أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جاسم المعموري - عامر (( النووي )) صفحات من مذكراتي















المزيد.....

عامر (( النووي )) صفحات من مذكراتي


جاسم المعموري

الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 09:53
المحور: سيرة ذاتية
    


في تلك اللحظة التي استُبعد فيها عامر من قائمة المتفوقين المبتعثين الى الولايات المتحدة في سنة 1987كان وكأن العالم كله قد تواطأ ضده لنزع كرامته الإنسانية. انها صخرة الطائفية المقيتة التي كان لا يملك أمامها إلا ان يركع ويتقبل الواقع الظالم, واقع لم يكن له فيه يد ولا إرادة.. حكومة صدام الطائفية كانت قد قررت أن تفصل بين البشر وفقاً لمذهبهم وعرقهم, وكانت تلك القائمة التي تضم 14 طالباً من الأوائل في العلوم الذرية تشمل الجميع إلا أولئك الذين لا يتفقون مع توجهات النظام, فلقد كانوا كلهم من الطائفة السنية إلا عامر كان يحمل معه نورا يخيف الظالمين.. عامر كان سجيناً للعبة سياسية لم يكن هو طرفاً فيها, فلقد اتهم اثنين من اولاد عمه بانتمائهم لحزب محظور وهو حزب الدعوة , وقد تم اعدامهما شنقا في سنة 1985وقد تشرفتُ بزيارة قبريهما بصحبة عامر بعد دعوتي له لزيارتي الى النجف الاشرف ..
كان يسكن في منطقة الحرية الثانية - حسب ذاكرتي – لكن الاجهزة القمعية الظالمة كانت لا تتركه في مكان ثابت للسكن , فتأمره مع اسرته بالانتقال الى مكان اخر , ثم تأتي مرة اخرى لتفعل الشيء نفسه , كانت المضايقات لا تنتهي عند حد , وكانت معناة الأسرة - كلها - شديدة الى درجة كانوا يتمنون الموت ..
لم يكن عامر وحده من عانى من مرارة تلك الطائفية, بل كان مجرد حلقة صغيرة في سلسلة طويلة من الضحايا الذين كانوا يُضحون بكل شيء ليُثبتوا أنهم أبرياء من هذه اللعبة القذرة, التي كان يديرها نظام لا يُبالي بجوهر الانسان ولا يحترم عقله ولا فكره.. كان ابن عمي ضابطا كبيرا في الجيش قبل من ايام الملكية , وبعد وصول تتار البعث الى السلطة احالوه على التقاعد, وعندما سأل عن السبب, قيل له " يكفي انك من النجف " في ذلك الوقت لم يكن يُهمهم أن يكون العلم أداة من أدوات بناء المستقبل, بل كانت السياسة تُستخدم كسيفٍ لتقطيع كل يد تمتد نحو أفق المعرفة.. وبالطبع لم يكن لأولئك الذين اختاروا الطائفية كقيمة ثابتة في حياتهم أيديولوجيا فهم معنى العلم وحقيقته, بل كانوا يعتبرونه مجرد أداة لتقوية سلطتهم وبسط نفوذهم على الجهلاء, الذين كانوا يخدمونهم كالأدوات البسيطة في يد الحاكم.
ثم كانت مسألة الفضلات النووية التي هي اختصاص عامر والتي عرضها أمامي بعينين مليئتين بالحزن, وسرد لي قصة ذلك العلم الذي يتكلم عنه بكل حُب وبكل شغف, تلك الفضلات التي لا يمكن التخلص منها إلا بتواريها في الأرض او تحت الماء, حيث تظل مشعة لآلاف السنين, وهي تمثل نذير شؤمٍ لكل كائن حي على وجه الارض.. كيف يمكن ان تتعامل الإنسانية مع هذا التلوث, وكيف يمكن ان يتغافل العلم الذي اكتُشف لكي يرفع مستوى الانسان عن تلك التهديدات التي تلتهمه من بعيد؟ إنه تساؤل كبير.. أليست الفضلات النووية في بعض معانيها, كما يسميها البعض, تمثل ذلك الإرث المُر الذي يتركه الجهل والأنانية في العالم؟ تلك الفكرة التي ترى أن الحياة يمكن ان تتحمل التلوث والتدمير كأنما هي لحظة عابرة في دورة الزمان, متجاهلة حقائق الوجود والاجيال القادمة التي سوف تدفع ثمن هذا التلوث.
الفضلات النووية هي مثالٌ حي على ان الانسان قد يعتقد أنه قادر على التلاعب بالعالم الطبيعي, لكن في الحقيقة هو لا يدرك العواقب التي يتركها وراءه, إن تكريس عملية التخلص من الفضلات النووية, إما بدفنها في البحر أو في البر, يشبه إلى حد كبير الطريقة التي تُمتهن بها كرامة الانسان في مجتمعات تقوم على الطائفية والتمييز. يُقدّر الانسان نفسه على أنه صاحب القرار في حياة الآخر, ولكنه يتجاهل عواقب هذا القرار على المدى البعيد.. كيف يمكن ان نتوقع من عالم ملوث بالأحقاد ان ينجو من سموم قراراته؟ وكيف نُعلي من شأن علم يكتشف طرقاً لخلق الدمار دون ان يحسب حساب المدى الطويل لتأثيراته؟ ان هذا التوجه العشوائي نحو التخلص من الفضلات النووية يمثل تماماً التوجه العقلي للنظام الطائفي الذي يتجاهل قيم الحق والمساواة ويعتبر البشر مجرد أدوات يمكن التخلص منها متى شاء.
إن المعاناة التي عاشها عامر تمثل تزاوجاً بين معاناة الانسان في ظل الطائفية, وبين معاناته في التعامل مع العلوم الطبيعية التي - على الرغم من أنها قد تقدم حلولا للعديد من مشاكل البشرية, إلا انها قد تفتح ابواباً للدمار في غياب الوعي العميق حول كيفية استخدام تلك العلوم.. كانت الطائفية في النظام الصدامي تتعامل مع البشر على أنهم مجرد أدوات لتحقيق السلطة, كما ان العالم الذي يستهلك الانسان في البحث عن حلول علمية بلا وعي قد ينتهي به الى إنتاج نتائج مدمرة. الإنسان لا يعيش بمعزل عن غيره في هذا الكون, كما ان الطبيعة لا تظل ثابتة, فالتوازن البيئي الذي أتاح للإنسان ان يعيش في هذا العالم قد ينهار في أي لحظة تحت وطأة تصرفاته الخاطئة.
الفضلات النووية ليست مجرد بقايا من عمليات تكنولوجية معقدة, إنها تمثل خطيئة ارتكبتها البشرية في حق الكون.. هي لا تفني نفسها فقط, وانما تضر بمن حولها في دورة لا متناهية من التلوث والدمار.. كيف نعتقد ان العالم يمكن أن يبقى في حالته الطبيعية عندما نعبث بموازين القوى فيه, سواء كانت هذه القوى تتعلق بالمجتمعات او بالمكونات الطبيعية؟ كما ان الانسانية تتعرض للتسمم من الداخل بسبب الطائفية والعنصرية, فإن الارض تتعرض للتسمم نتيجة الفضلات النووية.
نعود إلى عامر, ذلك الشاب الذي كان يحمل في قلبه وأحلامه شيئاً من الطموح النقي, والذي عُذب بسبب طائفته وعُزل عن حلمه بسبب مذهبه فلقد كان شيعيا او كما يوصف رافضيا.. كان علمه ينير له الطريق, لكن تلك الظلال التي ألقت بها الطائفية على طريقه كانت اكثر سوادا من اي ظلمة طبيعية.. كان حلمه ان يُساهم في تقدم البشرية, ولكنه كان يُكافأ بالاستبعاد والنبذ. وهذا ما تفعله الطائفية بالإنسان, فهي تجعل منك جزءاً من لعبة شطرنج لا علاقة لك بقواعدها ولا بأهدافها.. في تلك اللحظة, كان عامر يشعر بأن الحياة قد انتهت, أو ربما كانت مجرد حلم مكسور لا يمكنه العودة اليه, لكنني كنت دائما بجانبه اشد من عزمه ,وأُهون عليه مصيبته ,وأُذكره بالاخرين الأسوء حظا منه ,حين انتهت حياتهم في احواض ( النتريك ) او مايسمى ( التيزاب) او (ماء النار), وغيرها من صور الرعب التي كان يمارسها النظام الصدامي المجرم.
إن الطائفية مثل الفضلات النووية, تبقى آثارها في الذاكرة وفي التاريخ, وتظل تنبعث منها إشعاعات تلوث كل شيء حولها. تصبح السموم جزءاً من بنية المجتمع, وتؤثر على الاجيال القادمة.. هذه الطائفية التي تضع الانسان في مكان لا حسب قيمته ولا حسب عمله, بل حسب انتمائه المذهبي, كما ان الفضلات النووية هي تذكير بأن العلم دون حكمة قد يؤدي الى تدمير العالم الذي نعيش فيه.
ليس هناك شيء أشد ظلاماً من تلك الأنظمة التي ترى في الانسان أداة, سواء كان عسكرياً في حرب او طالبا علمياً في مختبر. إنهم لا يتوقفون ليفكروا – ولو للحظة - في العواقب, مثلما أن الفضلات النووية تتسرب تدريجياً في قلب الارض والبحر, فإن الطائفية تتسرب في القلب الاجتماعي للأمم, وكما لا يوجد مكمنٌ آمن لهذه الفضلات الخطيرة يحبسها عن التسرب, فإننا لا نجد ملاذاً آمناً للطائفية يمنعها من الانتشار.
جاسم محمد علي المعموري



#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لقطاتٌ حيةٌ لإحتضارِ وطن *
- من خفايا السياسة في العراق (وما خفي اعظم)!
- اهِ لو كنت صاروخا باليستيا .. الأسفار الأخيرة
- ((شيطنة)) ايران انحطاط اخلاقي وخلط للاوراق
- الواقع وقدرة رئيس الوزراء العراقي
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا ..12
- اهِ لو كنت صاروحا باليستيا ..11
- هل أسدل مسرح الاغتيالات ستارته؟!
- لبنان : إما مقاومة رادعة او دولة مقتدرة
- فقدنا البوصلة فصنع الغرب لنا ((اسرائيل))
- اهٍ لوكنت صاروخا باليستيا ..10
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا .. 9
- من يثق بترامب كمن يثق بالسراب
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا ..8
- وهكذا حققت المؤامرة اهدافها
- بغداد روحي واغنيتي*
- اهِ لو كنت صاروخا باليستياً .. 7
- اهِ لو كنت صاروخا باليستياً .. 6
- رسالة عاجلة الى امريكا وايران والصين واوربا والخليج
- اهِ لو كنت صاروخا باليستيا ..5


المزيد.....




- تحطم طائرتين مقاتلتين في عرض جوي بأمريكا.. وفيديو يوثق لحظة ...
- إيران.. استعراض البنادق في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون ضد ت ...
- تصعيد في الخطاب الأمريكي وتحركات عسكرية خلف الكواليس.. ماذا ...
- أزمة هرمز.. خسائر بمليارات للشركات العالمية جراء حرب إيران
- هل يعول نتنياهو على حرب جديدة مع إيران لتغيير الخريطة السياس ...
- تصعيد متبادل.. 12 مصابا بقصف لأوكرانيا وروسيا تسقط آلاف المس ...
- مولدوفا تندد بعرض روسي لمنح الجنسية لسكان إقليم انفصالي
- -نقل المعركة لتراب المعتدي-.. إلى أين يتجه التصعيد الروسي ال ...
- عاجل | المتحدث باسم الحكومة الإيرانية: نعمل على آليات جديدة ...
- ترمب واعظا في -صلاة- البيت الأبيض لاستعادة -مسيحية أمريكا-


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جاسم المعموري - عامر (( النووي )) صفحات من مذكراتي