أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر















المزيد.....

ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 08:39
المحور: الادب والفن
    


ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في مسيرة الشعر العالمي

لم يكن ت. س. إليوت شاعرًا عابرًا في تاريخ الشعر الحديث، كما أن حضوره الواسع لا يعود إلى قصيدة واحدة أو إلى جائزة نوبل وحدها. امتدت تجربته بين الشعر والنقد والفكر والتحرير، ودخلت في حوار عميق مع التراث الشعري والأسطورة والتاريخ والثقافة الحديثة. ومع ذلك، فإن قراءة إليوت بعد عقود طويلة من الاحتفاء به تقتضي شيئًا من المسافة فلا نحتاج إلى إضافة هالة جديدة إلى هالته، ولا إلى التعامل معه بوصفه صاحب الكلمة الأخيرة في الحداثة. الأجدى أن نضعه في مكانه الحقيقي: شاعرًا كبيرًا من شعراء القرن العشرين، أسهم في تغيير مسار القصيدة الحديثة، وأصبح بدوره جزءًا من التاريخ الذي سيعيد الآخرون قراءته ومراجعته. ولد ت. س. إليوت في سانت لويس بولاية ميزوري في 26 سبتمبر 1888، وكان أصغر سبعة أبناء. كان والده هنري وير إليوت يعمل في الإدارة والأعمال، وله اهتمام بالشعر والموسيقى والرسم، أما والدته شارلوت تشامب ستيرنز فكانت معلمة وشاعرة ذات اهتمام ثقافي وأدبي. عاش إليوت طفولته بين سانت لويس ونيو إنجلاند، وفي هذه السنوات المبكرة احتك بعالم مختلف في طبيعته عن المدينة الصناعية: البحر، والصخور، والطقس، والصيادون، والعزلة. وكان فارق السن الكبير بينه وبين بعض إخوته سببًا آخر في ميله إلى عالم القراءة والوحدة الداخلية. لا ينبغي تحويل هذه التفاصيل إلى مفاتيح جاهزة لتفسير شعره، لكنها تظل جزءًا من المناخ الذي تشكلت فيه حساسيته الأولى حساسية ستعود لاحقًا في صور المدينة والعزلة والذاكرة والزمن، وفي ذلك التوتر المستمر بين العالم الخارجي والعالم الداخلي. كان العالم الذي دخل إليه إليوت يتغير بسرعة، وكان الإنسان الحديث يجد نفسه أمام مدينة متضخمة، وحياة تتسارع، وروابط قديمة تتعرض للاهتزاز. في هذا المناخ لم تعد القصيدة مجرد مساحة للتعبير عن الذات، بل أصبحت وسيلة للنظر في الإنسان وهو يواجه عالمًا لم يعد مستقرًا كما كان. ظهرت «أغنية حب ج. ألفرد بروفروك» سنة 1915، فقدم إليوت شخصية تعيش بين الرغبة والخوف، وبين التفكير والفعل. وليس التردد عند بروفروك حالة نفسية عابرة، بل يتحول إلى طريقة في رؤية العالم؛ إذ يصبح الوعي نفسه عائقًا أمام الحركة. وفي «بروفروك وملاحظات أخرى» سنة 1917، اتسعت إمكانات القصيدة لتستوعب المدينة والحديث اليومي والمشهد العابر والإيقاع الداخلي. لم تعد القصيدة بحاجة إلى موضوع شعري تقليدي كي تكون شعرًا؛ فالشارع، والنافذة، والمقهى، والوجوه العابرة يمكن أن تدخل القصيدة حين تمتلك اللغة القدرة على تحويلها. ثم جاءت «الأرض اليباب» سنة 1922 بوصفها إحدى العلامات الكبرى في تجربة إليوت. أصوات متعددة، وأزمنة متجاورة، وذاكرة شخصية وثقافية، وإشارات إلى الأسطورة والدين والأدب، ولغات وصور تتقاطع داخل بناء شعري يبدو متشظيًا في ظاهره. لكن هذا التشظي ليس مجرد لعبة شكلية إنه جزء من صورة عالم فقد كثيرًا من وحدته بعد الحرب، وأصبح الإنسان فيه يبحث عن معنى وسط الخراب والذاكرة والانقطاع. ومع ذلك، فالأرض اليباب ليست قصيدة خراب فقط. خلف الجفاف والموت والماء الغائب يظل سؤال التجدد حاضرًا، كأن القصيدة لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تبحث عن إمكان الخروج منها. في «الرجال الجوف» سنة 1925 يصبح الصوت أكثر قتامة وتجريدًا، ثم تأتي «أربعاء الرماد» سنة 1930 بنبرة أكثر اتصالًا بالتأمل الروحي، وصولًا إلى «الرباعيات الأربع» التي كتبها بين 1935 و1942، حيث تتعمق أسئلة الزمن والذاكرة والحركة والسكون والعلاقة بين الإنسان والوجود. وهكذا لا تبدو مسيرة إليوت مجرد انتقال من قصيدة إلى أخرى، بل تحوّلًا في طبيعة الأسئلة نفسها. بدأت المدينة والاغتراب في مساحة الوعي الفردي، ثم اتسعا إلى الزمن والذاكرة والمصير والمعنى. لم يفهم إليوت الحداثة بوصفها قطيعة مع الماضي. فالتراث عنده ليس متحفًا مغلقًا، بل مادة حية يمكن أن تدخل في تشكيل القصيدة الجديدة. ولهذا استطاعت قصيدته أن تجمع دانتي وشكسبير والأساطير القديمة والنصوص الدينية والشعراء السابقين إلى جانب الشارع الحديث والمدينة واللغة اليومية. لكنه لم يكن يعيد القديم كما هو كان يعيد ترتيبه داخل سياق جديد، بحيث يصبح الصوت القديم طرفًا في حوار مع الحاضر. ومن هنا تأتي إحدى خصائص حداثته القصيدة يمكن أن تكون شظية وصوتًا وذكرى وحوارًا وصورة، ومع ذلك تمتلك في أعماقها وحدة لا تقوم بالضرورة على الحكاية التقليدية. وفي هذا السياق تبرز فكرته المعروفة عن «لا شخصية الشعر». فالشاعر لا يضع حياته أمام القارئ كما هي، وإنما يحول التجربة الخاصة إلى مادة تتجاوز صاحبها. قيمة القصيدة لا تقاس بكمية السيرة الشخصية التي تكشفها، بل بما تفعله اللغة بهذه التجربة حين تصبح شعرًا. لذلك كان إليوت حديثًا وكلاسيكيًا في آن واحد يجدد شكل القصيدة وإمكاناتها، لكنه لا يرى التجديد ممكنًا من دون ذاكرة. وقبل أن يعرف الإنسان الكتابة، كان يترك أثره على الجدار، ويرسم الحيوان والإنسان، ويصنع التمثال، ويقيم الطقس، ويروي الحكاية. لم تكن هذه الأشكال أدبًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكنها كانت من البدايات التي حاول فيها الإنسان أن يفهم العالم وأن يمنح الخوف والرغبة والموت والحياة والدهشة صورة قابلة للحفظ. ومن الحكاية الشفوية والإنشاد والإيقاع نشأت صلات مبكرة بين الشعر والذاكرة الجماعية. ثم جاءت الكتابة لتمنح الحكايات والأناشيد قدرة على عبور الزمن، فظهرت الملاحم في الحضارات القديمة، من «ملحمة جلجامش» إلى الملاحم اليونانية وغيرها. ومع مرور القرون انتقلت الأسطورة من الحكاية والطقس إلى الشعر والمسرح والفكر والفنون. ولم يعد استخدامها في العصر الحديث يعني تكرارها، بل إعادة النظر فيها. قد يأخذ الشاعر شخصية أو صورة أو حدثًا قديمًا، ثم يضعه في سياق جديد ليقرأ من خلاله سؤالًا معاصرًا. وهذا ما فعلته الفنون الحديثة أيضًا بطرق مختلفة. فقد عاد فنانون إلى أشكال بدائية أو قديمة، لا ليعيشوا في الماضي، بل ليكتشفوا فيها إمكانات جديدة للتعبير. ويكفي أن نتذكر بيكاسو، الذي استطاع أن يستفيد من الأشكال القديمة وغير الأكاديمية في بناء لغة فنية حديثة. فالأسطورة ليست قطعة محفوظة في متحف، وإنما ذاكرة إنسانية يعيد كل عصر قراءتها من زاويته وأسئلته. ولم تكن الأسطورة عند إليوت زينة ثقافية تضاف إلى القصيدة، ولا محاولة للعودة إلى ماضٍ ميت. كانت وسيلة لإدخال الذاكرة البعيدة في التجربة الحديثة. في «الأرض اليباب» تتجاور صور الخراب والموت والجفاف مع أساطير الخصوبة والماء والتجدد، وتتداخل أصوات من عصور وثقافات مختلفة. لا يعيد إليوت سرد الأسطورة، بل يأخذ منها ما يسمح للحاضر بأن يرى نفسه في مرآة زمن آخر. ولهذا لا يحتاج القارئ بالضرورة إلى معرفة كل المصادر حتى يتلقى القصيدة فالإحالات توسع التجربة، لكنها ليست التجربة كلها. والأسطورة لا تقدم حلًا جاهزًا للأزمة، وإنما تكشف عمقها وتضعها في مدى تاريخي أوسع. لم يكن إليوت أول شاعر يستعيد الأسطورة، لكنه كان من أبرز شعراء الحداثة الذين استطاعوا إدخالها في نسيج القصيدة الحديثة دون أن تتحول إلى حكاية قديمة معاد سردها. وكان إليوت يرى الشعر أيضًا من موقع الناقد. سأل عن الطريقة التي تتشكل بها القصيدة، وعن علاقة الشاعر بمن سبقه، وعن الكيفية التي تتحول بها التجربة الشخصية إلى عمل يتجاوز صاحبها. في «التقليد والموهبة الفردية» أكد أن الشاعر لا يبدأ من فراغ، وأن الأصالة لا تعني تجاهل السابقين، بل الدخول في علاقة حية معهم وإعادة ترتيب المادة الموروثة. وفي حديثه عن «هاملت ومشكلاته» ارتبط اسمه بمفهوم «المعادل الموضوعي»، أي البحث عن صورة أو موقف أو مجموعة من الوقائع تستطيع أن تمنح الشعور تجسدًا فنيًا بدل الاكتفاء بالتصريح به. كما أسهم في إعادة الاهتمام بشعراء الميتافيزيقا، ولا سيما جون دن، ورأى في تجربتهم قدرة على الجمع بين الفكر والإحساس. ولم يكن إليوت ناقدًا يجلس خارج الأدب؛ فقد كان محررًا وكاتبًا وفاعلًا في الحياة الثقافية، وأسهم عبر المجلات والمؤسسات في تشكيل الذائقة الأدبية في عصره. ومع ذلك، فإن قيمة نقده لا تكمن في تحويل آرائه إلى قوانين نهائية للشعر، بل في الأسئلة التي فتحها حول القصيدة والتقاليد واللغة والتجربة وعلاقة الشاعر بالتاريخ. لم يأت إليوت من أرض خالية، كما لم تكن الحداثة مشروعًا بدأ باسمه. كانت هناك تيارات وشعراء وفنانون ومفكرون سبقوه وأسهموا في تشكيل المناخ الذي ظهر فيه. يظهر بودلير في خلفية التجربة الحديثة بوصفه أحد الذين جعلوا المدينة مادة شعرية الحشد والوحدة والملل والاغتراب. وقد دخل إليوت المدينة من منطقة مختلفة، إذ أصبحت المدينة عنده جزءًا من وعي حديث مأزوم، لا مجرد مكان خارجي. وكان دانتي حضورًا مهمًا في شعره ونقده، ولا سيما في قدرته على تحويل التجربة الروحية والفكرية إلى بناء شعري قادر على البقاء. كما وجد إليوت في شعراء الميتافيزيقا، وخاصة جون دن، نموذجًا لالتقاء الفكر والشعور، وهو ما انسجم مع بحثه عن قصيدة لا تفصل العقل عن العاطفة. أما علاقته بإزرا باوند فكانت مباشرة وعميقة. كان باوند من الذين انتبهوا إلى موهبة إليوت وساعدوا في تقديمه إلى الوسط الأدبي، كما كان له دور معروف في تحرير «الأرض اليباب» وصياغتها في صورتها المنشورة. لكن ذلك لا يعني أن باوند صنع إليوت؛ فقد كان إليوت قد بدأ منذ وقت مبكر في بناء صوته ورؤيته. وهكذا كانت الحداثة حركة متعددة المراكز، شاركت فيها أصوات فرنسية وأمريكية وإنجليزية وإيرلندية وغيرها. وما يميز إليوت في هذا السياق أنه استطاع أن يجمع تيارات مختلفة داخل لغة شعرية ونقدية واحدة، ثم يعيد تركيبها وفق رؤيته. أما تأثيره في الأجيال اللاحقة فلم يكن طريقًا واحدًا. أخذ منه شعراء وكتّاب، واختلف معه آخرون، ورفضه بعضهم، وتجاوزته تجارب أخرى. وهذا أمر طبيعي في الأدب؛ فالنص الكبير لا يعيش لأن الآخرين يكررونه، بل لأنه يدفعهم إلى الكتابة معه أو ضده أو بعده. تغيرت لغة الشعر وأوزانه وأشكاله ووسائطه، وانتقل من الإنشاد الشفوي إلى الكتابة، ثم إلى أشكال حديثة أكثر اتساعًا. لكن الأسئلة الأساسية التي دفعت الإنسان إلى قول الشعر لم تختفِ: الحب والموت والغياب والخوف والفرح والدهشة والزمن والطبيعة والآخر والبحث عن المعنى. حتى القصيدة التي تتحرر من الوزن لا تخلو من إيقاع، والقصيدة التي تتخلى عن الحكاية تحتاج إلى حركة وصورة وتوتر داخلي، واللغة البسيطة قد تحمل كثافة لا تقل عن اللغة المزخرفة. ومن هنا يمكن النظر إلى تاريخ الشعر بوصفه سلسلة من التحولات فوق أساس إنساني مشترك. لم تكن الحداثة إلغاءً لما سبق، كما أن العودة إلى التراث ليست بالضرورة تراجعًا. وفي هذا المجال تحديدًا تكمن أهمية تجربة إليوت لقد حاول أن يحمل تعقيد العصر الحديث من دون أن يقطع صلته بذاكرة الشعر. حين حصل إليوت على جائزة نوبل للآداب سنة 1948، لم يكن اسمه بحاجة إلى الجائزة كي يصبح معروفًا في الشعر والنقد. كانت مكانته قد ترسخت، وكانت أعماله قد أصبحت جزءًا من النقاش الأدبي الحديث. جاء التكريم في عالم خرج من حرب كبرى، وكان يعيد النظر في كثير من يقيناته القديمة. وفي هذا السياق بدت تجربة إليوت، بما حملته من أسئلة الخراب والقلق والذاكرة والمعنى، شديدة الصلة بالمناخ الثقافي لذلك الزمن. وقد منحت الأكاديمية الجائزة تقديرًا لإسهامه المتميز والرائد في الشعر الحديث. لكن الجائزة، مثل كل الجوائز، تظل لحظة تاريخية في مسيرة الكاتب، وليست حكمًا نهائيًا على الأدب كله. فالأدب لا يبقى بسبب مراسم التكريم، وإنما بسبب ما يبقى في النص بعد أن تنتهي المراسم. عبرت أعمال إليوت إلى لغات وثقافات عديدة خلال القرن العشرين، لكن انتقالها لم يكن سهلًا. فقصيدته تقوم أحيانًا على الإيقاع وتعدد الأصوات والإشارات الثقافية والاقتباسات والانتقال بين الأزمنة، وهي عناصر لا تنتقل من لغة إلى أخرى بمجرد نقل الكلمات. ولهذا تصبح الترجمة في حالة إليوت نوعًا من إعادة الخلق. وقد يجد قارئ في ثقافة أخرى إليوت مختلفًا قليلًا عن إليوت الذي قرأه قارئ إنجليزي، تبعًا لما تسمح به لغته وثقافته وذاكرته الأدبية. ومع ذلك، استطاعت قصائده أن تعبر الحدود لأنها لا تقوم على الإحالات وحدها. فأسئلة المدينة والوحدة والخوف والذاكرة والزمن والحرب وفقدان المعنى تستطيع أن تصل إلى قارئ لا يعيش البيئة نفسها. كما امتد حضوره خارج الشعر إلى النقد والدراسات الأدبية، وإلى الأسئلة المتعلقة بالتقليد والتجربة وعلاقة الشاعر بتاريخ الأدب. وليس استمرار حضوره اليوم مرتبطًا بكثرة المقلدين له فالتأثير الأعمق هو الذي يتحول إلى سؤال، ثم يدخل في حوار مع أصوات جديدة. خلف الشاعر والناقد والمفكر إنسان له حياته الخاصة، وعلاقاته، وخياراته، وعزلته، وتناقضاته. كانت حياته الزوجية مع فيفيان هاي وود معقدة وانتهت بالانفصال، وتركت آثارًا في حياة الطرفين. وليس من الدقة اختزال هذه العلاقة في تفسير واحد، كما لا يصح تحويلها إلى محكمة أخلاقية، أو محوها تمامًا من سيرة الرجل لأننا أمام شاعر كبير. كان إليوت شديد الميل إلى الخصوصية والانضباط، وكان يميل إلى تحويل التجربة أكثر من عرضها بصورة مباشرة. ولهذا فإن البحث عن أصل كل صورة شعرية في حادثة من حياته قد يضيّق القصيدة بدل أن يوسعها. الأهم أن نراه إنسانًا قبل أن نراه اسمًا أدبيًا: شخصًا له قدراته وحدوده وتوتراته، مثل كل إنسان. لا حاجة إلى تبرئته ولا إلى إدانته، كما لا حاجة إلى تحويله إلى صورة مثالية أو إلى شخصية تختزلها ظلالها. حين نبتعد قليلًا عن الهالة التي أحاطت باسم ت. س. إليوت، ونترك الجوائز والشهادات النقدية والقراءات المتراكمة جانبًا، يبقى أمامنا شاعر دخل تاريخ الشعر الحديث لأنه استطاع أن يرى زمنه بقلق شديد، وأن يبحث في اللغة والتراث والأسطورة والذاكرة عن طريقة تجعل هذا القلق قابلًا لأن يتحول إلى شعر. لم يكن إليوت أول من اكتشف المدينة الحديثة، ولا أول من استعاد الأسطورة، ولا أول من عاد إلى الشعراء القدامى، ولم تبدأ الحداثة معه. قبله كان شعراء ومبدعون فتحوا طرقًا جديدة، وبعده جاءت أجيال تجاوزته أو اختلفت معه أو أخذت منه ثم ذهبت إلى أماكن أخرى. وهذه ليست انتقاصًا من مكانته، بل هي الطريقة الطبيعية التي يعيش بها الأدب. الشاعر الكبير لا يكون عظيمًا لأنه يقف خارج التاريخ، وإنما لأنه يدخل فيه ويترك أثرًا يستطيع من يأتي بعده أن يحاوره. وقد استطاع إليوت أن يجعل القصيدة الحديثة أكثر قدرة على حمل التعدد: أصوات مختلفة، وأزمنة متجاورة، وذاكرة شخصية وثقافية، وأساطير وحياة يومية، وفكر وإحساس. لكنه ظل، في الوقت نفسه، ابن عصره وثقافته، تحمل تجربته حدودها وأسئلتها ومرجعياتها، ولذلك فإن قراءته اليوم لا تعني قبول كل ما قاله أو جعله معيارًا نهائيًا للشعر. وربما تكمن إحدى أهم خصائص تجربته في أنه أعاد التذكير بأن الحداثة ليست نسيانًا للماضي. فالقصيدة تستطيع أن تنظر إلى المستقبل وهي تحمل شيئًا من الذاكرة، وأن تستفيد من القديم دون أن تعيش فيه. ومن هذه المنطقة التقى إليوت بكثير من الشعراء الذين سبقوه، ثم أصبح هو نفسه جزءًا من الذاكرة التي سيعود إليها شعراء آخرون. ومن «الأرض اليباب» إلى «الرباعيات الأربع» تغيرت نبرة إليوت، وتغيرت أسئلته، لكن بقي هاجس الإنسان حاضرًا الإنسان أمام الزمن، وأمام الخراب، وأمام الذاكرة، وأمام حاجته إلى معنى يتجاوز اللحظة. وهذا ما يجعل بعض شعره قابلًا لأن يعبر إلى قارئ لا يعيش مدينته ولا زمنه ولا مرجعياته كاملة. لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم هل كان إليوت أعظم شعراء عصره؟ فمثل هذه الأسئلة تضيق الشعر وتحوله إلى مسابقة. السؤال الأجدر هو ماذا أضاف إلى الطريق الطويل الذي سلكه الشعر منذ أن كان صوتًا في فم الراوي، وصورة على جدار الكهف، وحكاية تُنشد في الليل، ثم صار نصًا مكتوبًا يعبر القرون واللغات؟ لقد أضاف إليوت طريقته الخاصة في النظر إلى الإنسان الحديث، وفي إعادة وصل الحاضر بذاكرة الشعر، وفي تحويل التشظي نفسه إلى مادة شعرية. ثم مضى، كما يمضي كل شاعر، وبقيت القصيدة تواجه الزمن بدلًا منه. وهنا ربما يكون الإنصاف الأخير لإليوت أن نضعه حيث ينبغي لا فوق الشعر، ولا خارج تاريخه، ولا في صورة مكتملة لا تقبل المراجعة بل داخله، بين من سبقوه ومن جاءوا بعده. شاعرًا كبيرًا، وناقدًا مؤثرًا، وإنسانًا له تعقيداته وحدوده، ترك في مسيرة الشعر أثرًا يستحق أن يُقرأ، وأن يُناقش، وأن يُختلف معه، وأن يُكتشف من جديد. فالأدب الذي يبقى ليس هو الذي يُحاط بالهالة، وإنما الذي يستطيع، بعد أن تهدأ الهالات كلها، أن يظل قادرًا على مخاطبة إنسان آخر لم يولد بعد.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- راقية مهدي المرأة والذاكرة والوطن في أفق الكتابة
- أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.
- هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
- سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة
- غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
- يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ
- فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
- بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
- الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
- حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
- روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
- يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان ...
- لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف ...
- النغم الجليل المبارك
- إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
- لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
- من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
- عقلنة الكلمات
- جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
- بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل


المزيد.....




- أصالة تعود إلى سوريا.. وصول أشعل الترند وبروفات تسبق ليلة دم ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح الباريسي
- تايلاند تهدي المكتبة الوطنية الروسية في بطرسبورغ نسخة من -تي ...
- راستوغويف يستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الملحنين
- كشف أثري تاريخي في مصر يحل لغز حماية الحدود الغربية
- مصر تنجح في استرداد قناع ذهبي أثري من سويسرا
- التعليم العالي: فتح باب تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الفنية ...
- روسيا.. مديرة معرض تريتياكوف تعلن إحياء المجلة الفنية
- 95 عاما من سحر العرائس.. مسرح أوبرازتسوف وصاحب العرض القياسي ...
- فنانون ينسحبون من جولة المغني إد شيران احتجاجا على استبعاد م ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر