جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 02:57
المحور:
الادب والفن
توقيعاتـ...كِ لعدنان الصائغ *
لمن كانت هذه التوقيعات؟
ان عنوان هذا الديوان يدعونا منذ البداية الى التوقف عنده , لأن الصائغ لم يسمه ( توقيعات ) , ولم يترك المخاطَب محايدا , بل وضع في نهايته كاف المخاطبة المؤنثة , وفصل بينها وبين الكلمة بنقاط ثلاث لتبدو هكذا ( توقيعاتـ...كِ )
وهنا يبدأ السؤال الذي رافقني خلال قراءة الديوان وهو لمن كانت هذه التوقيعات؟ هل كانت لـِ توقيعاتك أيتها المراة؟ أم ايتها القصيدة؟ ام ايتها اللغة؟ أم المدينة؟ ام بغداد؟ ام الغربة؟ أم الحياة والذاكرة؟ فالكاف محسومة نحويا , انها لمؤنث , ولكن المؤنث نفسه غير محسوم بهذه السهولة, وربما كان في هذه المسافة بين وضوح الكاف وغموض صاحبتها واحد من أجمل أبواب الدخول الى الديوان ,فالمخاطَبة تبدو امرأة في نص , وقصيدة في اخر , ولغة في ثالث , وحياة او مدينة أو ذاكرة في نصوص اخرى , حتى يصبح من الصعب رد هذه المؤنثات جميعا ًالى إمرأة واحدة , كما يصعب اخراج المرأة من مركزها الواضح في الكتاب.
ولعل النقاط الثلاث التي فصل بها الشاعر بين ( توقيعات ) و( كِ ) تساعد على إبقاء هذه المسافة مفتوحة ,ولا استطيع الجزم بأن الصائغ قصد منها هذا المعنى تحديدا ً,ولا اريد ان اكون للصائغ كما كان ابن جنّي للمتنبي يعرف شعره اكثر منه , لكن طريقة بناء الديوان تسمح بهذه القراءة حيث هناك مكان فارغ بين التوقيعات وصاحبتها , وكان لكل نص ان يملأ ذلك الفراغ بما يناسبه.
وتزدالمسألةُ طرافةً حين ننتبه الى ان الديوان نفسه لا يكتفي بعنوانه في هذه اللعبة , بل تظهر داخله عناوين مثل( غواياتـ...كِ ) و( مجازاتـ...كِ ) و( تناصاتـ...كِ ) , فتستمر الكاف المؤنثة في التنقل بين مستويات مختلفة من التجربة, وفي ( تناصاتـ...كِ ) مثلا تصل المرأة الى حد ان تصبح النساء الاخريات تناصا منها حيث يصفها:
( كل امراة
هي تناص
منكِ )
بينما تدخل اللغة والمجاز والكتابة في العناوين والنصوص المجاورة بصورة مباشرة, لذلك لا تبدو ( كِ ) مجرد ضمير ملحق بعنوان جميل , بل خيطاً يمتد في نسيج الديوان.
وهناك احتمال اخر لا يقل اثارة, وهو قد لا تكون التوقيعات كلها توقيعات الشاعر لها , بل قد تكون ايضا توقيعاتها هي عليه, فالمرأة تركت توقيعها فيه , والحرب تركت توقيعها , والمنفى والعمر والمدن والكتب والقصائد فعلت الشيء نفسه ,والشاعر نفسه يتحدث عن منطقة ملتبسة بين النص ( الذي يكتبني ) و( الذي اكتب ) , وعن ( تواطؤ اللغة ) , وكان الكاتب ليس دائما صاحب اليد الوحيدة التي توقع, من هنا يمكن النظر الى الديوان كله بوصفه توقيعات متبادلة ,فالشاعر يوقع في الحياة , والحياة توقع فيه.
هذه البداية لا تقدم جوابا نهائيا عن صاحبة الكاف , وربما كان من الافضل أن لا تقدمه , لان بقاء السؤال مفتوحا يجعلنا نقرأ الديوان بحثا عنها , ثم نكتشف بالتدريج انها قد تكون اكثر من واحدة.
ماذا اراد الصائغ من شكل ديوانه؟!
بعد العنوان ياتي الشكل ليضع القارئ امام مفأجاة اخرى, فبعض نصوص ( توقيعاتـ...كِ ) لا يريد الصائغ منا ان نقرأها بالطريقة المألوفة. هناك نصوص مقلوبة رأسا على عقب , واخرى محبوسة في مستطيل او موزعة في دائرة او قوس , وكلمات تهبط وتصعد وتتفرق في الصفحة, وفي احدى الصفحات تتلوى الكتابة وتتباعد بحيث يصبح على العين ان تبحث عن طريقها بين اجزاء النص, وفي صفحة اخرى تنقسم الكتابة بين جهتين وتتغير اوضاعها , فلا يعود السطر الافقي المستقيم هو الطريق الوحيد للقراءة. وللشاعر تجارب سابقة للقصيدة الاحدث في هذا المجال وان كانت باشكال وتنويعات مختلفة .
قد يكون من السهل تسمية ذلك ( شِعراً بصريا ً) والانتهاء من الامر , لكن التسمية وحدها لا تخبرنا بما يحدث للقارئ , فإن ما يحدث ببساطة اننا نضطر احيانا الى تحريك الكتاب يمينا او شمالا او نقلبه رأساً على عقب , واحينا اخرى ندير رؤوسنا كي نتمكن من القراءة , او البحث عن بداية الجملة ونهايتها , او تتبع الكلمة وهي تدور, وهكذا يدخل جسد القاريء نفسه - ولو بحركة صغيرة - في عملية القراءة, فنحن لا نتلقى القصيدة جاهزة , بل نساهم في الوصول اليها.
ويظهر هذا بوضوح في النص الذي ينشغل بالباب .. باب ينفتح , ومقبض يتحرك , وسؤال عمن سيدخل ومن سيخرج , بينما ينحني جزء من النص نفسه في الصفحة ويتخذ مسارا غير مستقيم.. هنا يصبح الشكل قريبا من الفكرة وهي ان الكلمات نفسها لا تعرف طريقا واحدا للدخول والخروج.
ولا اعتقد ان علينا ان نُعدَّ كل تجربة بصرية في الديوان ناجحة بالدرجة نفسها , ففي بعض الصفحات تبدو العلاقة بين حركة الكلمات والمعنى واضحة , وفي صفحات اخرى يمكن للقارئ ان يتساءل ان كان النص يحتاج فعلا الى كل هذا التغيير الطباعي, لكن هذا السؤال نفسه مشروع , بل ضروري في النقد, فالتجريب لا يكتسب قيمته لمجرد انه مختلف , وانما حين يمنح النص شيئا لم يكن سيحصل عليه لو بقي في أسطره المعتادة.
ومع ذلك يصعب تجاهل اصرار الصائغ على جعل كل صفحة من صفحات الديوان جزءا لا يتجزأ من القصيدة التي تولد فيها ,فالمستطيل والدائرة والقلب والفراغ والنقاط والبياض ليست دائما زينة طباعية, وفي نص يصل فيه الماء الى المكان ويسقط المجذاف ثم القلم , تتوقف القصيدة وتحيط بها امتدادات من النقاط , وكأن الكتابة نفسها عجزت عن مواصلة الرحلة, هنا يكون توقف النص جزءا من معناه.
وربما يفسر هذا ايضا اختيار كلمة ( توقيعات ). فالتوقيع ليس معنى فقط , بل شكل ايضا ,فنحن نعرف توقيع الانسان من هيئته كما نعرفه من اسمه , ولذلك يصبح من المعقول في ديوان يحمل هذا الاسم ان تكون هيئة القصيدة جزءا من هويتها.
القصيدة الصغيرة والسؤال الكبير:
يضم الديوان نصوصاً طويلةً نسبيا , لكنه يميل كثيرا الى التكثيف, فبعض التوقيعات لا يحتاج الى اكثر من جملة او جملتين, ومضة صغيرة تشتعل ثم تنطفئ , لكن اثرها قد يبقى اطول من حجمها.
عن التماثيل مثلا يختصر الشاعر الفكرة اختصارا شديدا فيقول :
( التماثيل
احجار
ازالوا
عنها
الصمت )
وفي توقيع عن المرآة يقلب وظيفتها المألوفة , فنحن لا ننظر لها لكي نرى أنفسنا وحدنا , وانما :
( ننظر
للمراةِ
لا لنرى
انفسنا
بل لنرى )
وفي حديث لي مع الشاعر قبل اتمام هذه المقالة قال لي : ( فهنا اقول نحن ننظر للمرآة , والجميع مرايا. كأن الشاعر يرى المرآة انساناً ,والمرايا بشرا يعبرون , ولم يقل ينظر في المرآة الحقيقية. بمعنى انك ترى نفسك في الشخص الذي امامك , مثلما ترى نفسك في المرآة ) .
المرآة واحدة من الصور التي تساعد على رؤية هذا القلق, فهي لا تعيد الى الانسان وجهه ببساطة.
وفي توقيع قريب منه يشك الشاعر في وحدة الذات نفسها , فثمة شخص اخر ( فيك ) يسمع ويحاور ويشتهي.
هذه الافكار صغيرة في حجمها , لكنها تمس سؤالا قديما: من هو ( انا ) الذي نظنه واضحا؟ هل هو الصورة التي نراها , ام الصورة التي يراها الاخرون , ام ذلك الشخص الخفي الذي يتحرك داخلنا؟
ويصبح السؤال اكثر ثقلا مع تقدم العمر , وهنا يمنحنا الديوان نفسه ما يكفي لربط الزمن بتعدد صور الذات, ففي نص يجلس الشاعر في شارع اكسفورد ويرى نفسه فجاة يسير بخطى بطيئة يسنده عكازان مرتعشان , فيتحسس ساقيه في الحاضر متسائلا عن هذين العكازين.
وفي نص اخر يقف امام ( مرآة حياتي ) فيرى :
( وجه
طفولتي منعكسا )
ثم تكبر الصورة , وتمر خلفها الحروب برمادها والمنافي , ويتغضن الغصن فيما تركض عقارب الساعة, وهكذا لا يعود الطفل والشاب والمنفي والرجل المتقدم في العمر افتراضات يضيفها القارئ من خارجه , بل صورا تتجاور داخل مرآة واحدة صنعها النص نفسه.
وربما لهذا تبدو الذاكرة في الديوان اكثر من مجرد استعادة للماضي, انها المكان الذي تتجاور فيه الازمنة, اذ يستطيع الشاعر ان يكون على ضفة التايمز وفي العراق في اللحظة نفسها , وان يجلس في مدينة بعيدة بينما تستدعي كلمة واحدة شارعا او صديقا او حربا مضت.
وفي توقيع قريب منه يصبح داخل الانسان موضعاً لوجود شخص اخر يسمع ويحاور ويشتهي, هذه نصوص صغيرة – نعم - , لكنها تفتح اسئلة اكبر من عدد حروفها وكلماتها.
وهنا تقترب بعض التوقيعات من الحكمة , لكنها لا تصبح حكمة تقليدية , لأن الشاعر لا يقدم دائما ًخلاصة مستقرة, وانما كثيرا ما ينتهي النص بسؤال او مفارقة او باب مفتوح, ويبدو السؤال عند الصائغ احيانا أهم من الجواب.
في احد النصوص يدخل السؤال الى قصة آدم وابليس فيقول :
ماذا لو لم يُعصَ الرب وسجد الجميع لآدم؟
وماذا كان سيحدث للحاجة الى الرسل والكتب؟
الشاعر لا يقدم جوابا عقائديا ولا يحاول بناء نظرية , بل يلتقط الفرضية ويتركها تعمل في ذهن القارئ, وفي مواضع اخرى تظهر اسئلة الوجود والعدم والطبع والتطبع والعقل والجدل.
لهذا لا اعتقد ان الديوان يقدم ( فلسفة ) بالمعنى الدقيق , لكنه يحمل قلقا فكريا وفلسفيا واضحا, فالصائغ لا يريد ان يكون فيلسوفا داخل القصيدة , ولا تبدو نصوصه دروسا في الفلسفة, انما هو شاعر يسأل.. يسال عن الباب والذات والمرأة والموت والحياة والحرية والوطن واللغة , ثم يسمح للسؤال ان يبقى احيانا من دون حل او جواب.
وهذا واحد من المواضع التي تنفع فيها بساطة اللغة, فالسؤال الكبير لا يأتي دائما في جملة كبيرة, وقد يكون باب أو امراة او تفاحة او كتاب ساقط من رفٍ كافيا ًلفتحه.
من ( تتلبك ) الى الفلسفة! :
لعل من اكثر ما يمنح لغة الديوان حياة قدرتها على الانتقال من الفصيح الى الشعبي-الفصيح , ومن الفلسفة الى الشارع , من غير شعور كبير بالحواجز, فالصائغ لا يتردد في الاستفادة من المفردة العراقية او المحكية حين يحتاجها السياق , ولا يبدو مهتما بتنظيف القصيدة من الكلمات التي تنتمي الى الحياة اليومية رغم انها عربية فصيحة كخربشات مثلا او شخبطاتك اوالمج اويكمز او يلخبط ,الخ.
ومن الكلمات اللافتة في هذا السياق ( تِتلبك ). ففي النص الذي يعثر فيه الشاعر على جملة مرمية على الرصيف ويأخذها الى البيت ويغسلها ويطعمها ويحادثها , تصل الجملة الى موضع لا تستطيع فيه الافصاح عن حكايتها , فيقول:
( وظلت
واجمة تتلبك )
وهنا لا تؤدي الكلمة وظيفة مُعجمية فحسب يمكن ان نستبدل بها كلمة مثل ( تضطرب ) او ( ترتبك ) فتكون اوضح في معناها , لكننا – الشاعر اذا فعل ذلك - نخسر شيئا من صوتها وبيئتها وطريقة تداولها, فالمفردة الشعبية- الفصحية لا تدخل النص وحدها , بل تدخل ومعها شيء من المكان الذي ولدت وعاشت فيه.
ويظهر هذا الميل في نصوص يستخدم فيها الشاعر افعالا متلاحقة من الحياة اليومية , بعضها عراقي واضح , فتبدو الجملة وكأننا نسمعها قبل ان نقرأها, وفي مواضع اخرى نراه ينتقل من الوجود والعدم وانكساغوراس الى طبقات البقلاوة البغدادية في السياق نفسه.
وهذا المزج مهم, فلو ظلت القصيدة في مستوى الأسماء الفلسفية والثقافية وحدها لاصبحت ثقيلة بسهولة, لكن البقلاوة والمقهى والكاس والمظلة والشارع والكلمة العراقية تعيدها الى الارض.
ولا يعني ذلك ان اللغة بسيطة دائما, فثمة غموض وتجريب وتركيب يحتاج الى اعادة قراءة , لكن الغموض لا يأتي في الغالب من رغبة في استعمال مفردات مُعجمية صعبة, انه يأتي من الفكرة او الصورة او الطريقة التي رتبت بها الكلمات.
امرأة , لكنها ليست وحدها :
ولا ادري لم لا تغار امرأة الصائغ من شريكاتها الكثر وهن المشاكسات المختلفات الجميلات ,وربما كُنَّ اجمل منها؟! لكن تبقى امرأة الصائغ اقرب المرشحات لصاحبة ( كِ ) فحضورها لا يمكن اختزاله في تاويل رمزي, وهناك امراة فعلية في كثير من النصوص, هناك شفاه وقبل وانتظار وجسد ولقاء وفراق ومطر ومظلة ومحطة قطار.
في واحد من النصوص ينتظر الشاعر عودتها , وحين تتأخر يُصبح المنتظرون اربعة وهم : قلبه ومظلته وقصيدته وهو.. فترتيب الاشياء هنا دال دلالة واضحة على ان القصيدة تنتظر المرأة مثلما ينتظرها الشاعر , بل ان ( انا ) الشاعر تأتي في النهاية , بعد القلب والمظلة والقصيدة.
وفي مجموعة اخرى من التوقيعات تصبح الشفتان اداة للقراءة والكتابة والفهم. يقول للمخاطَبة :
( بلُمَى شفتيكِ
اكتبي
ما
تودِّين قولَهُ
وأُصدِّقُكِ )
ثم يقول في توقيع اخر :
( اقرأْني
لتفهمَني
لكنْ
بشفتيكَ )
الجسد هنا لا يقف في مقابل اللغة , بل يتحول الى لغة اخرى.
ثم نصل الى عبارة تكاد تكشف مدى اتساع صورة المخاطبة :
( كل
امراة
هي تناص
منكِ)
لو قرأنا هذه العبارة وحدها لكان من السهل القول ان ( كِ ) في العنوان هي الحبيبة , وان النساء كلهن نسخ او اصداء لها, لكن بقية الديوان تمنعنا من الاطمئنان الى هذا الجواب وحد, فالقصيدة نفسها مؤنثة وحاضرة ككائن يتحرك.
في نص اخر يتحدث عن حياته التي خارج القصيدة وحياته التي داخلها , فيقول ان كل واحدة منهما تسأله عن الاخرى , ثم يجد نفسه بينهما مثل ساعي بريد يحمل الطرود ولا يستطيع فتحها, فالقصيدة هنا ليست وعاء لحياة الشاعر فحسب , بل حياة اخرى تقف بموازاة حياته.
واللغة مؤنثة ايضا , وهي من اكثر الموجودات حركة في الديوان.
وفي ( مجازاتـ...كِ ) يقول :
( يدخل
المجاز
بيني وبين
اللغة
فلا اصلكَ
ايها المعنى )
ثم يجد نفسه بين النص ( الذي يكتبني ) والنص ( الذي اكتب ) , وبين الشعر و( تواطؤ اللغة ). فاللغة ليست اداة طيعة في اليد دائما , بل طرف في اللعبة , تغوي الكاتب وتمنعه من الوصول بقدر ما تساعده عليه.
لهذا تبدو ( كِ ) مثل مركز تتجمع حوله مؤنثات الديوان. المرأة ليست ملغاة لصالح الرمز , والقصيدة ليست بديلا عنها. الاثنتان تستطيعان السكن في الكاف نفسها.
وربما كان الاجمل ألا نسال في النهاية عن أي واحدة منهن هي المقصودة؟ وانما لماذا يجب ان تكون واحدة فقط؟
ضرورة حضور المكان والزمان بين يدي الشاعر:
تكاد اسماء المدن في الديوان تصنع فهرسا موازيا للنصوص: بغداد , لندن , النجف , القاهرة , الكوفة , مالمو , ستوكهولم , مدن المغرب , كوبنهاغن , اسطنبول , كوسكو , بوغوتا وغيرها. وكثيرا ما يثبت الصائغ المكان والتاريخ في نهاية التوقيعة , فيصبح النص قريبا من بطاقة صغيرة يتركهافي مدينة ما.
والزمن حاضر حضور المكان في ( توقيعاتـ...كِ ) بطريقة هادئة ومستمرة, قد يظهر في تاريخ مكتوب أسفل النص , وقد يظهر في جسد الشاعر او ذاكرته أو علاقته بالكتب والاصدقاء والمدن.
وتساعد السيرة المثبتة في نهاية الكتاب على فهم جانب من هذا الانتشار المكاني والزماني , فبحسب تلك السيرة ولد الصائغ في الكوفة سنة 1955 , وغادر العراق سنة 1993 نتيجة المضايقات الفكرية والسياسية , ثم تنقل في بلدان عدة ولجا الى السويد سنة 1996 قبل ان يستقر في لندن منذ منتصف 2004.
لكن القصيدة تقول عن المنفى اكثر مما تقوله السيرة, ففي ( مجازاتـ...كِ ) يدخل المجاز بين الشاعر واللغة , ثم يجد نفسه بين وطن ومنفى , ويقيم في ( اللامكان ) هنا لم يعد الوطن عنوانا على الخريطة وحده , كما لم يعد المنفى مجرد بلد اجنبي , لكن الاثنين يدخلان اللغة.
وفي نص بصري اخر يكتب عن منفى لا ينسيك وطنا , وعن وطن لا يعول عليه , ثم يربط الوطن بالحرية والوعي في حركة متتابعة تتغير معها هيئة النص على الصفحة. الحرية والوطن والمنفى ليست كلمات منفصلة هنا , بل شروط بعضها لبعض.
وتظهر بغداد بصورة خاصة من خلال الذاكرة والشوارع والكتب والمقاهي , فيما يحمل الشاعر على ضفة التايمز اصواتا عراقية تصل الى دجلة. وفي نص يجتمع المتنبي والسياب والماغوط واليوت وسان جون بيرس والنفري , ثم يتحول نهر التايمز في الذاكرة الى جهة تقود نحو دجلة, فالجغرافيا الخارجية لم تستطع اذاً ان تلغي الجغرافيا الداخلية.
وهنا يمكن ان تكون المدينة واحدة من صاحبات ( كِ ) وليس بالضرورة ان تكون الكاف بغداد تحديدا , لكن المدن تركت توقيعاتها الواضحة في الكتاب , وبغداد بينها تحمل ثقلا لا تحمله محطة عابرة.
الحرب تُوقـّع هي الاخرى :
الحرب ليست بعيدة عن هذا الديوان , حتى حين لا تظهر في عنوان النص, انها واحدة من التجارب التي بقيت في اللغة والذاكرة , وفي بعض المواضع لا يكتفي الصائغ بذكر اثرها , بل يعيدها الى لحظة تاريخية محددة. ففي احد نصوصه يقول :
(العاصفةُ!
ارتدتْ جميعَ ثيابِنا
المبلَّلَةِ عام 1980,
التي تركتها أمهاتُنا على حبالِ غسيلِهنَّ,
حتَّى قبلَ أنْ
تجفَّ.. )
ثم تمضي العاصفة بالجميع بين الاكفان والأوسمة والسواتر والمنافي , قبل ان يبلغ النص موضعا اكثر قسوة حين يقول ان العاصفة ظلت تأخذ ( ثياب أولادنا , ثم احفادنا ). وهنا لا تعود عبارة انتقال آثار الحرب الى من جاء بعد جيلها الاول استنتاجا ًخارج النص , فالشاعر نفسه يجعل العاصفة تمتد من الآباء الى الاولاد والاحفاد.
وهذه واحدة من اقوى صور الحرب في الديوان , لانها لا تنتهي مع توقف القتال. من يسقط يسقط فيها , ومن ينج يواصل طريقه الى ( المنافي الباردة ) , لكن العاصفة لا تتوقف هناك ايضا, انها تستمر في الابناء والاحفاد وفي القصيدة نفسها.
وفي نصوص اخرى تصبح الحرب قريبة من الرقابة ومن مصير القصيدة والشاعر , حتى يبدو الشعر نفسه مُعرضا للاصابة. فالقصيدة يمكن ان تدخل الحرب مثل صاحبها , والرقيب يمكن ان يتدخل في جسد النص مثلما تتدخل السلطة في حياة الانسان.
وهذا يجعل فكرة ( التوقيع ) اكثر اتساعا, فثمة توقيعات نختارها , وثمة توقيعات تتركها الحياة فينا من دون اختيار, فالحرب من النوع الثاني. وكذلك المنفى والعمر والفقد.
ولا يخلو تناول العالم المعاصر من السخرية, حيث يظهر فوكوياما مثلا وسط عالم يتداعى , بما يجعل ( نهاية التاريخ ) تقف امام تاريخ لم يتوقف عن صنع الكوارث. ولا يدخل النص في مناقشة فكرية مطولة , بل يضع الفكرة امام المشهد ويترك المفارقة تعمل.
مكتبة لا تبقى على الرفوف :
يحضر الكتاب بقوة في الديوان , لكن الكتب لا تبقى اشياء صامتة, فالصائغ يحركها ويحادثها ويسافر معها , ويخرج شخصياتها من صفحاتها لتدخل قصيدته.
من اطرف الامثلة سقوط ( البيان والتبيين ) من رف المكتبة , ثم انفتاح الطريق الى ابن طفيل والسندباد ودانيال ديفو وحي بن يقظان وروبنسون كروزو , قبل ان يصل الحوار الى الوجود والعدم والجدل وانكساغوراس وطبقات البقلاوة البغدادية.
في هذا المشهد شيء مهم في طريقة الصائغ في التعامل مع الثقافة, فهو لا يضع الاسماء ليقول للقارئ انه قرأها , بل يدخلها في اللعبة, حيث ابن طفيل يستطيع ان يجلس الى جوار دانيال ديفو , والفلسفة تستطيع ان تجلس الى جوار البقلاوة.
وفي موضع اخر يجتمع المتنبي والسياب والماغوط واليوت وسان جون بيرس والنفري في ذاكرة واحدة. هؤلاء ليسوا مراجع نقدية للديوان , بل سكان في ذاكرة الشاعر.
وهنا يظهر التناص بطريقتين. هناك تناص ثقافي واضح مع الكتب والشعراء والشخصيات , وهناك تناص اكثر حميمية مع الحياة نفسها, ولعل قوله ان كل امراة تناص من المخاطبة يلخص قدرته على نقل مصطلح نقدي من قاعة الدرس الى علاقة حب.
السخرية تمنع الحكمة من الشيخوخة :
مع كثرة الموت والمنفى والحرب والاسئلة الوجودية كان يمكن للديوان ان يصبح شديد العبوس , لكنه لا يفعل ,فهناك سخرية ولعب وخفة تظهر في اماكن غير متوقعة.
قد يعثر الشاعر على ( جملة ) مرمية على الرصيف , فياخذها الى البيت ويغسلها ويطعمها ويجلس معها ويتحدث اليها عن حياته ورحلاتها والمدن والمعاجم والتناصات , ثم تظل واجمة ( تتلبك ) وترفض ان تفصح عن حكايتها كاملة, الفكرة هنا طريفة , لكنها ليست خالية من الجدية, فالكاتب يعرف فعلا هذا الشعور عن جملة تأتيه ولا يعرف من اين جاءت , ثم يقضي وقتا طويلا محاولا معرفة ما تريد قوله.
وفي نصوص اخرى تظهر اللعبة في الجمع بين ما لا نتوقع اجتماعه , وفي تحويل المجرد الى شيء محسوس فالمعنى واللغة والقصيدة والمجاز والافكار تتحول الى كائنات تتحرك وتتعثر وتغوي وتتحدث.
هذه الروح مهمة جدا للديوان , لانها تمنعه من التحول الى مجموعة حِكم فلسفية. الصائغ قد يقترب من الحكمة , لكنه كثيرا ما يفسد وقارها بابتسامة صغيرة في الوقت المناسب.
حين تكون الملاحظة النقدية جزءا من المحبة :
لا ينبغي لمقالة تحاول الاقتراب من الديوان ان تمدحه في كل صفحة ,فبعض ما يميزه يمكن ان يكون ايضا موضع اختلاف.
التجريب البصري مثلا شديد الحضور , وهو ينجح اكثر حين تكون هيئة النص ضرورية للمعنى. اما حين يصعب العثور على صلة واضحة بين الشكل والفكرة , فقد يشعر القارئ ان اللعبة الطباعية تقدمت على القصيدة. وهذا لا يبطل التجربة , لكنه يضعها امام السؤال الذي ينبغي ان يوضع امام كل تجريب: ماذا اضاف الشكل؟
وكذلك النصوص القصيرة جدا. بعضها يترك اثرا قويا لان الشاعر توقف في اللحظة المناسبة , وبعضها يقترب كثيرا من الخاطرة او المفارقة الذكية حتى يصبح الحد الفاصل بين الشعر والحكمة رقيقا, وهذا جزء طبيعي من المغامرة التي اختارها الديوان , ومن الطبيعي ان تتفاوت هذه التوقيعات في مقدار ما تتركه من اثر , فلا تحافظ جميعها على الدرجة نفسها من القوة.
كما ان كثرة الاسماء والبلدان والاشارات الثقافية قد تجعل بعض الصفحات اكثر قربا من قارئ واسع الاطلاع ,من قارئ يريد الدخول الى النص بلا معرفة مسبقة, لكن الصائغ يعالج هذا الثقل في كثير من الاحيان بالسخرية واليومي والمفردة البسيطة.
واللافت ان الديوان نفسه لا يدعي الكمال, فهناك شيء من اللعب والتجريب والمجازفة في بنيته , وهذه صفات تجعل تفاوت النصوص امرا مفهوما, فالتجربة التي لا تخاطر قد تكون اكثر انتظاما , لكنها غالبا اقل اثارة.
لمن كانت التوقيعات ؟ :
بعد هذه الرحلة يمكن العودة الى السؤال الاول: من هي ( كِ )؟
المرأة هي الجواب الاقرب, الشفتان والقبلة والجسد والانتظار والغياب والحب تجعلها في قلب المخاطبة , بل ان النساء الاخريات يصبحن ( تناصا ) منها, لكن القصيدة واللغة تزاحمانها على الكاف. فالقصيدة حياة اخرى يسافر الشاعر بينها وبين حياته , واللغة تدخل بينه وبين المعنى , والنص يكتبه مثلما يكتبه.
ثم تاتي المدينة وبغداد والغربة والذاكرة والحياة , وكل واحدة منها تركت توقيعها في الكتاب.
لهذا ربما لا يكون البحث عن اسم واحد لصاحبة الكاف هو الطريق الافضل. الصائغ حدد جنسها وترك هويتها تتسع. انها معلومة في النحو , ومفتوحة في الشعر.
وقد يكون الوجه الاخر للعنوان اكثر وجعا: ليست هذه فقط توقيعات الشاعر على الاشياء التي عاشها , بل توقيعات الاشياء عليه. الحرب والمنفى والعمر والمدن والكتب والنساء والاصدقاء والغيابات وقعت عليه , ثم جاءت القصيدة لتجمع بعض هذه الاثار.
وهكذا يبقى بين ( توقيعات ) و( كِ ) ذلك الفراغ الصغير الذي صنعته النقاط الثلاث , وتتسع داخله اكثر من صاحبة واكثر من حياة, كأن صاحبة الكاف لم تقل اسمها بع, او لعلها قالت اسماء كثيرة , ونحن الذين ما زلنا نبحث عن اسم واحد لها.
جاسم محمد علي المعموري
18-9-2026
*المصدر
عدنان الصائغ , توقيعاتـ...كِ , الطبعة الاولى , لندن للطباعة والنشر London -print-ing and Publishing Ltd وغولدن بوك للنشر Golden Book Publishers FZE , المملكة المتحدة , 2026 , ISBN: 978-1-835341-91-9.
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟