقة في المؤسسات، وتحوّل الديمقراطية إلى سيرك انتخابي. هذا ما أكده يوهان نوربرج في تحليله حين ركّز على العوامل الداخلية التي كانت السبب الحقيقي وراء انهيار معظم الإمبراطوريات العظمى: الصراع على السلطة، وتفكك الوحدة الوطنية، وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة، والانحلال الأخلاقي.
والحضارات لا تسقط فجأة، بل تتآكل من الداخل ببطء، حين يضعف نسيجها الأخلاقي، وتتصدع منظومتها الفكرية، وتفقد قدرتها على الإصلاح الذاتي. عندها يصبح سقوطها مسألة وقت لا أكثر، تماماً كما حدث للرومان قبل ألفي عام. والمقارنة بين الحضارة الرومانية والحضارة الأمريكية الحديثة تبدو لافتة، لا من حيث الشكل السياسي فحسب، بل في البنية الثقافية والاجتماعية التي تُظهر أن التشابه بينهما يتجاوز الصدفة إلى قانون التاريخ الذي يعيد نفسه متى تكررت الظروف نفسها.
فالولايات المتحدة التي ستحتفل قريباً بمرور قرنين ونصف القرن على تأسيسها، تعيش لحظة مراجعة عميقة في ظل انقسامات سياسية حادة، وتراجع في التسامح مع الآخر، وتنامٍ للخطاب المتشدد، إلى جانب أزمات اقتصادية واهتزاز في منظومة القيم — وهي الأسباب نفسها التي سبقت انهيار الإمبراطوريات القديمة.
ثانياً: الإمبراطورية التي تنزف لا تسقط… بل تُستنزف
الفرق الجوهري بين روما وأمريكا أن روما كانت تُدار بمنطق الفتح والاندماج، بينما أمريكا تُدار بمنطق الهيمنة والاستنزاف. روما بنت طرقاً وقوانين ومدناً، وأمريكا تبني قواعد عسكرية وتبيع أسلحة وتُفجّر دولاً. روما ضمّت الشعوب، وأمريكا تستنزفها. وهذا الفرق يفسّر لماذا قد لا تسقط أمريكا سقوطاً مدوياً، بل تذوي ببطء كما يذوي جسدٌ منهك، ينزف تحت جلده دون أن يرى أحد قطراته الأولى.
الكتاب يقدّم استعارة جراحية بالغة الدقة: في الطب الحديث، هناك مفهوم يُعرف بـ «الصدمة التراكمية». مريض يخضع لعملية جراحية كبرى في القلب — العملية ناجحة. بعد ستة أشهر، عملية في الركبة — يتحملها. لكن بعد عام، عندما يحتاج إلى عملية بسيطة في المرارة، يموت على طاولة العمليات. لماذا؟ لأن كل عملية، حتى الناجحة، تترك أثراً تراكمياً على الجسم. الجسم لا يعود إلى حالته الأصلية تماماً بعد كل صدمة، بل يفقد قليلاً من احتياطي المرونة. والعملية الثالثة، رغم أنها الأصغر، تأتي على جسد قد استنفد احتياطياته.
هذا بالضبط ما يحدث للإمبراطوريات في حالة الاستنزاف المتعدد الجبهات. الجبهة الأولى: الحرب على الإرهاب (2001-2021) — تكلفة 8 تريليونات دولار، و7 آلاف قتيل أمريكي، وإنهاك الجيش واستنزاف الخزينة وتآكل الشرعية الدولية. الجبهة الثانية: المواجهة مع روسيا (2014-الآن) — تريليون دولار للمساعدات والعقوبات، وتوتر مع حلفاء أوروبا. الجبهة الثالثة: الصراع مع الصين (2018-الآن) — حرب تجارية وسباق تكنولوجي واستعدادات عسكرية في المحيط الهادئ.
النتيجة: كل جبهة لاحقة تكون تكلفتها الفعلية أكبر من تكلفتها النظرية، لأن الإمبراطورية تدخلها وهي أضعف مما كانت عليه عند بداية الجبهة السابقة. هذا هو جوهر "النزيف تحت الجلد": المرض الذي يغذي نفسه، وكل محاولة لاحتواء نزيف في جبهة تفتح جرحاً أو تزيد من نزيف في جبهة أخرى.
ثالثاً: القانون التاريخي لا يُطبَّق بنفس النمط
السنن التاريخية صحيحة في جوهرها بالمفهوم المادي التاريخي — لكن تطبيقها يختلف باختلاف الظروف. الإمبراطورية اليونانية انقرضت لأنها كانت مدينة-دولة، والرومانية انهارت لأنها لم تعد قادرة على حماية حدودها ولا على دمج أطرافها. أما الأمريكية فهي إمبراطورية غير متجانسة، تُدار بشبكة مصالح معقدة، وتستمد قوتها من التكنولوجيا والعملة والتحالفات، لا من الجيوش وحدها. وهذا يجعل انهيارها — إن حدث — مختلفاً في شكله، وربما أبطأ في وتيرته.
والفرق بين أمريكا والاتحاد السوفيتي يظل جوهرياً: الاتحاد السوفيتي كان ديكتاتورية في انحدار، وأمريكا تبقى ديمقراطية بسوق حرة ومؤسسات وضوابط. لكن هذا لا يعني الحصانة. فالاتحاد السوفيتي لم يدخل حرباً فعلية قبل انهياره، بل فقد مبرر وجوده التاريخي وفقد ما يسميه ابن خلدون "العصبية" الداخلية التي تحافظ على تماسك الدولة، فذاب كما يذوب فص الملح.
والسؤال اليوم: هل تفقد أمريكا مبرر وجودها التاريخي في نظر شعوبها؟ هل تتحول مؤسساتها إلى مسرح للاستقطاب بدلاً من أن تكون ضامنة للاستقرار؟
رابعاً: الاستقطاب المتصاعد — حين يتحول النسيج إلى رماد
لا يمكن فهم النزيف الأمريكي دون تفكيك بنيته الاجتماعية. تشير الدراسات إلى أن الولايات المتحدة تعيش "أزمة ثقافية اجتماعية كبرى" تتداخل فيها تحولات البنية السكانية مع تصاعد حدة الصراعات العرقية والطبقية والأجيالية، مفرزة "انقسامات حادة" تعيد رسم الخريطة السياسية على أساس التجمعات العرقية والاقتصادية، وتعمّق "سياسة المواجهة".
وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن عدم المساواة في الدخل له تأثير مباشر وشبه عضوي على الاستقطاب السياسي، فكلما اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ضاق أفق التوافق وتراجع مجال الحلول الوسط. ويؤدي هذا التآكل المتبادل إلى استنزاف البعد النفسي للقوة الإمبراطورية: استنزاف الإرادة، والثقة، والمعنى — وهو البعد الثاني في نظرية "النزيف تحت الجلد".
بهذا المعنى، تتحول الإمبراطورية إلى جسد يستنزف دفاعاته الداخلية قبل أن تُختبر دفاعاته الخارجية. وتفتح هذه الحالة الباب أمام السؤال الأخطر: هل يمكن لإمبراطورية أن تظل مركزاً للعالم حين تكون منقسمة على نفسها إلى هذا الحد؟
خامساً: التحول نحو عالم متعدد الأقطاب — "كيف تكفّ عن أن تكون مركزاً؟"
ما يتوقّعه نموذج "نزيف تحت الجلد" ليس سقوطاً مدوياً، بل تراجعاً استراتيجياً، وتحولاً في موازين القوى، وانتقالاً تدريجياً إلى عالم متعدد الأقطاب. وهذا التراجع بدأ فعلاً: من أفغانستان إلى العراق، من حرب أوكرانيا إلى حرب إيران، ومن العجز عن حماية حلفائها إلى الانكشاف الداخلي.
المشهد العالمي يشهد تحولاً نحو تعددية الأقطاب تُفهم بوصفها أكثر من مجرد سقوط من النظام الأمريكي إلى الفوضى. وحين لا تستطيع قوة واحدة أن تزعم فرض قواعدها على الآخرين، يصبح النظام القائم على الضبط المتبادل أكثر استقراراً من هرمية لم تعد تُلزم أحداً. وتكشف حرب "الاختيار" على العراق وإيران والأزمات المتلاحقة عن أن "السلام الأمريكي" لم يكن أبداً "أفضل العوالم الممكنة" — لا للجنوب العالمي، ولا لمن راهن على قواعدها ثم اكتشف أنها قابلة للتدوير حسب المصلحة.
والدلالة الأشد إيلاماً: أن الإمبراطورية التي تُهزم على جبهات متعددة لا تُهزم في اللحظة التي تُطلق فيها آخر قذيفة، بل في اللحظة التي تتخلى فيها عن القدرة على إقناع العالم بأنها مركز النظام.
سادساً: الدرس الحقيقي — الأمم لا تُهزم من الخارج بل من الداخل
إن كان هناك درس يجب استخلاصه من تاريخ الإمبراطوريات، فهو أن الأمم لا تُهزم من الخارج، بل تُهزم من الداخل. وهنا يتحول "نزيف تحت الجلد" من كتاب عن الإمبراطورية الأمريكية إلى رسالة إلى العرب: كما تنزف أمريكا من الداخل، فإن الأمة العربية تنزف من الداخل أيضاً.
فبدلاً من انتظار سقوط الآخر، على العرب أن يعالجوا نزيفهم: التخلف، والتبعية، والفتنة، والاستبداد، والانقسام الذي تموله محميات خارجية، وتوظيف خطاب ديني لتخدير الوعي وتمرير التبعية. إن أخطر ما يواجه الأمم ليس الغزو الخارجي، بل هو التفكك الداخلي الذي يؤدي إلى الانهيار والتلاشي.
وقد حان الوقت لقراءة التاريخ بعين العالم لا بعين المنتظر. فمن ينتظر سقوط الآخر يظل سجين انتظاره، ومن يشتغل على نزيفه الداخلي يصنع شروط نهضته.
الأفول ليس سقوطاً… والنزيف ليس موتاً
لا شك أن الإمبراطورية الأمريكية في حالة أفول. لكن الأفول ليس سقوطاً، والنزيف ليس موتاً. المهم أن نقرأ المشهد بواقعية، لا بعين المنتظر المتعجل. ومن أراد أن يفهم لماذا لا تسقط أمريكا كما سقطت روما، فليقرأ «نزيف تحت الجلد: تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية»، ففيه محاولة لفهم كيف تُدار الإمبراطوريات، وكيف تنزف تحت الجلد قبل أن ينفجر الجرح، وكيف تُستبدل — إن شاء الله — بغيرها من الأمم التي أنهكتها السنن ولم تُدرك دروسها.
الكتاب متاح مجاناً على الإنترنت، ويمكن تحميله وقراءته، وليكن بداية حوار نكمل فيه ما بدأناه: في الكتاب تفصيلٌ لما اختُصر هنا، وأدلةٌ لما أُجمل، وتشريحٌ لما يحتاج إليه كل من يريد أن يفهم الإمبراطورية الأمريكية لا أن ينتظر سقوطها فقط.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟