أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جاسم المعموري - اذا عثرَ الشيوعي العراقي ينادي ( ياعلي) *















المزيد.....

اذا عثرَ الشيوعي العراقي ينادي ( ياعلي) *


جاسم المعموري

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 10:05
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


ثمة ازدواجية عميقة تنمو في باطن النفس البشرية عندما تتعارك الموروثات مع القناعات المستوردة, فحين ينهض الإنسان من بيئة مغموسة في ماء التديّن, ليقفز الى حيز فكري لا يعترف لا بإلهٍ ولا بميتافيزيقا ولا بعقيدة خلاص.. فالشيوعي العراقي - وخاصة ذلك الذي نشأ في وسط شيعي- هو نموذج حي لهذا الصراع الداخلي الذي لا يبدو أنه تم حسمه, ولا حتى تم توجيهه بصدق.. إنه يعيش بين ندائين أحدهما يُبكيه في دعاء كميل, والآخر يُحركه في نشيد يا عمال العالم اتحدوا ,وتلك الهوة التي تفصل بين الدعاء والنشيد ليست مجرد مسافة فكرية, وانما هي معركة وجودية تنشب في قلبه كلما حاول أن ينام.
إنه إنسان, يحمل في أعماقه لغة الجّدة التي كانت تقرأ دعاء العهد وتبكي على الحسين (ع), ولكنه يحاول أن يتحدث بلغة ماركس الذي رأى أن الدين ( تنهيدة المخلوق المظلوم.. روح عالم بلا قلب) وبين هذا القلب وذلك العقل يتشظى ذلك الانسان, وهنا لا يمكن الحديث عن الشيوعية في العراق دون الاعتراف بأن جزءاً كبيراً من أبنائها جاؤوا من أحياء تملأها الحسينيات واللطم والمواكب, من منازل كانت تضع صور الأئمة على الجدران, وكان (يا علي) أول كلمة صرخوا بها حين تألموا- ويبد لي ان الامر التبس عليهم بين الشيوعية والشيعة, فلم يفرقوا بينهما - فكيف يستقيم أن ينتمي هذا الفرد إلى فكر يرى الدين مجرد أداة قهر طبقي؟ هل هي خيانة للبيئة والثقافة أم محاولة يائسة للتحرر منها؟
ربما ليس السؤال في صواب الشيوعية أو خطئها, فالفكر كالماء, لا يلام إن انساب الى جوفٍ عطِش ,لكن المشكلة تكمن في أن كثيراً ممن انتموا إليها لم يفعلوا ذلك بفعل قناعة فكرية محضة, بل بفعل الموجة, بفعل (الموديل) الجديد ,بفعل التقليد ,والرغبة في الثورة, وفي احيان كثيرة بفعل المصلحة, هؤلاء الذين تسمعهم يختمون أحاديثهم بـ (سلامات حجي), او ( حفظكم الله ) او ( عيد سعيد ) الخ, لكنهم في المنابر يتحدثون عن نفي الغيب واحتقار الميتافيزيقا, إنهم لا يبحثون عن الحقيقة, وانما عن أدوات القوة, وما أسهل ان يكون الفكر مطية نحو النفوذ حين تتعثر الأحزاب الأخرى في فسادها وانقسامها.
كتب علي الوردي ذات مرة (إن الشرقي أكثر ميلاً للخيال منه للحقيقة, لأنه نشأ في بيئة لا تسمح له بتمحيص الأمور). وقد يكون هذا القول مفتاحا لفهم تناقض الشيوعي العراقي المتدين, فهو لا يريد ان يُمحَّصَ, بل يريد أن يؤمن, ويريد في الوقت ذاته ان يتمرد.. يريد ان يعيش دفء العزاء الحسيني, ويجلس بعده ليقرأ البيان الشيوعي, ثم يعود في الليل ليضع رأسه على وسادة من دعاء وزيارة عاشوراء.. إنه لا يرى في ذلك تناقضاً, بل يراه انسجاماً غريباً, ناتجاً عن قلب جريح لا عقلٍ ناقد, والحقيقة ان هذا هو حال العراقي اليوم حين ينتمي الى عدة احزاب في وقت واحد , وفي الوقت الذي يعلم سادته وقادته انه - على اقل التقديرات - خائن ,لكنهم يبحثون عن الاصوات في الانتخابات وان كانت تنبع من حضيرة الخيانة والازدواجية والرذيلة!
لكن هل يمكن للفكر ان يترسخ في قلب لم ينقطع مع ماضيه؟ وهل يمكن لمن يقول (يا علي) حين يتألم أن يؤمن حقاً أن الكون بلا خالق, وان الانسان مجرد آلة منتجة, وان وعيه انعكاس مباشر لموقعه الطبقي؟ هذا هو السؤال الذي طرحه فلاسفة كثر, منهم كارل ياسبرز حين قال (لا يمكن أن يكون الانسان حراً وهو محكوم بنفي المعنى), لذا فالحرية الحقيقية تنبع من التصالح مع الوجود, لا من التمرد الأجوف عليه, ومعظم من حملوا لواء الشيوعية في بيئة دينية لم يكونوا في حالة تصالح في قلوبهم ومع ذواتهم ,وانما كانوا في حالة انكسار او انتقام أو خيبة.
ربما فهم ميخائيل غورباتشوف ذلك متأخراً حين قال ( إن البديل لا يمكن أن يكون في الشيوعية او الاشتراكية أو الرأسمالية, وعلى الجميع ان يبحث عن البديل المناسب لحضارة جديدة ) هذا الاعتراف ليس مجرد نقد ذاتي, وانما هو إعلان إفلاس للمنظومة التي خُيّل لكثيرين أنها ستنقذهم من جحيم التخلف, والحقيقة ان الشيوعية في بيئة محافظة دينية كالعراق لم تكن يوماً أكثر من قناع, أو ربما نوبة غضب... وحين انتهت , سقط القناع وبقيت الفطرة.
أما أولئك الذين غيروا جلودهم السياسية كما يغير أحدهم سترته, فهم ليسوا شيوعيين ولا متدينين, بل انتهازيون خالصون, لا يعرفون الله ولا يعرفون انفسهم, يركبون كل موجة, ويطعنون كل مبدأ, يتحدثون باسم العدالة, وهم يسرقون قوت الناس, يرفعون شعارات الحرية, وهم أكثر من يضيق صدره بالرأي الآخر. إنهم يلوّنون فكرهم كما يُلوّن الحرباء جلده، ويخدعون البسطاء بشعارات لا يفهمون منها شيئاً, وهؤلاء هم الخطر الحقيقي على أي فكر, سواء كان دينا او شيوعية او حتى مجرد انسانية.
إن الفكر أيًّا كان, لا يمكن أن يزدهر في بيئة لم تحسم موقفها من ذاتها, لا بد من مراجعة, من مواجهة حقيقية بين ما نؤمن به في دواخلنا وما نزعم أننا نعتنقه, اذ لا يمكن ان نحمل المسبحة في يد, وفي اليد الأخرى نهتف بسقوط الدين, لا يمكن ان نقرأ سيرة علي عليه السلام ,ونغني لأغاني الثورة الفرنسية دون أن ندرك حجم الهوة بينهما, ان هذه الازدواجية تقتل الفكر, وتحوله إلى شعارات جوفاء ومواقف هجينة, وأشخاص مشوهين لا الى هؤلاء ولا الى أولئك.
كتب المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري ( الإلحاد الكامل صعب لأن الانسان يحتاج الى ما يُعزّيه , لا يستطيع ان يتخلى عن المقدس كلياً ) وهذا ما يجعل الشيوعي الذي يقول (يا علي) حين يتألم صادقاً في لحظة الألم, وكاذباً في لحظة التنظير, لأن الحقيقة لا تُقهر في وجدان الإنسان, مهما غلفها بالشعارات.
والسؤال الذي يبقى, لماذا نكذب على أنفسنا؟ لماذا لا نواجه تناقضاتنا بدلاً من تجميلها؟ هل هو الخوف؟ أم الجبن؟ أم ان المصلحة تغشي الابصار فلا من احد يرى الحقيقة؟ ربما كل ذلك معاً, وربما ببساطة, لأننا لم نتعلم بعد أن الحرية لا تبدأ من الثورة, وانما من الصدق مع الذات اولا واخيرا ..
جاسم محمد علي المعموري
‎‎, ‎202512 , ‏‎10:50:28 PM ,October
*اجلت النشر الى اليوم 7- 6 - 2026 بسبب الاحداث التي كانت تجري ,
فكان المقال لا يتناسب مع الاحداث في وقتها , وهذا حدث للكثير من مقالاتي ,او ققصي القصيرة , أو قصائدي , فقد تم تأجيل نشرها لعدم تناسبها مع الاحداث..



#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هيا لنحرق العِربيد !
- حين يتحول الحب الى جرح فلسفي قراءة في (طريق جانبي الى حارة س ...
- مقال ل ( نيويورك تايمز) اراد الإيقاع بأحمدي نجاد وارباك الوض ...
- اسقاط النظام في ايران خطر شديد على الامن والسلم في العالم اج ...
- عامر (( النووي )) صفحات من مذكراتي
- لقطاتٌ حيةٌ لإحتضارِ وطن *
- من خفايا السياسة في العراق (وما خفي اعظم)!
- اهِ لو كنت صاروخا باليستيا .. الأسفار الأخيرة
- ((شيطنة)) ايران انحطاط اخلاقي وخلط للاوراق
- الواقع وقدرة رئيس الوزراء العراقي
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا ..12
- اهِ لو كنت صاروحا باليستيا ..11
- هل أسدل مسرح الاغتيالات ستارته؟!
- لبنان : إما مقاومة رادعة او دولة مقتدرة
- فقدنا البوصلة فصنع الغرب لنا ((اسرائيل))
- اهٍ لوكنت صاروخا باليستيا ..10
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا .. 9
- من يثق بترامب كمن يثق بالسراب
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا ..8
- وهكذا حققت المؤامرة اهدافها


المزيد.....




- قصف إسرائيلي على مصنع للبتروكيماويات في إيران وسط أول تبادل ...
- ترامب يعلن -قرب وقف فوري لإطلاق النار- بين إيران وإسرائيل.. ...
- عقوبات أوروبية على طهران بسبب مضيق هرمز.. كيف ردت إيران؟
- معَنَّفات على -الخط الساخن- بألمانيا.. تفاقم الظاهرة أم ارتف ...
- فوز حزب العقد المدني الحاكم في أرمينيا بالانتخابات البرلماني ...
- اجتماع أوروبي لبحث تصاعد أزمات الشرق الأوسط والحرب في أوكران ...
- جيل زد يصارع في مدغشقر للحفاظ على مكتسباته
- قلعة الشقيف.. ساحة للموت والدعاية من شارون إلى نتنياهو
- دلالات التصعيد الإسرائيلي ومستقبل اتفاق غزة
- لبنان..”ملح” المعادلات وعقدة الكيان


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جاسم المعموري - اذا عثرَ الشيوعي العراقي ينادي ( ياعلي) *