أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جاسم المعموري - حين يتحول الحب الى جرح فلسفي قراءة في (طريق جانبي الى حارة سيمون)














المزيد.....

حين يتحول الحب الى جرح فلسفي قراءة في (طريق جانبي الى حارة سيمون)


جاسم المعموري

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 13:22
المحور: الادب والفن
    


حين يتحول الحب الى جرح فلسفي
قراءة في (طريق جانبي الى حارة سيمون)
ان قصة - طريق جانبي الى حارة سيمون - للكاتب د. سامي البدري بُنيت على لعبةٍ حوارية شديدة الذكاء, تجعل من الحديث العابر بين شيخين وحيدين مدخلاً لتفكيك اسئلة معقدة تتعلق بالحب والجسد والانوثة والخيانة والوحدة والشيخوخة, والنص منذ بدايته لا يتعامل مع (سيمون دي بوفوار) بوصفها شخصية تاريخية او فكرية فحسب, وانما بوصفها رمزا ثقافيا يمكن عبره مساءلة العلاقة الشائكة بين الرجل والمرأة.. بين الفكر والرغبة.. وبين الجمال والقبح.
ولعل اول ما لفت نظري في القصة هو اعتمادها شبه الكامل على الحوار, حتى تكاد تختفي الحدود التقليدية بين السرد والتأمل الفلسفي, فالقصة لا تتحرك بالاحداث بقدر ما تتحرك بالافكار, والشخصيتان الرئيسيتان تجلسان قرب البيت الذي عاشت فيه سيمون دي بوفوار ,ثم في بيت احدهما ,لكن هذا الحيز المكاني الضيق يتحول الى فضاء واسع للتداعي والتفسير والاستبطان, حيث اننا لا نتابع حكاية بقدر ما نتابع عقلين متعبين يحاولان فهم الحياة بعد فوات الاوان, ولهذا يبدو النص اقرب الى حوار وجودي طويل تتسلل داخله الحكاية على شكل اعترافات ومرارات شخصية.
وقد نجح الكاتب في خلق شخصيتين متكاملتين من حيث الوظيفة الفنية, فالسارد يبدو اكثر ميلاً للتحليل العقلي والتفسير الهادئ ,بينما يبدو صديقه اكثر اندفاعا وسخرية وجرأة في اطلاق الاحكام. غير ان هذا الاختلاف الظاهري لا يلغي التشابه العميق بينهما, فكلاهما مهزوم عاطفيا, وكلاهما انتهى الى عزلة باردة لا يخففها سوى وجود كلب يشاركه الوحدة, وهنا تتحول الكلاب في القصة من مجرد تفصيل عابر الى رمز بالغ الدلالة, فالكلب –هنا - ليس حيوانا اليفا فقط , بل هو تعويض عاطفي عن خيبات البشر, وعن العلاقات التي فشلت في منح الوفاء والطمأنينة, ومن اجمل لحظات النص تلك التي ينهار فيها الصديق خوفا على كلبه المجروح, فيكشف بصورة لا ارادية عن هشاشته الداخلية وعن رعبهِ الحقيقي من العودة الى الوحدة المطلقة.
ويعتمد الكاتب اسلوبا قائما على التراكم الحواري, اذ تبدو الافكار وكأنها تتولد تلقائيا من بعضها بعضا,فالحديث عن دمامة سارتر يقود الى الحديث عن ذائقة المراة, ثم الى الالم, ثم الى الجسد, ثم الى الخيانة ,ثم الى الشيخوخة ,وصولا الى معنى الوفاء نفسه, وهذا التدرج يمنح النص حيوية فكرية واضحة, ويجعل القارئ يشعر انه يشارك الشخصيتين جلستهما الطويلة قرب المدفأة ,كما ان الكاتب يتعمد ان يجعل الحوار متذبذباً بين العمق والسخرية .. بين الحكمة والابتذال, وهو أمر يضفي على الشخصيتين صدقا انسانيا, فهما لا تتكلمان بلغة فلسفية صافية, وانما بلغة بشر متعبين اختلطت لديهم المرارة بالنكتة السوداء.
اما على مستوى الرؤية الفكرية, فالقصة تطرح تصوراً شديد القسوة تجاه المراة والحب, فالصديق يحاول تفسير انجذاب دي بوفوار لسارتر من خلال فكرة ((الألم)) اذ يرى ان المرأة تنجذب لمن يمنحها ألماً عميقا, وان علاقتها بالرجل محكومة بحاجتها النفسية والجسدية لهذا الألم, وهذه الفكرة تتكرر باشكال متعددة داخل النص, حتى تصبح أشبه بالمحور الخفي الذي تنتظم حوله الحوارات كلها ,غير ان الكاتب لا يقدم هذه الرؤية بوصفها حقيقة نهائية, وانما يتركها معلقة داخل فم شخصية مهزومة ومجروحة عاطفيا, وهذا هو الذي يفتح باب الشك في صدقيتها, وهنا تكمن قوة النص ,فهو لا يفرض افكاره مباشرة, بل يجعلها صادرة عن تجربة انسانية متصدعة.
كما ان حضورسيمون دي بوفوار وسارتر داخل القصة ليس حضوراً ثقافيا تزيينيا, بل هو جزء اساسي من البناء الرمزي للنص, فالثنائي الشهير يتحول الى مرآة يرى البطلان عبرها فشلهما الشخصي. انهما لا يناقشان دي بوفوار بوصفها فيلسوفة نسوية فقط, بل بوصفها امرأة خانت وانجرحت وشيخت واحبت بطريقة مربكة, وكذلك سارتر لا يظهر كمفكر وجودي وانما يظهر كرجل دميم استطاع رغم ذلك ان يفرض حضوره على النساء, ومن خلال هذا التحويل الذكي للشخصيات الفكرية الى كائنات بشرية مشتهاة ومهزومة, ينجح الكاتب في اعادة قراءة الرموز الثقافية من زاوية انسانية حميمة.
ومن الناحية الفنية ايضا, تمتاز القصة بلغتها السلسة التي تجمع بين الفصحى اليومية والتامل الفلسفي, فالكاتب لا يلجأ الى الزخرفة اللغوية الثقيلة, بل يعتمد لغة مرنة قادرة على احتواء السخرية والالم معا, كما ان كثافة الحوار لم تضعف الايقاع, بل على العكس منحت النص حيوية مستمرة, خاصة مع كثرة القهقهات والتعليقات الساخرة التي تخفف من ثقل الافكار المطروحة, حتى المشاهد الصغيرة, كاشعال النار او تحرك الكلاب أو ملء الكؤوس, جاءت موظفة بذكاء لتمنح النص بعداً بصريا وحميمية داخلية.
وتبرز نهاية القصة بوصفها لحظة تكثيف شديدة الدلالة, فحين يعود الحديث اخيراً الى دي بوفوار وسارتر بعد حادثة الكلب, يبدو الامر وكأن الشخصيتين كانتا طوال الوقت تتحدثان عن نفسيهما لا عن الثنائي الفرنسي, ولهذا تكتسب الجملة الاخيرة حول (عفافة الجسد) و(غيرة الانوثة) بعداً مأساويا, لانها تكشف ان كل هذا الجدل الفلسفي لم يكن سوى محاولة متاخرة لفهم خيبات شخصية لم تندمل ابدا.
ان (طريق جانبي الى حارة سيمون) ليست مجرد قصة عن سارتر ودي بوفوار, ولا مجرد حوار عن المراة والحب, وانما هي نص عن الشيخوخة والوحدة والندم ومحاولة فهم ما تعجز الحياة عن تفسيره, وقد استطاع د. سامي البدري ان يقدم نصاً غنيا بالافكار والانفعالات, يجمع بين السرد والتامل, وبين السخرية والمرارة, في صيغة قصصية تجعل القارئ يشعر انه أمام اعتراف طويل لرجلين اكتشفا متاخرَين ان اكثر ما يؤلم الانسان ليس الخيانة وحدها, بل العجز عن فهمها.
جاسم محمد علي المعموري



#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقال ل ( نيويورك تايمز) اراد الإيقاع بأحمدي نجاد وارباك الوض ...
- اسقاط النظام في ايران خطر شديد على الامن والسلم في العالم اج ...
- عامر (( النووي )) صفحات من مذكراتي
- لقطاتٌ حيةٌ لإحتضارِ وطن *
- من خفايا السياسة في العراق (وما خفي اعظم)!
- اهِ لو كنت صاروخا باليستيا .. الأسفار الأخيرة
- ((شيطنة)) ايران انحطاط اخلاقي وخلط للاوراق
- الواقع وقدرة رئيس الوزراء العراقي
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا ..12
- اهِ لو كنت صاروحا باليستيا ..11
- هل أسدل مسرح الاغتيالات ستارته؟!
- لبنان : إما مقاومة رادعة او دولة مقتدرة
- فقدنا البوصلة فصنع الغرب لنا ((اسرائيل))
- اهٍ لوكنت صاروخا باليستيا ..10
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا .. 9
- من يثق بترامب كمن يثق بالسراب
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا ..8
- وهكذا حققت المؤامرة اهدافها
- بغداد روحي واغنيتي*
- اهِ لو كنت صاروخا باليستياً .. 7


المزيد.....




- نجوم الفن في مصر ينتفضون لدعم حسام حسن بعد -دراما الأرجنتين- ...
- بوتين يوجه بحزمة إجراءات لدعم اللغة الروسية وتعزيز مكانتها ع ...
- موسم مسرحي حافل بالعروض الأولى في موسكو
- فيلم -ابن مين فيهم-.. الكوميديا تجمع مجددا بين ليلى علوي وبي ...
- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...
- موسكو ترمم منزل ومرسم الفنان فالنتين سيروف التاريخي في شارع ...
- Strategic Culture: كييف تجاوزت -نقطة اللاعودة- في استنزاف م ...
- فضل شاكر يعلق على قرار إخلاء سبيله: كتبت لي سطور جديدة في ال ...
- افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية ...
- موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جاسم المعموري - حين يتحول الحب الى جرح فلسفي قراءة في (طريق جانبي الى حارة سيمون)