جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 02:52
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
عندما تندلع الحروب لا احد يسأل عن السبب من قبل الشعوب التي تحب اوطانها وتصون كرامتها كالشعب الايراني المعروف بصموده النادر امام التحديات الكبرى, وتصبح الاولوية للدفاع والصمود والبقاء ,اما عندما تضع الحرب اوزارها فإن الشعوب تعود لتسأل عن الاسباب والنتائج ,وعن الذين اتخذوا القرارات التي قادتها الى الدماء والخراب..
هذه ليست ظاهرة جديدة في التاريخ , فكم من حاكم اشعل حربا ,ثم وجد نفسه بعد انتهائها في مواجهة شعبه الذي يريد معرفة الحقيقة ,ويريد ان يعرف لماذا دفعت البلاد ذلك الثمن الباهظ..
لقد شهد العراق مثالا واضحاً على ذلك عندما انتهت حرب تحرير الكويت , فاندفع الشعب العراقي الغيور والجسور الى مواجهة نظام صدام بعد سنوات طويلة من الحروب والمحن ,وكان ذلك تعبيرا عن حقيقة معروفة وهي ان صناع الحروب لا يملكون عادة مستقبلا مريحا مع شعوبهم بعد انتهاء المعارك..
ولهذا السبب يخاف كثير من القادة من لحظة توقف الحرب اكثر مما يخافون من الحرب نفسها , فمجرم الحرب نتنياهو يدرك ان انتهاء الحروب التي اشعلها في المنطقة قد يفتح الباب واسعا امام محاسبته السياسية والقضائية ,وزيلنسكي يعلم انه رئيس انتهت ولايته ,وان انتهاء الحرب في اوكرانيا سيعيد النقاش الداخلي حول اداء الدولة وادارة الازمة ومصير البلاد, وهكذا نجد ان بعض القادة يرون في استمرار الحرب وسيلة لتاجيل الحساب لا اكثر ولا اقل.
اما ترامب فهوليس خارج هذه المعادلة مهما حاول ان يظهر بمظهر القائد الحازم او صانع الانتصارات, فأن ادارته تصرفت طوال الأزمة وكأنها تسير خلف أجندة نتنياهو اكثر مما تسير خلف رؤية امريكية مستقلة, وان البيت الابيض تحول في لحظات كثيرة الى جهة تصادق على كل ما يطلبه مجرم الحرب النتياهو ,وتوفر له الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي الذي يحتاجه.
لكن المشكلة ان السياسات التي تبدو سهلة في بدايتها قد تتحول الى عبء ثقيل عندما تظهر نتائجها الحقيقية, وعندما تهدأ المعارك ويبدأ الناس بحساب الأرباح والخسائر, يصبح من حق الأمريكيين ان يسألوا.. لماذا زُجَّت الولايات المتحدة في صراعات إضافية؟ ولماذا وُضعت مصالحها وسمعتها الدولية على المحك؟ ومن الذي استفاد فعلاً من هذه السياسات؟
إن القائد الذي يربط مصير بلاده بحسابات حليف اجنبي أو يندفع خلف خيارات لا تخضع لنقاش وطني واسع لا يستطيع ان يتهرب من المساءلة عندما تتكشف النتائج, فالحروب قد تبدأ بقرار يتخذه عدد قليل من الأشخاص, لكن أثمانها تدفعها الشعوب بأكملها, ولذلك فإن أي مراجعة جادة لما جرى يجب ألا تتوقف عند طهران او تل أبيب, وانما يجب أن تمتد الى واشنطن أيضاً, لأن المسؤولية السياسية لا تتجزأ, ولأن من يشارك في صناعة القرار يجب ان يكون مستعداً لتحمل تبعاته عندما يحين وقت الحساب.
لكن حديثنا هنا ليس عن هؤلاء فحسب , بل عن ايران ومحور المقاومة ,لأن وقت الحساب بالنسبة لهم قد حان ايضا..
في الفترة الماضية كان من الصعب توجيه اللوم او العتاب او الاتهام بينما كانت الحرب قائمة , فالاخ لا يعاتب اخاه وهو في ساحة القتال ,اما ان يقف معه دون سؤال ,واما ان يلتزم الصمت , لكن بعد ان هدات المعارك اصبح من الضروري طرح الاسئلة التي جرى تجاهلها طويلا..
كانت هناك قرائن واضحة وكثيرة تدفع الى الاعتقاد بان عملية السابع من اكتوبر لم تكن حدثا عاديا ,وانما عملية تحيط بها علامات استفهام كبيرة جدا , ولا يخفى على كل لبيب بأن حماس خاضت مؤامرة قذرة بالاشتراك مع نتنياهو , وربما مع بعض الطغاة من حكام المنطقة ,او قد تكون الحركة قد تلقت وعودا بأن تحريك القضية الفلسطينية يحتاج الى عملية كبيرة من هذا النوع ,وان المكافأة لها ستكون دولة فلسطينية ضمن مشروع حل الدولتين المزعوم.
ومهما تكن الحقيقة ,فان النتيجة كانت كارثية ,فقد قتل معظم قادة حماس الذين كانوا يعرفون تفاصيل تلك المؤامرة الخبيثة , واختفى كثير من الشهود واندثرت القضية في بحر مظلم..
اما ايران فقد وجدت نفسها امام معضلة شديدة التعقيد , فكيف وثقت بحماس الى هذا الحد وهي تعلم ان الحركة كانت تتلقى رواتب موظفيها عبر ترتيبات مرتبطة باسرائيل؟! وكيف لم تتوقف قليلا لتنظرفي طبيعة العلاقة الطويلة التي ربطت الفصائل الفلسطينية بالعدو عبر عقود طويلة من الاحتكاك المباشر؟!
يقول المثل ان من عاشر قوما اربعين يوما صار منهم ,فكيف بمن عاشرهم ثمانية عقود كاملة!
لقد كان من المفترض ان تطرح هذه الاسئلة مبكرا وان تناقش بجدية داخل محور المقاومة لكن ذلك لم يحدث..
اما حزب الله فقد تصرف وكأنه لا يرى احتمال وجود سيناريو مختلف عما هو معلن ,ولم يمنح نفسه الوقت الكافي للتفكير في جميع الفرضيات ,ويبدو لي كأنه لم يخطر بباله ان ماجرى كان مؤامرة قذرة هدفها الاكبر القضاء التام على كل محور المقاومة , كما لم يشاور اي احد من قوى المحور قبل الانخراط الكامل في المواجهة , وعندما بدأت المواجهة بدى الحزب وكأنه متردد , فهو يمتلك مخزونا هائلا من الصواريخ يقارب 150 الف صاروخ ما عدى المسيرات ,وكان الناس يتساءلون لماذا لا يضرب الحزب بقوة؟! لماذا لا يرسل الف صاروخ في اليوم مع الفي مسيرة ؟! , نعم , ان تردد الحزب في تلك اللحظة يؤكد انه ادرك حجم المؤامرة , لذلك عقد السيد حسن نصر الله الامين العام اجتماعا من اجل ان يعلن بعده ايقاف اطلاق النار, ولكن القدر شاء ان يمنحه الشهادة بنفس اليوم في مكان الاجتماع, اتدرون لماذا ؟ لان هذه الامة لاتستحق مثله ,ولا مثل السيد علي الخامنئي وغيرهما فرفعهم الله اليه.. انها امة تحيك المؤامرات وتخوض في الرذيلة السياسية من خلال قادتها الطغاة, وهي على استعداد تام ان تَسكت حتى لو قَتل حكامها كل الانبياء والرسل والصالحين من اجل البقاء في الحكم .
في السابع من اكتوبر واليوم الذي تلاه وجدت ايران نفسها امام خيارين لا ثالث لهما , اما ان تعلن ان ما جرى كان مؤامرة اشتركت فيها حماس ,وان حزب الله لم يدرك نتائجها الحقيقية, وعليه ان يتوقف كي لا يقع في مصيدتها , واما ان تلتزم الصمت , وقد اختارت الصمت مرغمة ,او ما سمته الصبر الاستراتيجي , لكن السؤال الذي ما زال مطروحا هو ما هي الاستراتيجية الكامنة في هذا الصبر؟!
لقد جرى اغتيال السيد حسن نصر الله ,والعديد من القيادات البارزة في حزب الله ,وكان ذلك حدثا استثنائيا بكل المقاييس ,وكان يفترض ان يشكل جرس انذار لا يمكن تجاهله ,لكن ايران لم تغير سلوكها ,ولم تعط له اية اهمية تُذكر..
ثم جاءت سلسلة الاغتيالات التي استهدفت كبار القادة العسكريين ,والعلماء المرتبطين بالبرنامج النووي الايراني في حرب الـ 12 يوما , وكان ذلك تطورا اخطر من سابقه ,ومع ذلك لم يتغير شيء في ايران.. ونتيجة لذلك الاستخفاف بالعدو ونواياه الشيطانية توسعت دائرة الاستهداف حتى طالت قيادات سياسية عليا ,ووصلت الى اعلى مستويات النظام ,ومع ذلك بقي الحديث يدور حول الصبر الاستراتيجي..!
لقد بدت ايران وكأنها عاجزة عن اتخاذ قرار واضح ,فهي لا توجه ضربة كبيرة قادرة على ردع العدو, بل كانت ردودها باهتة ,ولا تتجه نحو تسوية تنهي حالة الاستنزاف المستمرة , وبين هذا وذاك كانت الخسائر تتراكم والاختراقات تتوسع..
والحقيقة التي لا يمكن انكارها هي ان الاختراق الاستخباراتي داخل ايران وصل الى مستويات خطيرة جدا, وصل الى العظم كما يقول المثل ,الى درجة انه بعد ثوان معدودة من اغتيال السيد علي خامنئي المرشد الاعلى لجمهورية ايران الاسلامية , وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة , تصل صورة لجثمانه الشريف الى القذر مجرم الحرب نتياهو, فنجاح العدو في الوصول الى هذا العدد الكبير من القادة والعلماء والمسؤولين لا يمكن تفسيره فقط بالتفوق التقني او العسكري , وانما يكشف عن وجود خلل عميق داخل البنية الامنية نفسها ,وحين يصبح العدو قادرا على معرفة الاهداف بدقة متناهية , وتنفيذ عملياته في قلب المؤسسات الحساسة ,فإن ذلك يعني ان المشكلة لم تعد على الحدود , وانما اصبحت داخل البيت نفسه..
ولهذا فان السؤال الاهم اليوم لا يتعلق فقط بعدد الذين اغتيلوا ,ولا بحجم الخسائر العسكرية والسياسية, وانما يتعلق بكيفية حدوث كل ذلك ومن يتحمل المسؤولية عنه..
لقد انتهت الحرب ,او اقتربت من نهايتها وجاء وقت الحساب
والحساب لا يعني الانتقام ,ولا تصفية الخصوم ,وانما يعني مراجعة التجربة كاملة بشجاعة وصدق ..كيف اتخذت القرارات؟ .. كيف جرى تقييم المخاطر؟.. كيف تم التعامل مع التحذيرات؟.. ولماذا استمر الرهان على ما سمي بالصبر الاستراتيجي رغم كل الضربات التي تلقاها المحور؟!
ان الشعوب لا تطلب المستحيل ,لكنها تريد معرفة الحقيقة ,وتريد ان تسمع اعترافا بالاخطاء قبل الحديث عن الانتصارات ,فالامم لا تتقدم بالانكار ولا بالشعارات الرنانة ,وانما بالمراجعة الصريحة والنقد الجريء ,والتعلم من التجارب القاسية ,واذا كان لكل حرب يوم تبدا فيه ,فإن لكل حرب ايضا يوما للحساب , ويبدو ان هذا اليوم قد حان.
جاسم حمد علي المعموري
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟