أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ميشيل الرائي - «الكتابة إلى امرأة من الدار البيضاء اسمها أميمة ملاك»















المزيد.....

«الكتابة إلى امرأة من الدار البيضاء اسمها أميمة ملاك»


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 16:02
المحور: سيرة ذاتية
    


أكتب الآن ولا أعرف من أين يبدأ هذا النص لأن البداية نفسها موضع شك ربما لم تبدأ في اللحظة التي أفتح فيها هذه الصفحة وربما كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير في مكان لا أستطيع الوصول إليه إلا متأخرًا بعد أن يكون قد حدث وانتهى وترك وراءه أثرًا يشبه الجملة أكثر مما يشبه الذكرى ولهذا لا أستطيع أن أقول إنني أتذكر ما حدث لأنني كلما حاولت أن أتذكر اكتشفت أنني أضيف شيئًا إلى ما أتذكره وأن ما أسميه ماضيًا لا يظهر لي إلا بوصفه شيئًا يعاد تركيبه الآن

في الثانية عشرة كتبت على ورقة صغيرة «أنا لا أنتمي ولا أرث» لا أتذكر أين كانت الورقة ولا من كان في الغرفة ولا لماذا بدت الجملة في ذلك الوقت ضرورية إلى هذا الحد ربما لم أكن أعرف معناها وربما كان عدم معرفتي هو معناها الأول كتبتها ثم تركتها ومضيت لكن الجملة لم تتركني لم تختفِ في الماضي كما ينبغي لجملة طفولية أن تختفي بل بقيت تتحرك في الظل كلما حاولت أن أقول هذا أنا كانت تصل قبلي وكلما وضعت اسمًا فوق نفسي كانت تزيح الاسم قليلًا كأنها لا ترفض الاسم بقدر ما ترفض أن يكون الاسم هو النهاية

شاعر

مسرحي

سينمائي

كاتب

مخرج

باحث

فيلسوف

أسماء كثيرة مرّت على الجسد ولم يستقر أيٌّ منها طويلًا كنت أقترب من الشعر ثم أخرج منه قبل أن يغلق بابه خلفي أدخل المسرح كمن يدخل غرفة مضاءة ثم أكتشف أن الضوء ليس لي أذهب إلى السينما وأحمل معي صورة لا أعرف كيف أصورها أكتب ثم أشك في الكاتب أترجم ثم أشك في اللغة نفسها أصوّر وأمثل وأبني السينوغرافيا وأشتغل على الضوء وأبحث في الأفكار وكأنني لا أمارس الفنون بقدر ما أختبر حدود الاسم الذي يمكن أن يمنحني مكانًا فيها ثم أكتشف في اللحظة نفسها أن المكان بدأ يطالبني بأن أبقى

وأنا لا أبقى

منذ الخامسة عشرة بدأت أترجم من الألمانية والفرنسية لم تكن الترجمة عندي عبورًا هادئًا من لغة إلى أخرى كانت أشبه بفتح باب في جدار اللغة التي ولدت فيها كنت أدخل النص وأخرج منه وفي كل مرة كان شيء مني يبقى في الجهة الأخرى وما يقارب ثلاثة وثلاثين دفترًا من السرد ما زالت تحمل آثار تلك الرحلات ثلاثة وثلاثون دفترًا لا أعرف اليوم إن كنت قد كتبتها أم أن الكتابة كانت تستعمل يدي كي تترك في مكان ما أشخاصًا لم أكن أعرف أنهم سيعودون إليّ بعد سنوات

لهذا أخاف من الكتابة

ليس لأنها تكشفني

بل لأنها قد تكون الطريقة التي لا أعود بعدها أعرف من الذي انكشف

أنا أم الشخص الذي كتبته

الكتاب لا يجيب

وهذه ربما إحدى طرقه في الكلام

تفتحه وأنت تظن أنك ستجد فكرة فتجد نفسك وقد فقدت الفكرة التي جئت بها تقرأ الفلسفة لا لكي تصل إلى بيت فكري بل لكي تكتشف أن البيت الذي كنت تسميه بيتًا لم يكن سوى جدار مؤقت ولهذا أعيش الآن بين «الذات بين الوجود والإيجاد» لابن سالم حميش وقد بلغت الصفحة الخامسة والأربعين و«ما وراء الفن» للدكتور أحمد حمدي محمود و«الخروج من مصر مشاهدات ومجادلات من سيرة ذاتية» لإيهاب حسن بترجمة السيد إمام وفي مكان آخر من هذه الحياة أكتب نحو مئتين وخمسين سؤالًا بلغت الصفحة الخامسة والأربعين منها أيضًا ولا أعرف إن كنت أبحث عن جواب أم أدرّب السؤال على ألا يموت

حتى الكتب لا أضعها كلها في مكان واحد لدي مكتبة صغيرة في الحمام داخل خزانة زجاجية تحمي الكتب من الماء وبينها طبعات ألمانية من نيتشه بينما بقية أعماله الكاملة في المكتبة الرئيسية وأحيانًا أفكر أن الأمر ليس غريبًا كما يبدو فالكتاب الذي يجاور الماء ربما يعرف أكثر من غيره معنى البقاء فالورق يحتاج إلى شيء يحميه من التحلل وأنا أيضًا لا أعرف تمامًا ما الذي أحاول حمايته

ثم خرج القلق من الرأس

هذه المرة لم يبقَ في الداخل

خرج إلى الشارع

وصل إلى مدينة اسمها الدار البيضاء

أكثر من عشر مرات كنت أصل إليها وفي رأسي شيء مكتمل تقريبًا نص وخطة وطاقم وأماكن ومال دفعته من جيبي وأسماء وأدوار ولقطات أعرف مواقعها قبل أن أصل إليها ثم يحدث ذلك الشيء الصغير الذي لا يبدو مهمًا في البداية

أصل

أنظر

أصمت

أعيد النظر

وفجأة أشعر أن المدينة لا تطابق الصورة

لا لأنها مختلفة

بل لأنها أكثر مما ينبغي

كنت أعود دون أن أستطيع أن أشرح ما الذي جعلني أعود

ومع كل عودة كان المشروع يفقد شيئًا من صلابته حتى صار ما كنت أظنه فيلمًا يتحول إلى سؤال ثم إلى ظل ثم إلى شيء لا أعرف هل كان موجودًا أصلًا أم أنني أنا الذي منحته وجوده

ومن هنا بدأت المرأة

لا اسم

لا وجه كامل

مجرد أثر

امرأة في نهاية شارع

انعكاس خلف زجاج مقهى

كتف يمر خارج الإطار

صورة ينقصها شخص

حلم أستيقظ منه قبل أن أعرف من كانت

كنت أراها دون أن أراها

وهذا هو الجزء الذي لا أعرف كيف أكتبه لأن الكتابة كلما حاولت أن تمنح الغائب وجهًا جعلته أقل غيابًا وكلما حاولت أن تثبته داخل الجملة بدأ في الخروج منها

كنت أصور مكانًا فأفكر فيها

أكتب مشهدًا فتدخل الجملة من دون استئذان

أستيقظ ليلًا وأمد يدي إلى الهاتف قبل أن أعرف لمن

ثم أكتب سؤالًا

لا جوابًا

وفي الصباح لا أتذكر الوجه

أتذكر السؤال

فقط

كأن الذاكرة لم تحفظ المرأة بل حفظت الفراغ الذي تركته

ولم أكن أقول اسمها

الاسم نفسه كان مؤجلًا

كأنه يعرف أن ظهوره مبكرًا سيقتل شيئًا

ثم جاء

أميمة

ومنذ تلك اللحظة لم تعد الدار البيضاء هي المدينة التي كنت أظن أنني أعرفها

الشارع صار يحمل احتمالًا

المقهى صار مكانًا لشخص قد يأتي ولا يأتي

البحر لم يعد بحرًا فقط

والصورة لم تعد صورة

صار فيها دائمًا شخص غير موجود

وهنا بدأت أشك في السؤال نفسه

هل دخلت أميمة إلى الدار البيضاء

أم أنني دخلت الدار البيضاء ومعي أميمة دون أن أعرف

هل كانت المدينة هي التي استقبلتها

أم أنني كنت أبحث في المدينة عن طريقة تجعل غيابها قابلًا للرؤية

لا أعرف

وكل إجابة تبدو لي الآن محاولة لإغلاق شيء لم يكن يريد أن يغلق

ثم جاءت فريدا من مكان آخر من زمن آخر من جسد آخر من تاريخ لا علاقة له بتاريخي ومع ذلك كانت هناك في الغرفة نفسها في الصورة نفسها في الرأس نفسه

فريدا هنا

أميمة هناك

وأنا في المسافة

لا أبحث عن التشابه لأن التشابه سهل أكثر مما ينبغي

أبحث عن الشق

عن الاختلاف حين لا يكون اختلافًا بين امرأتين فقط بل بين زمنين وصورتين وذاكرتين وطريقتين في أن تكون المرأة حاضرة حتى حين لا تكون أمامك

وفجأة صارت الدار البيضاء غرفة مونتاج لا مدينة

المغرب إلى جانب المكسيك

الطفولة إلى جانب المرأة

الكتاب إلى جانب الجسد

الصورة إلى جانب ما لا يظهر فيها

الحلم إلى جانب ما حدث

وما لم يحدث إلى جانب ما أصر على أن يبدو كأنه حدث

لم يعد الزمن خطًا

صار قطعًا

لقطة

ثم قطع

وجه

ثم بحر

ثم دفتر

ثم شارع

ثم امرأة لا يظهر وجهها

ثم صوت يأتي من خارج الصورة

ثم أنا

أو ما أظنه أنا

كنت أعود إلى الدار البيضاء لا لكي أضيف شيئًا إلى المدينة بل لكي أعرف ماذا فعلت المدينة بي ولم أكن أخرج من كل عودة بفكرة جديدة بل بفقدان جديد لشيء كنت أظنه يقينًا

وهنا عادت الجملة

لا بوصفها ذكرى

بل بوصفها شاهدًا

«أنا لا أنتمي ولا أرث»

فهمتها متأخرًا

ربما لم تكن الجملة رفضًا للانتماء بقدر ما كانت خوفًا من امتلاك ما أنتمي إليه

أن يتحول المكان إلى ملك

والحب إلى حق

والمرأة إلى تعريف

والصورة إلى دليل

والكتاب إلى هوية

والمدينة إلى ذاكرة مغلقة

كنت أريد أن أحب دون أن أمتلك

أن أكتب دون أن أختصر

أن أرى دون أن أضع نهاية لما أراه

ولهذا ربما بقيت بعض الأشياء ناقصة

ليس لأنني عجزت عن إكمالها

بل لأن الاكتمال نفسه صار يبدو لي شكلًا آخر من أشكال المصادرة

بقيت الدار البيضاء مفتوحة

وبقيت أميمة خارج الكادر

وبقي ظلها في الصورة

وبقيت فريدا في المسافة التي لا تصل إليها اليد

وبقيت دفاتري ممتلئة بأشخاص لا أعرف إن كانوا شخصيات أم شهودًا عليّ

وبقيت الجملة

كلما ظننت أنني تجاوزتها وجدتها أمامي

لا تقول لي من أنا

بل تمنعني من أن أقول إنني عرفت

«أنا لا أنتمي ولا أرث»

وربما لهذا أكتب الآن

لا لكي أصل إلى نفسي

بل لكي أكتشف لماذا كلما اقتربت منها

ابتعدت



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا فعلت الذاكرة بالمرأة المغربية؟
- مكناس التي لم يقلها بنسالم حميش
- اللامسرح : نقد مفهوم المسرح
- الكتابة إلى امرأةٍ تركت تاريخها في الدار البيضاء
- أميمة وفريدا كاهلو وأنا في الدار البيضاء
- لماذا أكتب عنكِ في البداية
- هَوَامِشُ دَاخِلِيَّة
- من رسائلي إلى أميمة ملاك
- من رسائلي الى أميمة ملاك 2
- رحلة السيدة إيما ضد غباء السينما 2
- ضدّ المصطلح
- Le voyage de Madame Emma contre la bêtise du cinéma
- الاسم الذي يعرف الطريق
- كراريس القديسة أيما / أشكال التمثال
- الجسد الأحمر للقصيدة
- المكين بوصفه أنطولوجيا حركية للمكانية
- **قصيدة حب إلى أميمة**
- نشوةٌ آلية / أميمة ملاك
- Poème d’amour à Oumayma Malak
- أميمة ملاك: حين تتحول الذاكرة إلى فضاء


المزيد.....




- شاهد.. كيف رد ترامب على تزويد الصين إيران بمعلومات عن قواعد ...
- محاولة الصمود وتجاوز الأزمات.. ما هو القاسم المشترك في حفل ت ...
- وزارة الدفاع الإماراتية تنعى رائدًا ومرشّحًا فارقا الحياة خل ...
- مقاتلات روسية تشن غارات جوية بقنابل -فاب-500- على مواقع العد ...
- وسط احتجاجات في عدة محافظات، كيف تفاعل السوريون مع قرار رفع ...
- -الجدار الناري- تحت الاختبار.. هل يفقد فعاليته أمام البديل؟ ...
- تقارير إعلامية: مصر ترفض مقترح الحوثيين للتواصل المباشر
- ترويكا.. الحلقة الـ60
- رئيس أركان الجيش السوداني: أسرتي دفعت الثمن في الأيام الأولى ...
- الطائرات المسيرة الانقضاضية الروسية تدمر سفينتين أوكرانيتين ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ميشيل الرائي - «الكتابة إلى امرأة من الدار البيضاء اسمها أميمة ملاك»