جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 02:48
المحور:
قضايا ثقافية
(فاعلم انك انما تخبط العشواء وتتورط الظلماء ,وليس طالب الدين من خبط او خلط والامساك عن ذلك امثل .. علي بن ابي طالب – نهج البلاغة )
ردا على (دراسة) يدعيها يوسف يوسف بعنوان: ( إضاءة .. بين الآيات المحكمات والآيات المتشابهات)
المنشورة في الحوار المتمدن -العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 20:16
وهذا رابطها الالكتروني : يوسف يوسف - إضاءة .. بين الآيات المحكمات والآيات المتشابهات
كثيرة هي الشبهات التي تثار حول القران الكريم ,وتنعدم تلك الشبهات التي تصمد امام البحث العلمي الرصين, ولطالما قمنا بدراسة تلك الشبهات والردود العلمية الرصينة عليها اثناء دراستنا لعلوم القران والحديث ,ومن تلك الشبهات ما يثار حول وجود الايات المحكمات والمتشابهات والحروف المقطعة.
يبدأ يوسف يوسف عنوان ( دراسته ) بكلمة ( اضاءة ) ولا ادري ماذا يقصد بها ونحن نعاني حرارة الصيف في ظل انقطاع التيار الكربائي ! ربما اراد ان يزيد ظلام الناس ظلاما, وجهلهم جهلا , ثم يقول في بدايتها - وهي المفتقرة الى العقل - (من ثم سأسرد قراءتي العقلانية للمقال ) !
هو باختصار حاول ان يذهب الى القول ان وجود هذه الظواهر دليل على اضطراب النص ,او تعدد مصادره ,أو تدخل أيدٍ بشرية في صياغته عبر الزمن, غير ان هذا الاستنتاج ليس نتيجة لازمِة للمقدمات ,وانما هو قفزة من الظن الى اليقين, ومن الاحتمال الى الادعاء,
ان اول ما يلفت النظر في هذا الطرح , هو الخلط بين صعوبة بعض المعاني ,وبين غموض الرسالة كلها, فالقران لم يقدم نفسه على انه معجم لغوي ,ولا كتاب في الفلسفة المجردة ,وانما قدم نفسه كتاب هداية للناس, والهداية لا تعني ان يكون كل لفظ في الكتاب مفهوما بنفس الدرجة عند جميع الناس ,وفي جميع العصور ,وانما تعني ان تكون اصول العقيدة والاخلاق والشريعة واضحة لمن اراد الحق وسعى اليه.
ولهذا قال تعالى ان منه ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات. ولم يقل ان الكتاب كله متشابه ,او ان الكتاب كله مغلق على العقول, بل جعل المحكم هو الاصل والمرجع والميزان, ومن هنا جاءت تسمية أُم الكتاب, فالأم هي التي يرجع اليها الفرع ,وهي التي ترد اليها الجزئيات ,وهي التي تحسم موارد الاختلاف. وقد بين العلامة محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان, ان المحكمات هي القضايا الواضحة التي لا تقبل التشكيك ,ولا تتزاحم مع غيرها من الايات ,بينما تُرد المتشابهات اليها لفهم مراد الله منها, وهذه قاعدة عقلية قبل ان تكون قاعدة تفسيرية, فالانسان في كل علومه يَردُّ المحتمل الى المقطوع به ,ويرد الفرع الى الاصل, ويرد الجزئي الى الكلي. المحكم هو الاصل الذي ترجع اليه المعاني الكبرى في العقيدة والشريعة والاخلاق, والمتشابه هو ما يحتاج الى ردٍّ الى المحكم ,او يحتاج الى علم باللغة والسياق واسباب النزول وعموم مقاصد القران, وهذا امر طبيعي في كل نص عميق, فليس كل ما يحتاج الى فهم يكون عيبا في النص, العيب هو ان يكون النص متناقضا في اصوله, او عاجزا عن بيان مقاصده الكبرى, وهذا غير حاصل في القران.
ان (الكاتب) يتصور ان وجود المتشابه يناقض قول النبي (ص) ان الدين يُسر, وهذا تصور ناشئ من الخلط بين اليُسر والسطحية, فاليسر لا يعني الغاء التفكير ,ولا يعني ان تصبح جميع المعارف في مستوى واحد من الوضوح, ولو كان الامر كذلك لما احتاج البشر الى معلمين ولا مفسرين ولا علماء, ولما احتاجت العلوم كلها الى شروح ومناهج ومدارس.
اليسر يعني ان طريق الهداية مفتوح ,وان اصول الايمان والعمل واضحة, ولا يعني ان لا تكون في الكتاب مراتب من المعنى تحتاج الى تدبر, القران نفسه دعا الى التدبر والتفكر, ولو كان كل معنى سطحيا مباشرا لما كان للتدبر معنى, ومن هنا ترى مدرسة اهل البيت , ان القران له ظاهر وباطن ,وان فهمه لا ينفصل عن العلم والبيان والراسخين في العلم.
ان الحكمة الالهية اقتضت ان يبقى الانسان متعلقا بمصادر الهداية ومراكز العلم, من خلال بنية لغوية رُكبت بشكل يصعب او يستحيل على المخلوق ان يأتي بمثلها , ولكن يمكن للرسول او الائمة (ص) والعلماء تفسيرها وتأويلها ,ولذلك لم يكن وجود النبي , ثم اهل البيت , ثم العلماء امرا عرضيا في بنية الدين ,وانما كان جزءا من نظامه المعرفي, فالقران لم ينزل ليقطع الناس عن الرسول,ص وانما ليصلهم به ,ولم ينزل ليُغنيهم عن اهل العلم , وانما ليدفعهم الى الرجوع اليهم فيما اشكل عليهم, مما يؤدي الى ترابط مستمر بين المفسر للنص - سواء كان نبيا او اماما معصوما او عالما مجتهدا – وبين المؤمنين او الدارسين والباحثين , وهذه ليست خصوصية اسلامية, بل هي سنة عقلائية جارية في جميع الامم, فكما يرجع الناس الى الاطباء في الطب , والى القضاة في القانون , يرجعون الى العلماء في فهم النصوص الدينية.
وليس في ذلك ما يقدح بوضوح القران, فإن الكتاب الواضح لا يعني الكتاب الذي يستغني الناس فيه عن كل مُعلم ومُفسر, ولو صح هذا الاعتراض للزم الطعن في جميع العلوم والمعارف الانسانية, فكم من نصوص القانون تحتاج الى فقهاء ,وكم من النظريات العلمية تحتاج الى اساتذة ,وكم من الكتب الفلسفية تحتاج الى شروح طويلة, فهل يعني ذلك ان تلك العلوم باطلة او غامضة في اصولها ؟!
اما قول الكاتب (ان المحكمات كيف تكون ام الكتاب) فهذا الاعتراض غير دقيق, معنى ام الكتاب انها المرجع والاصل, فاذا وردت اية ظاهرها يُوهِم التجسيم مثلا , تُرَدُّ الى المحكم الذي ينفي المثلية عن الله, واذا ورد لفظ يَحتمل اكثر من معنى, يُرَدُّ الى اصول القران الواضحة.. هذا ليس ترقيعا ,وانما قاعدة عقلية ولغوية معروفة, فالفرع يُفسَّرُ بالاصل ,والمُجمل يُفسر بالمبيَّن ,والمُحتمل يُرد الى القطعي.
اما الاستشهاد ببعض الالفاظ القرانية, مثل الحاقة والقارعة ونحوها , فليس دليلا على وجود مشكلة في النص, فهذه الفاظ عربية معروفة الجذور والدلالات عند العرب الذين نزل القران بلغتهم, والحاقة من الحق ,اي الامر الثابت الذي لا ريب فيه, وكون بعض المسلمين بعد اكثر من اربعة عشر قرنا يحتاجون الى تفسير بعض الالفاظ , لا يدل على غموضها عند نزولها ,وانما يدل على تطور اللغة وتغير الاستعمالات, فكل لغة تتغير مع الزمن ,ونحن اليوم نحتاج الى معاجم لفهم كثير من الشعر الجاهلي ,وكثير من النصوص التراثية , ولا يقول احد ان العرب الاوائل لم يكونوا يفهمون لغتهم, ولا يقول عاقل ان الشعر كان فاسدا لأننا اليوم نحتاج الى قاموس!
واما الحروف المقطعة التي افتُتِحت بها بعض السور, فقد كانت منذ الصدر الاول للاسلام موضع تامل وتدبر, وقد تعددت فيها الاقوال حتى قيل فيها عشرات الاراء, ولكن تعدد الاراء لا يعني ان النص مضطرب, وانما يعني ان المسالة ليست من اصول الدين التي تتوقف عليها الهداية, فالانسان يمكنه ان يكون مؤمنا كاملا ,وان يعمل بكتاب الله كله دون ان يعرف المراد التفصيلي من الم , او كهيعص ,أو حم عسق.الخ ..
وقد ذهب جمع من المفسرين الى ان هذه الحروف تشير الى ان القران مكون من نفس الحروف التي يتكلم بها العرب, ومع ذلك عجزوا عن الاتيان بمثله, وذهب اخرون الى انها رموز واسرار الهية, ومهما يكن من امر , فإن الجهل ببعض الحكم لا يساوي بطلان النص, فالكون نفسه مليء بالاسرار التي لم تكتشف بعد ,ولم يقل عاقل ان وجود المجهول يبطل المعلوم.
والاغرب من ذلك كله هو انتقال (الكاتب) من الحديث عن الحروف المقطعة الى الحديث عن بحيرى الراهب ,أو ورقة بن نوفل ,او جبر النصراني ,او غيرهم من الاشخاص, فان هذه الدعوى قديمة قدم الرسالة نفسها ,وقد رد عليها القران حين قال ان الذين اتهموا النبي بأن بشرا يعلمه كانوا يشيرون الى رجل اعجمي, بينما جاء القران بلسان عربي مبين بهر فصحاء العرب وعجزوا عن معارضته.
ثم ان الربط بين كهيعص وبين عقائد مسيحية معينة, لا يستند الى دليل لغوي ولا تاريخي معتبر, فلو كانت هذه الحروف تحمل فعلا ذلك المعنى الذي يدعيه بعض المنصرين, لكان اولى الناس باكتشافه عرب القرن الاول الذين نزل القران بينهم, وحفظوه , وتداولوه , وناقشوا مضامينه, ولكن التاريخ لا يعرف شيئا من هذا كله, وانما هي دعاوى متاخرة بُنيت على التخمين لا على البرهان.
اما ما يقال عن تدخل ورقة بن نوفل ,او بحيرى الراهب في صياغة القران, فهو اضعف من ان يثبت امام البحث التاريخي, فوجود تشابه بين بعض المضامين الدينية امر طبيعي, لأن مصدر الرسالات –سبحانه - واحد, اما تحويل هذا التشابه الى دليل على الاقتباس, فليس من المنهج العلمي في شيء, والا لكان علينا ان نجعل كل تشابه بين حضارتين دليلا على السرقة والتقليد.
وكذلك الحال في ما يقال عن الحجاج الثقفي ,أو غيره من الحكام, فان المخطوطات القرانية القديمة ,وانتشار حفظ القران بين الاف من المسلمين في مختلف الامصار, يجعل فرضية التغيير الجوهري للنص فرضية غير قابلة للتصديق تاريخيا, ولهذا اجمع المسلمون سنة وشيعة على ان القران الموجود بين ايدينا هو القران الذي انزل على رسول الله صلى الله عليه واله.
واما مدرسة اهل البيت فقد نظرت الى القران بوصفه الحجة الكبرى والميزان الاعلى, وجاء عنهم الامر بِعرض الروايات على كتاب الله, فما وافقه أُخذَ به وما خالفه تُرِكَ. وهذا وحده كاف للدلالة على مركزية القران في فكرهم , وعلى ثقتهم المطلقة بحجيته وسلامته, كما انهم دعوا الى رد المتشابه الى المحكم ,وعدم اقتطاع النصوص من سياقاتها ,وعدم بناء العقائد على الظنون, وهي نظرة واضحة في اصلها, فالقران حجة الله وميزان الحق, وعلماء الشيعة الامامية قرروا ان القران الموجود بين ايدي المسلمين هو كتاب الله الذي عليه مدار العقيدة والفقه والهداية, وما يثار من شبهات حول التحريف ,او التبديل لا يمثل الموقف العلمي المعتمد عند كبار محققي الشيعة.
ان وجود المحكم والمتشابه ليس عيبا في القران , وانما هو من دلائل حكمته, فالمحكم يحفظ وحدة المعنى ,والمتشابه يفتح ابواب التدبر, ووجود ألفاظ تحتاج الى شرح لا يعني غموض الرسالة, ووجود حروف مقطعة لا يعني تدخل الرهبان والقساوسة, ووجود الحاجة الى النبي واهل البيت والعلماء لا يعني ان الدين معقد ,وانما يعني ان المعرفة البشرية بطبيعتها تحتاج الى معلم وهاد ودليل.
ان (دراسة) يوسف يوسف, وقعت في خلط بين المتشابه والغموض ,وبين الحاجة الى التفسير وفقدان المعنى ,وبين تطور اللغة وبطلان النص, كما انها بنت نتائج خطيرة على دعاوى غير موثقة حول بحيرى وورقة وجبر والحجاج. والمنهج العلمي لا يقبل تحويل الاحتمالات الى حقائق ,ولا يقبل جعل الجهل ببعض الاسرار دليلا على سقوط الكتاب كله. القران في نظر مدرسة اهل البيت كتاب هداية وميزان ومعجزة بيانية, وفيه محكم ترجع اليه الامة ,وفيه متشابه يدعو الى العلم والتدبر لا الى التشكيك المتسرع.
وهكذا يبقى القران كما وصف نفسه نورا وهدى وبيانا للناس, لا يضره جهل الجاهلين ,ولا شبهات المشككين, بل كلما ازداد الناس تدبرا في اياته , ازدادوا يقينا بأن هذا الكتاب لم يُبنَ على الغموض ,وانما على الحكمة , ولم يَقم على الالغاز,وانما على الهداية , ولم يجمع بين المحكم والمتشابه عبثا ,وانما جمعهما ليبقى العقل عاملا ,والقلب متدبرا ,والانسان سائرا في طريق المعرفة الى ما شاء الله من العلم والبصيرة.
جاسم محمد علي المعموري
18-6-2026
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟