أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - جاسم المعموري - مصرف الرافدين بؤرة للفساد الخفي في العراق















المزيد.....

مصرف الرافدين بؤرة للفساد الخفي في العراق


جاسم المعموري

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 04:50
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


كتبت قبل مدة عن تجربتي مع مصرف الرافدين في الكوفة , حين دخلته من اجل شراء صك بمبلغ 25الف دينار ادفعه الى مديرية الجوازات , فخرجت منه وقد دفعت 37الفا , 25الفا قيمة الصك , و 12 الف دينار اخذها المصرف عمولة على هذه العملية العظيمة التي ربما احتاجت الى علماء الاقتصاد في العالم كي يفهموا كيف يكلف استبدال صك بنقد ما يقارب نصف قيمة الصك نفسه , لكنني يومها لم اكن اكترث لذلك كثيرا , كنت اظن ان الامر لا يتعدى مصرفا حكوميا متخلفا , بناية مزدحمة , شبابيك زجاجية , معاملات ورقية , وموظفاً يطلب منك ان تخرج من المصرف لتستنسخ اوراقا يحتاجها المصرف , ولم اكن اعرف انني امام نموذج مصغر لمشكلة اكبر بكثير , اسمها مصرف الرافدين والفساد الخفي الذي يدور في اروقته.
وعرفت ذلك حين حملت بطاقة هذا المصرف وسافرت بها الى الخارج , فهناك تكتشف قيمة المصرف الذي وضعت فيه مالك , وتكتشف ايضا ان المال الذي تظن انه مالك قد لا يكون تحت تصرفك حين تحتاج اليه , فقد يكون لديك مليون دينار او خمسة ملايين او اكثر او اقل , ولكن حاول ان تحصل على مالك من ماكنة صرف في اوربا او امريكا مثلا , عندها قد تكتشف انك لا تستطيع سحب اكثر من عشرين الى مئة دولار في اليوم , وهذا يعني انك تحتاج عشرة ايام اذا كان عندك ما يعادل الف دولار , وفي كل مرة هناك عمولات ورسوم , وكأنك تأخذه قطرة قطرة مثل ( ناقوط الحِب).
والمسالة هنا ليست انك ذاهب الى سفرة سياحية , تخيل انك في بلد غريب , واحتجت الى مبلغ كبير بصورة عاجلة لعلاج او حادث أو ظرف قاهر , ومالك موجود في حسابك , والبطاقة في يدك , وماكنة الصرف امامك , ولكنك عاجز عن الوصول الى مالك , فماذا تفعل ؟ تتصل بالمصرف ؟ ههههه هل انت مجنون ؟! اتصل برئيس كوريا الشمالية وسيجيبك ولا تتصل بهؤلاء وغيرهم .. تراسل بريده الالكتروني ؟ راسله وانتظر الجواب يوم القيامة , تبحث عن وسيلة اتصال حديثة تليق بمصرف يتعامل مع ملايين العراقيين ؟ ابحث كما تشاء , ثم اسأل نفسك سؤالا بسيطا جدا , كيف يمكن لمصرف يحمل الناس بطاقاته الى مختلف دول العالم ألا تكون لديه خدمة طوارئ حقيقية يستطيع صاحب البطاقة الوصول اليها حين يصبح بعيدا الاف الكيلومترات عن العراق ؟
ثم تاتي المهزلة التي يسمونها الخدمات الالكترونية , وهي تطبيق (سوبر كي ) الذي يفترض ان يكون نافذتك الى حسابك , فتفتحه لكي تعرف مالك ورصيدك وحركات حسابك , ستجد معلومات قبل ثلاثة اشهر لا تعكس حقيقة حسابك في الوقت الذي تحتاجها فيه , وقد يكون في حسابك مليون دينار مثلا , ثم تحاول ان ترسل مبلغ من بطاقتك الى بطاقت قريبك في العراق مثلا فتقول لك البطاقة ( رصيدك صفر) مع انك تعلم ان عندك مليون دينار , وتحاول ان تأخذ صورة لشاشة الهاتف كي توثق ما تراه فلا يسمح لك بذلك, وهنا لا تعود المشكلة مشكلة تطبيق سيئ فقط , بل تصبح مشكلة ثقة , لان المصرف في القرن الحادي والعشرين ليس بناية وشباكا وموظفا وخزنة حديدية , المصرف هو ان تعرف في هذه اللحظة كم تملك , وان تستطيع الوصول الى مالك , وان تجد انسانا يجيبك عندما تقع المشكلة .
وهنا نصل الى الفساد الذي اتحدث عنه , وهو في رأيي أخطر انواع الفساد في العراق , الفساد الخفي , فنحن تعودنا ان نتصور الفساد رجلا يسرق مليون دولار , او موظفا ياخذ رشوة , او مسؤولا يستولي على المال العام , وهذا فساد واضح تستطيع ان تشير اليه باصبعك , لكن ماذا نسمي مؤسسة تاخذ العمولات , ثم تقدم للمواطن خدمة لا تتناسب مع ما تاخذه منه , ماذا نسمي نظاما يجعل الانسان عاجزا عن الوصول الطبيعي الى ماله , ماذا نسمي مصرفا حكوميا كبيرا يستطيع ان ياخذ منك ماله فور اجراء المعاملة , بينما قد تعجز انت عن الوصول اليه عندما تحتاج الى حل مشكلة طارئة ؟ اذا لم يكن هذا وجها من وجوه الفساد المؤسسي الخفي , فما الاسم المناسب له ؟
المشكلة ان هذا النوع من الفساد لا يثير ضجيجا , فلا يوجد فلم فيديو تنشره مديرية النزاهة عك كيفية سرقة واخفاء المال العام , ولا مسؤول تم القاء القبض عليه في المطار , ولا ملايين وجدت تحت فراش احد , انه فساد هادئ .. مهذب .. يجلس خلف الشباك , ويختبئ داخل التعليمات والانظمة والتطبيقات والعمولات , وياخذ من وقتك ومالك وكرامتك قليلا قليلا , حتى تعتاد عليه , ثم يصبح التخلف نفسه نظاما , ويصبح عجز المواطن عن الوصول الى ماله امرا عاديا , ويصبح عدم الرد على شكواه امرا عاديا , وتصبح العمولة امرا عاديا , ويصبح كل شيء عاديا , لقد وصلت الامور في العراق انك تشكو لصديقك او جارك او اخيك فلا يبالي , لقد اصبحنا كالجُدر الصامتة الميتة .
مصرف الرافدين واحد من اكبر المصارف الحكومية في العراق واقدمها , ويحمل اسما يعود الى حضارة علمت البشرية الكتابة والحساب , لكن الاسم وحده لا يعني ان خدمات المصرف تعطيه حقه , ولا تاريخ المصرف يصنع نظاما مصرفيا حديثا , ولا الشعارات تصنع ثقة , المصرف الحديث يعرف ان مال الزبون ليس منة يمن بها عليه , وان البطاقة المصرفية ليست قطعة بلاستيك للزينة , وان التطبيق ليس ايقونة ملونة على شاشة الهاتف , وان خدمة العملاء ليست رقم هاتف يوجد في الموقع الالكتروني للمصرف لكي يقال ان لدينا رقم هاتف .
ولذلك فان اصلاح مصرف الرافدين لا يحتاج الى اعادة طلاء جدرانه وتغيير شعاره واطلاق اسم جديد على تطبيق جديد , بل يحتاج قبل كل شيء الى الاعتراف بان ما يتعرض له المواطن ليس طبيعيا , وان من حق حامل البطاقة ان يعرف رصيده الحقيقي في اللحظة نفسها , وان يصل الى ماله حيثما كان ضمن ضوابط واضحة ومعقولة , وان يعرف قبل كل عملية مقدار العمولة التي ستؤخذ منه ولماذا , وان يجد خدمة طوارئ حقيقية تعمل عندما يحتاج اليها , وان يستطيع تقديم شكوى والحصول على جواب , لا ان يرسل رسالته الى بريد الكتروني ثم ينتظر المجهول .
المشكلة ان المواطن العراقي مازال يدفع ثمن التخلف مرتين , مرة من ماله , ومرة من عمره وكرامته , ثم يطلب منه ان يسمي ذلك خدمة مصرفية . وهذا هو الفساد الخفي الذي اخشاه اكثر من الفساد الظاهر , لان اللص الذي يمد يده الى جيبك تعرف انه لص , اما حين يصبح الخلل جزءا من النظام , وتصبح المعاناة امرا عاديا , والتخلف شيئا ثابتا , والعمولة امرا واقعا , والصمت جوابا , حينها لا يكون هذا الامر امرا عابرا او بسيطا, بل امام بيئة تنتج الفساد وتحميه بالتعود عليه , وهذا بالضبط ما يجب ان يتغير في مصرف الرافدين , لا غدا , ولا بعد تشكيل لجنة ودراسة الموضوع , بل اليوم , لان اموال الناس ليست حقلا لتجربة الفشل , وكرامتهم ليست عمولة اخرى يحق للمصرف ان يقتطعها .
جاسم محمد علي المعموري



#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مبادرة لوقف الحرب بين الولايات المتحدة وايران ومنع انزلاق ال ...
- أمية النبي محمد (ص) أمية هوية وليست أمية تعليمية!*
- لم يكن دارون ملحدا ولا شأن لنظريات التطور بالإلحاد
- اهمية دراسة التاريخ والاطلاع على أسراره
- الرد على (يوسف يوسف) واضطرابه بين المحكم والمتشابه والحروف ا ...
- وضعت الحرب اوزارها أو كادت وجاء وقت الحساب
- الشيوعيون الجدد جهل وتعصب ضد الدين والثقافة والتراث!
- أبي يتظاهر في شارع الرشيد!
- زَنبورُ المحلة !
- اذا عثرَ الشيوعي العراقي ينادي ( ياعلي) *
- هيا لنحرق العِربيد !
- حين يتحول الحب الى جرح فلسفي قراءة في (طريق جانبي الى حارة س ...
- مقال ل ( نيويورك تايمز) اراد الإيقاع بأحمدي نجاد وارباك الوض ...
- اسقاط النظام في ايران خطر شديد على الامن والسلم في العالم اج ...
- عامر (( النووي )) صفحات من مذكراتي
- لقطاتٌ حيةٌ لإحتضارِ وطن *
- من خفايا السياسة في العراق (وما خفي اعظم)!
- اهِ لو كنت صاروخا باليستيا .. الأسفار الأخيرة
- ((شيطنة)) ايران انحطاط اخلاقي وخلط للاوراق
- الواقع وقدرة رئيس الوزراء العراقي


المزيد.....




- شاهد كيف قصفت روسيا العاصمة الأوكرانية كييف بعد يوم من زيارة ...
- إطلالة غير متوقعة للأميرة ليونور في أول يوم جامعي لها.. ماذا ...
- فيديو مزعوم لـ-ضربات صاروخية حوثية على السعودية-.. ما حقيقته ...
- أغلى دول العالم بأسعار البنزين.. وماذا عن البلدان العربية؟
- كندا تُفعّل رسوماً انتقامية على المنتجات الأمريكية.. وترامب ...
- إيران تلوّح بـ-جحيم- جديد وترامب أمام اختبار الانتخابات.. هل ...
- روسيا وكوريا الشمالية تفتتحان أول جسر بري على الحدود المشترك ...
- كارثة على طريق في الجزائر.. شاحنة تصطدم بعدد من السيارات وتخ ...
- تحت ظلال معرض الطيران.. العلمين تجمع قادة مصر وقبرص واليونان ...
- هنغاريا تعلن طرد 10 دبلوماسيين روس


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - جاسم المعموري - مصرف الرافدين بؤرة للفساد الخفي في العراق