جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 00:16
المحور:
قضايا ثقافية
ارتبط اسم دارون في اذهان كثير من الناس بفكرة الإلحاد ,حتى اصبح الكثير منهم يعتقد ان نظرية التطور هي نفسها نظرية الحاد ,وان دارون كان واحدا من اشهر من انكروا وجود الله,
لكن عندما نعود الى دارون نفسه والى ما كتبه وما نُقل عنه في الكتب التي تناولت حياته وافكاره نجد صورة مختلفة تماما,
الصورة ليست بسيطة الى درجة ان نقول ان دارون كان مؤمنا تقليديا لم يعرف الشك ,ولا هي بسيطة الى درجة ان نقول انه كان ملحدا ينكر وجود الله, فبين هذين الطرفين كانت هناك حياة فكرية طويلة مر بها دارون من الايمان الديني في شبابه الى الشك, ثم الى موقف اقرب الى اللاأدرية في اواخر حياته مع بقائه رافضا وصف نفسه بالملحد بمعنى من ينكر وجود الله, وهذه النقطة بالذات هي التي كثيرا ما تغيب عندما يذكر اسم دارون ,فالرجل الذي وضع واحدة من اهم النظريات في تاريخ علم الاحياء لم يكن بالضرورة هو الرجل الذي ينكر الخالق, ولم يكن يرى ان اكتشاف القوانين الطبيعية يعني بالضرورة انكار الله, وكذلك فعل غيره من رواد نظرية التطور كداوكينز وهوكن ورسل وغيرهم , بالرغم من ان راسل او رسل - حسب اختلاف في لفظ الاسم - كان فيلسوفا ولكنه ناقش نظريات التطور وابدى بعض الاراء الفلسفية حولها..
من المصادر المهمة التي تناولت هذه المسألة كتاب دارون للمفكر والمؤرخ مايكل ريوس بترجمة المركز القومي للترجمة واشراف جابر عصفور والصادر في طبعته الاولى سنة 2010
في مقدمة الكتاب يتناول ريوس مكانة دارون الفكرية ,ويُعدُهُ من الفلاسفة ويشرح الاسباب التي جعلته يتجاوز حدود عالم الاحياء ليصبح واحدا من اكثر الشخصيات تاثيرا في الفكر الحديث (1)
والاهم من ذلك ما يرد في الكتاب عند حديثه عن المعتقدات الدينية لدارون في الفصل المعنون المعتقدات الدينية – دارون والدين حيث يقول عن دارون (ولم يكن دارون يشعر بانه ملحد ابدا, ولم يدع للالحاد أبدا) وهذه العبارة وحدها تفتح بابا مهما في فهم شخصية دارون, فحتى عندما تغير موقفه الديني واصبح اكثر شكاً في بعض المسائل ,لم يكن يرى نفسه ملحدا بالمعنى الذي ينكر وجود الله
,حيث ان الانسان قد يفقد يقينه الديني القديم ,أو يبتعد عن العقيدة التي نشأ عليها , او ان يصبح منكرا لوجود الله, لكن هناك فرق واضح بين الامرين , فالابتعاد عن العقيدة ليس كنكران وجود الله او الخالق أو الصانع او المصمم الذكي كما يُصطلح عليه عندهم, وان كانت هناك فروق مهمة بين هذه المصطلحات , فدارون مر بالفعل بمرحلة شك طويلة وتغيرت نظرته الى الدين ,لكن هذا التغير لا يعني انه انتهى الى القول بأن الله غير موجود ,وهذا ما تؤكده ايضا كتاباته الشخصية ورسائله التي تكشف عن موقف اكثر تعقيدا من الصورة التي انتشرت عنه فيما بعد.
من اقوى ما يمكن الرجوع اليه في هذه المسالة كلام دارون نفسه, ففي رسالة كتبها سنة 1879 الى جون فورديس تحدث دارون عن موقفه من الايمان والالحاد, وقال بوضوح ,انه لم يكن في اشد حالات تردده ملحدا ,بمعنى انكار وجود الله ,وان وَصفَ اللاأدري كان في الغالب اقرب الى وصف حالته الفكرية, وهذه الرسالة مهمة جدا لانها جاءت في اواخر حياته وليس في فترة شبابه ,فدارون لم يقل انه اكتشف من خلال نظرية التطور ان الله غير موجود ,ولم يقل ان العلم اثبت عدم وجود الخالق ,بل كان يرى ان المسألة اكبر من ذلك ,وهذا ما تؤكده ايضا المراسلات المنشورة في مشروع مراسلات دارون ,حيث يظهر من عدد من رسائله ان موقفه من الدين كان متغيرا ومعقدا ,وان وصفه بالملحد يحتاج الى كثير من التحفظ ,وهنا نجد انفسنا امام حقيقة بسيطة وهي ان دارون كان شكاكا في مسائل دينية كثيرة وكان بعيدا في نهاية حياته عن ايمانه المسيحي القديم, لكنه لم يكن ملحدا بمعنى انكار وجود الله وهذا فرق كبير.
وفي كتاب اصل الانواع الذي طالعته بتأني وتدقيق اكثر هذه المرة ,ومتابعة بعض المحاضرات بهذا الشأن ,وجدت ان البعض يمكن ان يتصور دارون عندما وضع نظرية التطور كان يريد ان يقول ان الحياة ظهرت من غير خالق ,وان الكائنات الحية لا تحتاج الى تفسير خارج القوانين الطبيعية ,لكن قراءة خاتمة اصل الانواع تكشف ان الصورة ليست بهذه البساطة ,ففي الصفحات الاخيرة من الكتاب نجد دارون يتحدث عن الحياة ,وعن القوى التي وهبها الخالق للاشكال الاولى للحياة ,ثم يصف كيف نشأت منها تلك الاشكال المتعددة الجميلة والمعقدة..
وفي الترجمة العربية التي اشرت اليها يرد هذا المعنى في ص 508 في الطبعة المشار اليها (2) وهذه الاشارة مهمة جدا فدارون وهو يضع خاتمة الكتاب الذي سيغير فهم البشر لتنوع الكائنات لا ينتهي الى القول بان الحياة لا خالق لها ,وانما يستخدم تعبير الخالق في وصف البداية الاولى للحياة ,ولا يعني هذا بالطبع ان اصل الانواع كتاب في اثبات وجود الله ,فهذا ليس هدف دارون ,هدفه كان تفسير تنوع الكائنات الحية وشرح الالية التي يمكن من خلالها ان تتغير الكائنات وتتفرع انواعها عبر الزمن ,لكن وجود تفسير طبيعي لآلية معينة لا يعني بالضرورة انكار وجود الله ,وهذه هي النقطة التي حصل حولها الخلط الكبير في العصور اللاحقة ,فاذا استطاع العلم ان يفسر كيف تحدث ظاهرة معينة ,فهذا لا يعني انه اجاب عن سؤال لماذا يوجد الكون اصلا ,وكذلك اذا استطاع علم الاحياء ان يشرح بعض اليات التغير والتنوع في الكائنات فهذا لا يعني انه اثبت ان الحياة نفسها لا خالق لها.
وهذا المعنى نجده ايضا عند عباس محمود العقاد في كتاب عقائد المفكرين ,ففي الصفحة 44 يتحدث العقاد عن دارون ويقول (اما دارون فلم يزعم قط ان ثبوت التطور ينفي وجود الله) ثم يضيف ان دارون لم يقل قط ان التطور يفسر خلق الحياة (3) وهذا الكلام بالغ الاهمية ,لان كثيرا من الجدل الذي يدور اليوم يقوم اساسا على الخلط بين ثلاثة اسئلة مختلفة ,كيف تغيرت الكائنات الحية ؟وكيف ظهرت اول حياة ؟وهل يوجد خالق للكون والحياة؟ لكن نظرية التطور تتناول السؤال الاول اساسا ,اما السؤال الثاني فهو موضوع اخر ,واما السؤال الثالث فهو سؤال فلسفي ولاهوتي اوسع من حدود نظرية التطور نفسها..
وقد اشار العقاد الى هذه المسالة بوضوح عندما تحدث عن دارون ,بل ينقل العقاد عن دارون في الصفحة نفسها او في المواضع القريبة منها رسالة كتبها الى طالب هولندي سأله عن هذه المسالة وفيها كلام شديد الدلالة عن الكون ووجود الله.
ومعنى كلام دارون انه يجد في صعوبة تصور هذا الكون العظيم المدهش بما فيه من كائنات وبما فيه الانسان صاحب الوعي دليلا قويا على وجود الله ,ثم انه لا يقدم هذا الكلام على انه برهان رياضي لا يقبل النقاش ,وانما يتحدث عن صعوبة المسالة وعن حدود العقل الانساني في الوصول الى اليقين ,وهذا هو اسلوبه عموما في مثل هذه المسائل, هو لا يحول السؤال الى يقين مصطنع ,ولا يحوله ايضا الى نفي قاطع, بل يترك مساحة للشك والتامل.
ان القول ان دارون يرى ان التطور دليل على وجود خالق قول غير دقيق, فكما ان من الخطأ ان نقول ان دارون كان ملحدا, من الخطا ايضا ان نقول ان دارون قدم نظرية التطور على انها برهان علمي على وجود الخالق ,فلم يكن هذا هو مشروعه, هو كان يحاول تفسير تنوع الحياة من خلال قوانين وعمليات طبيعية ,ولم يكن كتاب اصل الانواع كتابا في اللاهوت او في اثبات وجود الله ,نعم , ان ما انجزه من تفاصيل علمية بهذا الشأن بيّن بلا شك ان وراء هذا النظام الدقيق والخلق العجيب خالق حكيم ,وإن لم يكن يقصد الوصول الى هذه الحقيقة, فالرجل لم ير تعارضا ضروريا بين تفسير بعض الظواهر الطبيعية, وبين الايمان بوجود خالق, وهذا هو الفارق بين التطور كنظرية في علم الاحياء ,وبين المادية كتصور فلسفي للوجود, فالمادية تقول ان الواقع لا يحتاج الى شيء يتجاوز المادة والطبيعة ,اما نظرية التطور فلا تقول هذا بالضرورة ,فقد يقبل شخص نظرية التطور وهو يؤمن بالله ,وقد يرفض شخص اخر وجود الله ويقبل نظرية التطور ,وقد يكون شخص ثالث مترددا بين الايمان واللاأدرية ويقبل التطور ايضا ,فالنظرية العلمية وحدها لا تحدد الموقف الفلسفي الكامل لصاحبها ,وأصل الحياة ليس هو التطور ,وهنا تظهر اهمية كتاب بول دايفيز الجائزة الكونية الكبرى – لغز ملائمة الكون للحياة ففي الصفحة 235 يلفت دايفيز الى نقطة شديدة الاهمية وهي ضرورة التفريق بين تطور الحياة وظهور الحياة (4) وهذا التفريق ربما يكون من اكثر الامور التي نحتاج اليها اليوم في النقاش حول دارون ,فنحن عندما نتحدث عن التطور نتحدث عن الحياة بعد وجودها, اما السؤال عن كيفية ظهور اول حياة فهو سؤال اخر, ولهذا يقول دايفيز في الموضع نفسه ان هناك اعترافا بان اصل الحياة يظل لغزا محيرا.
وهذا الكلام لا يعني ان العلم عاجز الى الابد عن معرفة كيف ظهرت الحياة ,ولا يعني ان كل مجهول يجب ان يكون الله ,فليس من المنهج العلمي ان نقول اننا لا نعرف شيئا اليوم اذن الله هو التفسير المباشر له, لكن المسالة هنا مختلفة, فالمقصود هو ان نعرف حدود كل سؤال ,وان لا ننسب الى نظرية التطور ما لا تقوله, فالتطور لا يجيب وحده عن سؤال اصل الحياة, ولا يجيب عن سؤال اصل الكون ,ولا يجيب وحده عن سؤال لماذا يوجد شيء بدلا من لا شيء ,ومن هنا يصبح من الخطأ ان نقول ان دارون اكتشف التطور ولذلك اكتشف ان الله غير موجود ,هذا استنتاج فلسفي لا يخرج من النظرية العلمية وحدها,
,وقد كان من الممكن لدارون ان يكتشف آلية طبيعية تفسر كثيرا من التنوع في عالم الاحياء من دون ان يستنتج من ذلك ان الخالق غير موجود ,وهذا بالفعل ما تظهره كتاباته فهو لم يقل ان اكتشاف الانتخاب الطبيعي يثبت عدم وجود الله ,ولم يقل ان اكتشاف التطور يثبت ان الكون بلا خالق ,ولم يقل ان العلم استطاع ان يحل كل الاسئلة المتعلقة بظهور الحياة.
ان سبب الاعتقاد ان دارون رمزا للالحاد ربما يرجع جزء كبير منه الى ان اسم دارون تحول بعد وفاته الى رمز فكري ,فبعض المفكرين استخدموا التطور داخل رؤية مادية كاملة للانسان والكون ,وبعضهم ربط بين التطور وبين رفض الدين ,ومع مرور الوقت بدا وكأن هذه الافكار كلها جزء من كلام دارون نفسه ,لكن هذا ليس صحيحا هناك فرق بين دارون العالم ,وبين الداروينية التي ظهرت بعده في صور فلسفية واجتماعية مختلفة, ولهذا يجب ان نرجع دائما الى النصوص الاصلية ,ماذا قال دارون ,ماذا كتب ,ماذا قال عن الله ,وماذا قال عن موقفه الديني في اواخر حياته ,وعندما نفعل ذلك تظهر لنا صورة اكثر وضوحا وهي ان دارون لم يكن مؤمنا بسيطا طوال حياته ,لكنه ايضا لم يكن ملحدا ينكر وجود الله ,كان رجلا تغير موقفه الديني مع الزمن ومر بمرحلة طويلة من الشك وانتهى الى موقف اقرب الى اللاأدرية ,لكنه مع ذلك لم يعتبر نفسه ملحدا بمعنى انكار وجود الله.
وربما تكون اهم نتيجة يمكن الوصول اليها من هذا البحث كله هي ان العلم والدين لا ينبغي ان يدخلا في معركة لمجرد أن احدهما يفسر جانبا من الواقع, العلم يستطيع ان يبحث في كيفية عمل الاشياء ,كيف تتغير الكائنات, كيف تنتقل الصفات, كيف تتكون النجوم ,كيف تعمل القوانين الطبيعية ,لكن هناك اسئلة اخرى تتجاوز هذا المستوى, لماذا يوجد الكون ,ما مصدر القوانين نفسها ,لماذا يوجد شيء بدلا من لا شيء, هل للوجود غاية, وهل يوجد خالق وراء هذا كله ,هذه الاسئلة ليست كلها من النوع نفسه ,وقد يكون بعضها علميا ,وبعضها فلسفيا وبعضها دينيا ,ومن هنا فإن نظرية التطور لا ينبغي ان تُحمّل اكثر مما تحتمل ,فاذا ثبتت آليات التطور فهذا لا يثبت وحده الإلحاد.
واذا بقي اصل الحياة لغزاً فهذا لا يثبت وحده وجود الله, والطريق الصحيح هو ان نفرق بين ما يقوله العلم فعلا, وبين ما يضيفه الانسان اليه من تفسير فلسفي ,اما النصوص الدينية الثابة الصحيحة فمن الممكن ان تكون ركنا اساسيا في الوصول الى الحقائق العلمية , فليس من المعقول ان يرفض عالم يحترم علمه اداة تساعده في الوصول الى الحقائق العلمية.
وهنا يمكن القول ان دارون لم يكن ملحدا بالمعنى الذي ينكر وجود الله ,وانما كان مفكرا مترددا تغير موقفه الديني وانتهى الى اللاأدرية تقريبا مع بقاء فكرة الخالق والسبب الاول حاضرة في كتاباته ورسائله, ولو قدر له ان يعيش حياة اطول ويطلع على القران - مثلا – او العلوم الاسلامية الاخرى او الفلسفة الاسلامية ,لما بقي في ذلك الشك والتردد والحالة اللاادرية كما يزعمون .
جاسم محمد علي المعموري
21-2-2023
1- مايكل ريوس
دارون
ترجمة المركز القومي للترجمة
اشراف جابر عصفور
الطبعة الاولى 2010
ص 13 من المقدمة
وص 275 في مبحث المعتقدات الدينية – دارون والدين
2- تشارلز دارون
اصل الانواع
الترجمة العربية المشار اليها
ص 508-509 في خاتمة الكتاب والموضع المتعلق بالخالق والقوى التي نفخها في صور الحياة الاولى
2- عباس محمود العقاد
عقائد المفكرين
ص 44
وفيها حديث العقاد عن دارون وان التطور عنده لا يعني نفي وجود الله ولا يفسر خلق الحياة
كما يورد في الموضع نفسه او في الصفحات القريبة منه كلام دارون في رسالته الى الطالب الهولندي حول الكون ووجود الله
4- بول دايفيز
الجائزة الكونية الكبرى – لغز ملائمة الكون للحياة
ص 235
وفيها التفريق بين تطور الحياة وظهور الحياة والاشارة الى ان اصل الحياة لا يزال لغزا محيرا
تشارلز دارون
رسالة الى جون فورديس
7 مايو 1879
وفيها تصريح دارون بانه لم يكن ملحدا بمعنى انكار وجود الله وان وصف اللاأدري كان اقرب الى موقفه الفكري
مراسلات تشارلز دارون
المواد المتعلقة بالدين وموقف دارون من وجود الله واللاأدرية
تشارلز دارون – اصل الانواع
الطبعات المتاخرة من الكتاب التي عمل عليها دارون
وخاصة الخاتمة التي تتضمن الاشارة الى الخالق وقوى الحياة التي نفخها في الاشكال الاولى
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟