جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 04:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ اندلاع الحرب في المنطقة عام 2023 وما اعقبها من توسع متتالي متدرج لدائرة المواجهة , تابعت تطوراتها بصورة مستمرة , وقرأت ما امكنني الوصول اليه من الاخبار والتقارير والتحليلات السياسية والاستراتيجية , واستمعت الى الكثير منها باللغتين العربية والانجليزية , ومع مرور الوقت تكونت لدي قناعة بأن السؤال الاكثر اهمية اليوم هوكيف يمكن ايقاف هذه الحرب قبل ان تصل المنطقة الى مرحلة يصبح الرجوع منها بالغ الصعوبة ان لم يكن مستحيلا. وربما يظن البعض ان المشكلة اكبر من ان تكون في وسع محاولة كهذه ان توجد حلا لمشكلة مستعصية منذ نصف قرن مضى , واتفق مع هذا الطرح تماما , الا انني اشعر بالانتماء الى المنطقة وما تحمله من هموم واوجاع , وايضا بالانتماء الى الانسانية كلها , واؤمن بأن الاذى الذي يتعرض له انسان في اقصى الارض هو اذى موجه لي ايضا وان لم يكن بصورة مباشرة, كما انني اريد ان ابريء ذمتي امام الله سبحانه وابين موقفي بوضوح تام , ولعل كلمة وان كانت قليلة الشأن تسهم في ايصال فكرة مفادها ان الانسان بفطرته السليمة يجنح الى السلم والامن , وعسى ان يسمعها الطغاة ومجرموا الحروب لتساهم ولو في انقاذ نفس واحدة .
ومن الواضح ان اسرائيل الطرف الذي بدأ هذا المسار العسكري ووسعه , ثم دفع تطور الاحداث الولايات المتحدة الى التورط المباشر في الحرب مع ايران , وبغض النظر عن الحسابات التي دفعت اسرائيل الى هذا الطريق , وعن الخلاف في تقييم سياسات ايران واسرائيل والولايات المتحدة , فان الواقع الذي ينبغي التعامل معه الان هو ان الولايات المتحدة وايران اصبحتا في مواجهة عسكرية مباشرة , وان استمرارها كان ومازال يهدد بأن يفتح من جديد جبهات اخرى في لبنان وسوريا واليمن والخليج , فضلا عن غزة , وان يحول حربا يمكن ايقافها اليوم الى صراع اقليمي يصعب على احد التحكم في نهايته.
ولذلك لا تنطلق هذه المبادرة من محاولة تعيين المتسبب بالحرب, ولا من افتراض امكان حل جميع خلافات الشرق الاوسط في اتفاق واحد , وانما تنطلق من فكرة ابسط واكثر واقعية وهي اوقفوا الحرب اولا , ثبتوا وقفها , امنعوا انهيار الاتفاق بسبب حادث او جهة ثالثة , ثم افتحوا الملفات الاخرى واحدا بعد اخر على اساس التبادل والضمانات والتحقق.
ولا يعني وقف الحرب مطالبة الولايات المتحدة وايران بان تصبحا دولتين صديقتين , ولا ان تتخلى احداهما عن رؤيتها السياسية او منظومتها الامنية , كما لا يعني الدفاع عن النظام السياسي الايراني او الحكم على سياساته الداخلية والخارجية , فالموقف من النظام شيء , وانهيار الدولة شيء اخر تماما.
ايران اليوم دولة كبيرة لها حكومة ومؤسسات وقوات مسلحة وسلسلة قيادة يمكن مخاطبتها والتفاوض معها وتحميلها مسؤولية قراراتها , اما اذا أدت الحرب الى انهيار السلطة المركزية وبقيت الاسلحة والصواريخ والقوات والمؤسسات العسكرية وشبكات النفوذ من دون دولة مستقرة قادرة على ضبطها , فقد تدخل المنطقة في وضع اخطر بكثير من الوضع الذي تحاول الحرب تغييره.
ولهذا فان منع انهيار الدولة الايرانية ليس هدية للنظام الايراني , وانما مصلحة اقليمية ودولية , فقد دفعت المنطقة خلال العقود الماضية اثمانا باهظة حين انهارت دول او مؤسسات قبل وجود سلطة قادرة على ادارة المجتمع والسلاح والحدود , ولا يوجد سبب يجعلنا نفترض ان انهيار دولة بحجم ايران وموقعها وقدراتها ستكون نتائجه اسهل.
ومن هنا اقترح مبادرة تقوم على ثلاث مراحل مترابطة وهي اولا ايقاف الحرب , وثانيا تثبيت وقف النار ومنع انهياره , وثالثا الانتقال بالتدريج من ادارة الحرب الى ادارة الخلاف.
ولا تحتاج المرحلة الاولى الى اتفاق سلام شامل , كما لا تحتاج الى اعتراف سياسي متبادل او اتفاق على جميع الملفات , وانما تحتاج الى قرار من الطرفين بان استمرار الحرب اصبح اخطر من وقفها.
1- اتصال تمهيدي غير معلن عبر سلطنة عمان:
تبدا العملية باتصالات مكثفة وغير معلنة تتولاها سلطنة عُمان بوصفها القناة الرئيسية بين الولايات المتحدة وايران , ويمكن ان تساندها عند الحاجة دولة او اكثر تحظى بقدر مناسب من ثقة الطرفين , ولا يكون الهدف عقد مؤتمر كبير او التوصل منذ البداية الى اتفاق شامل , بل الاتفاق على وثيقة قصيرة ومحددة تتضمن ساعة توقف العمليات العسكرية , والتزامات الايام الاربعة عشر الاولى , وطريقة التعامل مع اي خرق يقع خلالها.
ويكون الاتفاق على هذه الوثيقة سابقا للاعلان العلني عن وقف الحرب , حتى لا يدخل الطرفان في مساومات علنية حول من يتوقف اولا , او من قدم تنازلا قبل الاخر , والقاعدة في هذه المرحلة بسيطةوهي ان لا يوضع على الطاولة اي ملف يمكن تاجيله الى ما بعد توقف النار فليس المطلوب الان حل جميع مشكلات الشرق الاوسط , وانما اعادة القرار من الميدان العسكري الى السياسة.
2 - ساعة صفر واحدة وهدنة اختبار لمدة اربعة عشر يوما:
يحدد الطرفان ساعة واحدة تتوقف عندها جميع العمليات العسكرية الهجومية بين الولايات المتحدة وايران , فتتوقف الولايات المتحدة عندها عن تنفيذ الضربات ضد الاراضي والمنشات والقوات الايرانية , وتتوقف ايران في اللحظة نفسها عن استهداف القوات والقواعد والسفن والمصالح الامريكية , ولا يوجد في هذا الترتيب طرف يتوقف اولا ثم ينتظر ماذا سيفعل الطرف الاخر , بل يبدأ التزام الطرفين في اللحظة نفسها فالضربات المتقطعة بين الجانبين ليست هدنة بالمعنى الصحيح والكامل.
ومن ساعة الصفر تبدأ هدنة اختبارية مدتها اربعة عشر يوما , وخلال هذه المدة يمتنع الطرفان عن تنفيذ اي هجوم مباشر او سري على الطرف الاخر , وزيادة القوات او الاسلحة الهجومية في المنطقة بصورة هدفها تغيير ميزان الحرب خلال الهدنة , وزرع الالغام او تنفيذ عمليات تهدد الملاحة المدنية , وشن عمليات سيبرانية تؤدي مباشرة الى تعطيل منشات مدنية اساسية او الى خسائر بشرية , واستخدام جماعات او جهات اخرى لتنفيذ هجمات يمكن ان تنسب عمليا الى احد الطرفين.
كما يتوقف خلال هذه المدة الخطاب الرسمي الذي يتضمن تهديدا مباشرا باستئناف الحرب في موعد محدد , لان الهدنة التي تستمر فيها التهديدات اليومية والتصريحات الاستفزازية لا سيما من طرف ترمب وادارته تبقى معرضة للانهيار بسبب سوء التقدير , وهذه الايام الاربعة عشر ليست سلاما نهائيا , وانما فترة اختبار لمعرفة هل يستطيع الطرفان فعلا وقف الحرب وضبط القوات التابعة لهما.
3 - ضمان عدم فتح الجبهة الاسرائيلية من جديد:
لا ينبغي ان تكون اسرائيل طرفا في المفاوضات الامريكية الايرانية التي تقترحها هذه المبادرة , فالمواجهة التي يراد ايقافها في هذه المرحلة هي المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وايران , وتوسيع طاولة التفاوض لتشمل اطرافا وملفات اضافية قد يجعل الاتفاق اكثر صعوبة بدلا من ان يجعله اكثر ثباتا , لكن استبعاد اسرائيل من طاولة المفاوضات لا يعني تجاهل العامل الاسرائيلي, فالهدنة لن تكون ذات معنى اذا توقفت الولايات المتحدة عن مهاجمة ايران ثم تعرضت ايران بعد ساعات او ايام لهجوم اسرائيلي جديد يعيد الحرب من بدايتها , ولهذا تقدم الولايات المتحدة لايران , ضمن اتفاق وقف الحرب , ضمانا مكتوبا بان لا تستخدم الهدنة لفتح الطريق امام هجوم اسرائيلي جديد , وانها ستعمل على منع مثل هذا الهجوم طوال مدة الاتفاق , وفي المقابل تلتزم ايران بعدم مهاجمة اسرائيل طوال مدة التزام الطرف الاخر بعدم مهاجمتها.
وبهذا لا تحتاج ايران واسرائيل الى الدخول في مفاوضات مباشرة , ولا الى تبادل اعتراف سياسي , لان هذا الترتيب ليس اتفاق سلام بينهما , وانما صمام امان يمنع طرفا ثالثا من اسقاط وقف الحرب الامريكي الايراني , واذا وقع هجوم اسرائيلي على ايران , او هجوم ايراني على اسرائيل , فلا يعتبر الاتفاق ساقطا بصورة تلقائية قبل تحديد طبيعة الحادث والجهة المسؤولة عنه وتشغيل الية التحقيق المنصوص عليها في هذه المبادرة.
4 - مركز اتصال وتحقيق دائم في مسقط:
تنشا في مسقط منذ ساعة الصفر خلية اتصال وتحقيق تعمل على مدار الساعة , تضم ممثلين مفوضين من الولايات المتحدة وايران وسلطنة عمان , ويكون لكل طرف خط اتصال عسكري وسياسي مباشر يمكن تشغيله خلال دقائق عند وقوع حادث , ويمكن الاستعانة بخبراء من الأمم المتحدة او الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو جهات فنية محايدة بحسب طبيعة الخرق.
ولا تكون وظيفة هذه الآلية كتابة تقارير بعد وقوع الحرب , وانما منع الحادث من التحول الى حرب , ولهذا يعتمد الاتفاق قاعدة جديدة وهي لا يؤدي حادث منفرد او ادعاء غير مثبت الى استئناف الحرب كلها.
اذا وقع خرق , تحدد الالية خلال ساعات ماذا حدث , ومن نفذه , وهل كان عملا متعمداً ام خطأ ,وهل صدر عن الدولة نفسها ام عن جهة لا تخضع بصورة كاملة لقرارها , وهل ما زال الهجوم مستمرا , وما الاجراء المناسب لاعادة الوضع الى ما كان عليه.
ويمنح الطرف الذي يدعي وقوع الخرق الآلية فترة أولية لا تتجاوز ست ساعات للتحقق عندما لا يكون هناك هجوم مستمر يهدد حياة الناس بصورة مباشرة , اما اذا كان هناك هجوم عسكري جارٍ ومستمر , فلا يسقط حق اي طرف في الدفاع المباشر عن نفسه , على ان يكون الرد بقدر وقف الهجوم وليس ذريعة للعودة الى حرب مفتوحة , وهذا التمييز مهم , لان مصير ملايين البشر لا ينبغي ان يقرره خطأ في الرادار او معلومة استخبارية غير صحيحة أو صاروخ اطلقته جهة تريد اسقاط الاتفاق.
5 - ثلاث درجات للخروقات بدلا من سقوط الاتفاق دفعة واحدة:
من اكبر نقاط الضعف في كثير من اتفاقات وقف النار ان كل خرق يمكن ان يتحول الى مبرر لإلغاء الاتفاق كله , ولهذا تقترح هذه المبادرة تصنيف الخروقات الى ثلاث درجات وهي الدرجة الاولىعبارة عن حادث محدود او غير متعمد لا يغير الوضع العسكري العام , ويُعالَج بالاتصال والتحقيق واعادة الوضع الى ما كان عليه , والدرجة الثانية عبارة عن خرق متعمد لكنه محدود , ويقابله اجراء سياسي او اقتصادي او عسكري محدود وقابل للرجوع عنه , مع بقاء وقف النار قائما , والدرجة الثالثة عبارة عن هجوم واسع ومتعمد تقرر آلية التحقق انه يمثل عودة فعلية الى الحرب , وفي هذه الحالة فقط يصبح من حق الطرف الاخر اعتبار وقف النار في خطر جوهري واتخاذ ما يراه ضروريا للدفاع عن نفسه.
وبهذه الطريقة لا يستطيع حادث صغير ان يهدم اتفاقا كبيرا.
6 - أمن الملاحة ومضيق هرمز:
يكون امن الملاحة من أول النتائج الملموسة لوقف الحرب , فتلتزم ايران بعدم مهاجمة السفن التجارية المدنية وعدم زرع الالغام وعدم استخدام مضيق هرمز اداة لادامة الحرب طوال مدة الاتفاق , وفي المقابل تتوقف العمليات العسكرية والحصار والاجراءات المرتبطة بالحرب التي تستهدف الملاحة الايرانية والتجارة المدنية الايرانية.
ومع ثبوت الالتزام خلال الايام الاربعة عشر الاولى تبدا مرحلة اولى من تحرير الاموال الايرانية المجمدة وتسهيل استيراد السلع الاساسية والتصدير المدني وفق جدول معلوم للطرفين , ولا يقدم هذا المقابل دفعة واحدة , كما لا يبقى مجرد وعد سياسي , بل تُقسم الاموال او التسهيلات المتفق عليها الى مراحل , وكل مرحلة تنفذ بعد تحقق الطرف الوسيط من تنفيذ الالتزام المقابل.
وهكذا يصبح أمن هرمز منفعة مشتركة , فايران تستعيد تدريجيا جزءا من قدرتها على التجارة والوصول الى اموالها , والولايات المتحدة ودول المنطقة والعالم تستعيد طريقا اكثر امنا للطاقة والتجارة , ولا يصبح المضيق رهينة لاستمرار الحرب.
7 - تعهد متبادل بعدم تغيير النظام بالقوة وعدم استغلال الهدنة عسكريا:
تعلن الولايات المتحدة ضمن الاتفاق ان هدف وقف الحرب والمفاوضات ليس اسقاط النظام السياسي الايراني بالقوة ولا تفكيك مؤسسات الدولة ولا خلق فراغ سياسي وامني داخل ايران , ولا يعني ذلك الدفاع عن النظام او الحكم على سياساته , وانما الاعتراف بحقيقة بسيطة هي ان الدولة التي لها قيادة وسلسلة قرار يمكن التفاوض معها وردعها ومحاسبتها , اما الفوضى المسلحة فلا يعرف احد من يتخذ قرارها.
وفي المقابل تتحمل الحكومة الايرانية المسؤولية عن ضبط القوات والمؤسسات التي تخضع لسلطتها , وعن عدم استغلال الهدنة لفتح جبهات جديدة او تنفيذ عمليات عبر جهات اخرى , كما يتعهد الطرفان بعدم استغلال وقف النار للتحضير سراً لهجوم واسع يفاجئ الطرف الاخر , ويحق لكل منهما الاحتفاظ بقدراته الدفاعية واتخاذ التدابير الاعتيادية لحماية اراضيه وقواته , لكن لا يجوز استخدام الهدنة لبناء وضع هجومي جديد هدفه استئناف الحرب بشروط واوضاع افضل.
8 - فصل وقف الحرب عن الحل النهائي للملف النووي:
لا يشترط التوصل الى اتفاق نووي نهائي قبل وقف النار , فالحرب تتوقف اولا , وبعد ثبات الهدنة تبدأ مفاوضات نووية مستقلة ترعاها سلطنة عمان , وتشارك الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الجوانب الفنية الخاصة بالرقابة والتحقق.
وتقوم المرحلة الاولى على معادلة محددة: تقدم ايران ضمانات عملية قابلة للتحقق بان برنامجها النووي لن ينتقل الى انتاج سلاح نووي , وتسمح بالرقابة الفنية التي يتفق عليها , وفي المقابل تلتزم الولايات المتحدة بعدم مهاجمة المنشات النووية الايرانية ما دامت ايران ملتزمة بالاتفاق , وتبدأ خطوات محددة لتخفيف العقوبات المرتبطة مباشرة بالملف النووي.
وبذلك يصبح المقابل واضحا: تحقق نووي قابل للقياس يقابله ضمان امني وتخفيف اقتصادي قابلان للقياس , ولا يحصل اي طرف على كل ما يريد في اليوم الاول , كما لا تستخدم المفاوضات النووية بابا خلفيا لادخال كل خلاف اخر بين الولايات المتحدة وايران.
9 - البرنامج الصاروخي خارج شروط وقف الحرب:
لا يكون تخفيض عدد الصواريخ الايرانية او مدياتها او قدراتها شرطا لوقف الحرب , فايران تنظر الى قدراتها الصاروخية بوصفها جزءا اساسيا من منظومة الردع الوطني واساسا مهما لأمنها القومي , وبعد تعرضها لهجمات مباشرةومتكررة وغير قانونية , بل وليست اخلاقية, سيكون من غير الواقعي تصور انها ستقبل وقف الحرب بشرط التخلي عن وسيلة الردع الاساسية التي تمتلكها , لكن هناك فرقا بين امتلاك السلاح واستخدامه.
وقف النار يلزم ايران بعدم استخدام الصواريخ ضد الولايات المتحدة او اسرائيل ما دامت الضمانات قائمة ولا تتعرض ايران لهجوم جديد , اما التفاوض على طبيعة التوازنات العسكرية بعيدة المدى في المنطقة , اذا ارادت الاطراف فتحه مستقبلا , فينبغي ان يكون مسارا مستقلا ومتبادلا يشمل المخاوف الامنية للاطراف كلها , ولا يوضع شرطا مسبقا لايقاف الحرب الحالية.
10 - مبدأ الخطوة مقابل الخطوة وسجل علني للالتزامات:
لا يقوم الاتفاق على حسن النية وحده , ولا يطلب من اي طرف ان يسلم جميع اوراقه ثم ينتظر ما سيفعله الطرف الاخر , بل توضع منذ البداية قائمة مكتوبة تحدد ما الخطوة المطلوبة من ايران , وما الخطوة المقابلة من الولايات المتحدة , ومتى تنفذ , ومن يتحقق منها , وماذا يحدث اذا لم تنفذ , ويحتفظ الوسيط العماني بسجل رسمي يسمى سجل الالتزامات المتبادلة.
فعلى سبيل المثال , وقف الهجمات الامريكية يقابله وقف الهجمات الايرانية , وعدم مهاجمة ايران يقابله عدم استخدام الاراضي او القوات الامريكية لفتح الطريق امام هجوم جديد عليها , والتحقق النووي يقابله ضمان امني وتخفيف اقتصادي محدد , وامن الملاحة يقابله وقف الاجراءات الحربية المرتبطة بالملاحة وتحرير اقتصادي تدريجي متفق عليه , والتزام ايران بعدم مهاجمة اسرائيل يقابله ضمان امريكي فعال بعدم تعرض ايران لهجوم اسرائيلي.
ولا تكون الوعود عامة , بل يكون لكل خطوة موعد وطريقة تحقق , فبعد سنوات طويلة من الصراع لا يمكن بناء اتفاق جدي على الثقة الشخصية , لكن يمكن بناء نظام يجعل الالتزام ممكنا حتى في وجود الشك.
11 - الانتقال من هدنة 14 يوما الى وقف نار 90 يوما:
اذا مرت الايام الاربعة عشر الاولى من دون خرق من الدرجة الثالثة , تتحول الهدنة تلقائيا الى وقف نار مدته تسعون يوما , وتحسب الايام التسعون ابتداء من اليوم الخامس عشر بعد ساعة الصفر , وبذلك لا يبقى هناك غموض في المواعيد.
وخلال هذه المرحلة تستمر جميع الضمانات العسكرية , وتبدأ خطوات تخفيف العقوبات المتفق عليها , وتنتظم عمليات التحقق النووي , وتستقر حركة الملاحة , وتعمل خلية مسقط بصورة دائمة , وتبدا الاتصالات السياسية الرسمية بين الطرفين.
ولا تعني التسعون يوما ان الاتفاق سينتهي في اليوم التسعين , بل انها فترة انتقال من وقف حرب مؤقت الى نظام اكثر استقرارا , واذا نجحت هذه المرحلة , يمدد وقف النار تلقائيا ما لم يبلغ احد الطرفين الطرف الاخر والوسيط بوجود خرق جوهري لم تتم معالجته.
12 - بدء مفاوضات التسوية بعد ثلاثين يوما من ساعة الصفر:
بعد ثلاثين يوما كاملة من ساعة الصفر , اي بعد اجتياز الهدنة الاولى والدخول في مرحلة وقف النار الممتد , تبدأ المفاوضات السياسية الاطول امدا , وهنا يُحل الغموض الذي قد ينشأ من تعدد المدد فالثلاثون يوما تحسب من ساعة الصفر نفسها.
ولا توضع على هذه الطاولة كل مشكلات الشرق الاوسط , بل ينبغي ان تركز المفاوضات في البداية على الملفات التي يمكن ان تحول وقف اطلاق النار الى علاقة مستقرة يمكن ادارتها , ومنها ضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي الايراني , وانهاء الحالة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وايران , ورفع العقوبات الاقتصادية بصورة تدريجية مرتبطة بالتنفيذ , وضمان حرية الملاحة والطاقة , وانشاء قناة عسكرية دائمة لمنع الاحتكاك غير المقصود , ووضع قواعد تمنع استخدام اراضي او قوات طرف ثالث لاعادة الحرب.
وتبحث الملفات الاخرى لاحقا في مسارات مستقلة اذا توفرت ظروفها , لكن لا يسمح لها بان تصبح شروطا مسبقة لاستمرار وقف النار.
ما الذي يجعل هذه المبادرة مختلفة؟
هذه المبادرة لا تفترض ان الثقة موجودة بين الولايات المتحدة وايران , بل تنطلق من العكس وهو ان الثقة شبه معدومة , ولذلك يجب بناء اتفاق يستطيع العمل حتى في غيابها , وهي لا تطلب حل الملف النووي قبل اسكات السلاح , ولا تطلب من ايران التخلي عن برنامجها الصاروخي لكي تحصل على وقف الحرب , ولا تدخل اسرائيل الى طاولة المفاوضات الامريكية الايرانية , لكنها في الوقت نفسه لا تتجاهل حقيقة ان اي هجوم اسرائيلي جديد على ايران يستطيع تدمير الاتفاق كله.
ولا تجعل رفع العقوبات مكافأة مجانية , كما لا تجعل الالتزامات الايرانية تنازلات مجانية , بل تربط كل خطوة بخطوة مقابلة معروفة مقدما , ولا تعتبر كل حادث سببا للعودة الى الحرب , بل تضع نظاما للتحقيق والتصنيف والتعامل المتناسب مع الخروقات , ولا تحاول تحويل الخصمين في اسابيع الى حليفين.
ان الهدف اكثر تواضعا , وربما لهذا السبب هو اكثر قابلية للتحقق في ان يتحول الخلاف من حرب يدفع ثمنها الجميع الى نزاع يمكن ادارته بالسياسة.
وقد تستمر الخلافات بين الولايات المتحدة وايران سنوات طويلة , وقد لا تتفقان على كثير من القضايا , لكن استمرار الخلاف لا يفرض استمرار القصف.
والاعتراف بان اسرائيل كانت الطرف الذي بدأ مسار هذه الحرب ووسعها ودفع الولايات المتحدة الى التورط المباشر فيها لا يعني ان الطريق الى وقفها يجب ان يمر بمفاوضات ايرانية اسرائيلية , فالواقع الحالي يجعل الولايات المتحدة الطرف القادر على تقديم الضمانة التي تحتاجها ايران لكي توقف عملياتها من دون ان تخشى ان تتحول الهدنة الى فرصة لهجوم اسرائيلي جديد , وفي المقابل تستطيع واشنطن الحصول على التزام ايراني واضح بعدم استخدام وقف الحرب لشن هجمات على اسرائيل , وبهذا يتحقق الامران من دون توسيع طاولة التفاوض وتعقيدها اكثر مما تحتمل.
كما ان منع انهيار الدولة الايرانية ينبغي ان يكون مصلحة للجميع , وليس لأن جميع الاطراف توافق على طبيعة النظام القائم ,او لا توافق, بل لان البديل المحتمل قد يكون تفكك القرار مع بقاء الاسلحة والصواريخ والقوات وشبكات النفوذ , فالدولة القائمة لها عنوان يمكن الاتصال به , وقيادة يمكن التفاوض معها , وسلسلة قرار يمكن تحميلها المسؤولية , اما حين يتفكك القرار ويبقى السلاح , فقد يصبح العثور على جهة تستطيع تنفيذ اتفاق اصعب من الوصول الى الاتفاق نفسه.
وفي المقابل , حماية القوات والمصالح الامريكية لا تعني منح الولايات المتحدة حق فرض كل شروطها بالقوة , كما ان حماية ايران من الهجوم لا تعني منحها حرية استخدام وقف النار لتوسيع عملياتها في المنطقة.
المبادرة تقوم على توازن ابسط من ذلك وهو لا هجوم امريكي على ايران , ولا هجوم ايراني على الولايات المتحدة , ولا هجوم اسرائيلي جديد على ايران طوال سريان الضمان , ولا هجوم ايراني على اسرائيل طوال سريان الضمان , ولا استخدام للهدنة للتحضير لهجوم جديد , ولا انهيار للاتفاق بسبب حادث قبل التحقيق فيه , وكل التزام يقابله التزام , وكل مرحلة ناجحة هي للمرحلة التالية.
قد لا يكون هذا سلاما بالمعنى الكامل , لكنه قد يكون الطريق الواقعي من الحرب الى السلام , والسؤال الذي ينبغي ان يسبق جميع الاسئلة الاخرى هو اذا كان ممكنا اليوم ايقاف الحرب مع الحفاظ على مصالح الامن الاساسية للاطراف , فلماذا ننتظر حتى تدخل المنطقة في فوضى تصبح كلفة الخروج منها اكبر من كلفة الاتفاق نفسه؟
جاسم محمد علي المعموري
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟