أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - الاسم الذي يعرف الطريق















المزيد.....

الاسم الذي يعرف الطريق


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 04:49
المحور: الادب والفن
    


كنتُ في تونس قبل عشرة أيام

أقول ذلك الآن لأنني أحتاج إلى تاريخ أضعه في بداية الحكاية، لا لأنني متأكد من أنني كنت هناك فعلًا

كل ما أعرفه أنني أتذكر الضوء

ضوءًا أبيض أكثر مما ينبغي
شمسًا معلقة فوق المدينة كأنها لم تكن شمسًا بل ذاكرة قديمة للنهار

أتذكر الطريق
ولا أتذكر إلى أين كنت ذاهبًا

أتذكر بابًا فُتح في لحظة ما
وأتذكر اسمًا

أما ما بين هذه الأشياء فقد صار مع الوقت ضبابًا كثيفًا، وكلما حاولت أن أستعيد التفاصيل شعرت أن شيئًا ما يعيد ترتيبها قبلي

كأن الذاكرة ليست لي

كانت تونس هادئة على نحو غريب

ظلال قصيرة تتكسر على الجدران
أصوات تأتي من الأزقة ثم تختفي
رائحة قهوة باردة
محرك سيارة بعيد
امرأة تعبر الشارع وهي تتحدث في الهاتف
ثم فراغ

كنت أمشي دون وجهة واضحة

وكان يراودني إحساس لا أعرف من أين جاء

أنني لا أزور المدينة

بل أعود إليها

وأن شيئًا ما حدث لي فيها قبل أن أولد

كانت أسماء كثيرة تمر في رأسي وأنا أمشي

عز الدين المدني
الفاضل الجعايبي
الفاضل الجزيري
المنصف السويسي
محمود المسعدي
جليلة بكار
رجاء بن عمار

أسماء أعرفها
أو أظن أنني أعرفها

ثم بدأت الأسماء تختلط بالأمكنة

والأمكنة بالسنوات

والسنوات بوجوه لا تظهر كاملة

وفي لحظة ما، دون سبب واضح، ظهر اسم آخر

أميمة

توقفت

لا أعرف لماذا

كنت وحدي

قلت الاسم بصوت منخفض

أميمة

ثم مشيت

في المساء ذهبت إلى منزل صديق

أو هكذا أتذكر

الغريب أنني حين أحاول الآن أن أتذكر وجهه لا أستطيع

أتذكر صوته فقط

أتذكر يده وهي تشير إلى شيء خلفي

وأتذكر نافذة مفتوحة

وضوءًا يتحرك ببطء على الجدار

ولا أتذكر متى دخلت

ولا من كان موجودًا

كأنني بدأت الحكاية من منتصفها

كنا نتحدث

عن المسرح ربما

عن تونس ربما

عن شيء لا علاقة له بما سيحدث

ثم قال صديقي، دون أن ينظر إلي:

— أريد أن أعرّفك إلى صديقة عزيزة

قلت:

— من؟

قال:

— ستأتي

ثم سكت

نظرت إلى النافذة

كان الضوء يتحرك على الجدار

لسبب ما شعرت أنني رأيت هذا المشهد من قبل

ليس في تونس

في مكان آخر

أو في حلم

أو في حياة لم أعشها

بعد دقائق سُمِع طرق خفيف على الباب

نظر الجميع نحوه

وأنا وحدي نظرت إلى صديقي

كان يبتسم

فتح الباب

دخلت شابة في العشرينيات

لا أعرف لماذا انتبهت إليها في تلك اللحظة

ولا لماذا شعرت، قبل أن تتكلم، أنني أعرف صوتها

حيّت الجميع

جلست

نظرت إلي

ثم أشاحت بعينيها

قال صديقي:

— هذه أميمة

تجمدت

للحظة شعرت أن الغرفة ابتعدت عني

ثم قلت:

— لا تقلها

نظر إلي باستغراب

— لماذا؟

قلت:

— لأنني أعرف هذا الاسم

قال:

— قلت إنك لا تعرفه

— كنت مخطئًا

ابتسم

— أخيرًا اعترفت

هززت رأسي

— لا تفهم

— إذن افهمني

سكت

كانت أميمة تنظر إلي

قالت:

— من هي أميمة؟

رفعت عيني إليها

ثم أنزلتهما

— لا أعرف

قال صديقي:

— كاذب

ضحك

ثم قال الاسم مرة أخرى

— أميمة

انطفأت الأصوات من حولي

لم أسمع أحدًا

حتى صوت أنفاسي بدا بعيدًا

ثم سمعت شيئًا

صوتًا خافتًا جدًا

قريبًا جدًا

— لا تخرج

تجمدت يدي

نظرت إلى الباب

كان مفتوحًا

قلت في داخلي:

هذا وهم

جاء الرد:

— أعرف أنك تفكر بذلك

رفعت رأسي

نظرت إلى أميمة

كانت صامتة

قلت:

— هل قلتِ شيئًا؟

قالت:

— لا

نظر صديقي إلي

— ميشيل؟

لم أجب

— ماذا بك؟

قلت:

— هل قلت شيئًا الآن؟

— ماذا؟

— الاسم

— أي اسم؟

نظرت إليه

— أميمة

تغير وجهه

أو ربما لم يتغير

لا أعرف

قلت:

— قل الاسم

تراجع قليلًا

— لماذا؟

همست:

— أريد أن أتأكد

قال:

— من ماذا؟

— فقط قلها

نظر إلى أميمة

ثم إلي

وقال:

— أميمة

جاء الصوت فورًا

— لا تختبرني

شهقت

وضعت يدي على أذني

قال صديقي:

— ماذا تسمع؟

— لا شيء

— إذن لماذا ترتجف؟

نظرت إليه

لأول مرة شعرت أن وجهه ليس وجهه

كان هناك شيء خاطئ

شيء صغير

في العينين ربما

أو في الطريقة التي كان ينطق بها اسمي

قلت:

— منذ متى تعرفني؟

صمت

قال:

— ماذا تقصد؟

— منذ متى؟

لم يجب

التفت إلى أميمة

كانت تنظر إلى الباب

وليس إلي

قلت:

— ماذا هناك؟

قالت:

— لا شيء

ثم أضافت:

— أنت فقط تأخرت

نظرت إليها

— عن ماذا؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة

— عن نفسك

لم أفهم

ثم جاء الصوت

أوضح هذه المرة

— ستخرج من هنا وستندم

نظرت إلى الباب

كان مفتوحًا

الممر خلفه مظلمًا

مع أنني كنت أرى ضوءًا في نهايته

قلت لنفسي:

سأخرج

جاء الرد:

— جرّب

تراجعت خطوة

قال صديقي:

— أنت تحدق في الباب منذ دقيقة

قلت:

— لأنها هناك

— من؟

لم أجب

قال:

— أميمة؟

أغمضت عيني

— لا تقل الاسم

قال:

— أميمة

فتحت عيني

كانت أميمة واقفة

لم أرها تنهض

لم أسمع الكرسي يتحرك

كانت واقفة فقط

قالت:

— لا تخرج

نظرت إليها

— لماذا؟

قالت:

— لأنك عندما تخرج ستتذكر

— ماذا؟

اقتربت خطوة

— أنك لم تأتِ إلى هنا من أجلنا

صمت

قلت:

— من أجل من؟

نظرت إلى صديقي

ثم إلي

وقالت:

— من أجلك

في تلك اللحظة شعرت أن شيئًا ما انكسر داخل ذاكرتي

تذكرت الطريق

تذكرت الشمس

تذكرت الباب

ثم تذكرت شيئًا آخر

كنت قد رأيته قبل هذا المساء

امرأة تقف في نهاية شارع

تنظر إلي

وتقول:

أميمة

لكنني لم أكن أعرف آنذاك أنني كنت أنظر إليها

كنت أظن أنني كنت أنظر إلى نفسي

فتحت عيني

كان الباب أمامي

والطريق خلفه

والاسم بينهما

قال صديقي:

— هل ستخرج؟

قلت:

— نعم

قالت أميمة:

— لا

لم أنظر إليها

خطوت نحو الباب

ثم سمعت صوتها خلفي:

— إذا خرجت فلن تستطيع العودة

توقفت

قلت:

— إلى أين؟

لم تجب

خرجت

وأغلقت الباب خلفي

لثانية واحدة ظننت أنني نجوت

ثم سمعت صوت طرق خفيف من الجهة الأخرى

طرقة

ثم طرقة ثانية

ثم صوتها

هادئًا

قريبًا

كما لو أنها لم تكن خلف الباب أصلًا

— أميمة

توقفت في الممر

لم ألتفت

ثم قالت:

— الآن عرفت أين أنا

ظللت واقفًا

ثم فهمت شيئًا جعلني عاجزًا عن الحركة

الصوت لم يكن يأتي من خلف الباب

كان يأتي من جيبي

أخرجت هاتفي

كانت الشاشة مضاءة

وكان هناك تسجيل صوتي لم أقم بتسجيله

شغّلته

سمعت صوتي

صوتي أنا

يقول:

— لا تقل الاسم

ثم جاء صوتها

من التسجيل نفسه

— لا تخرج

توقفت عن التنفس

رفعت رأسي نحو الباب

كان مغلقًا

لكنني رأيت من تحته ظلًا

ظل شخص يقف في الداخل

ثم انحنى الظل ببطء

كما لو أن صاحبه كان يضع أذنه على الأرض ليستمع إلي

وجاء الصوت للمرة الأخيرة:

— ميشيل

لم أجب

— هل تذكر الآن؟

نظرت إلى الممر

ثم إلى الهاتف

ثم إلى الباب

ولم أعد أعرف أيهما كان خارجًا

وأيهما كان في داخلي



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كراريس القديسة أيما / أشكال التمثال
- الجسد الأحمر للقصيدة
- المكين بوصفه أنطولوجيا حركية للمكانية
- **قصيدة حب إلى أميمة**
- نشوةٌ آلية / أميمة ملاك
- Poème d’amour à Oumayma Malak
- أميمة ملاك: حين تتحول الذاكرة إلى فضاء
- شيئًا مؤجلًا لا يُمتلك نهائيًا
- محاكاة لانهيار اللغة وإعادة تشكّلها داخل الدماغ
- الدار البيضاء / برلين / الصفر
- قصيدة حب إلى أميمة / كلما سألتُ نفسي: أين أنا؟ أجابتني هي
- رحلة القديسة أميمة ملاك ضد غباء السينما / (كازابلانكا دار لي ...
- أهذا اللون أنتِ؟
- هاملت في كازابلانكا
- في اللامسرح: أو في ما يؤجّل المسرح
- أيُّ ثلج؟
- Casablanca 2
- الصورة التي تقاوم غيابهات
- ميتافيزيقا الميم الثانية
- الكتابة إلى امرأةٍ لم أكتب اسمها، حتى لا يصبح أقلَّ اتساعًا ...


المزيد.....




- بعد استقالة -رجل المسيّرات-.. مصادر لـCNN: مخاوف في الجيش ال ...
- رحيل خالد كافو.. الكوميديا الليبية تفقد أحد أبرز وجوهها
- البحر الأحمر السينمائي: حضور بارزفي مهرجان البندقية السينمائ ...
- -أنت لا تنتمي إلى هنا-: أسلوب سينمائي مختلف يكشف تغيّراً في ...
- كلاكيت: عندما أفَلَ النجمُ عن عرش السينما
- باسل خياط ومكسيم خليل وجها لوجه للمرة الأولى.. صراعٌ مرتقب ف ...
- بيومي فؤاد يكشف تفاصيل حالته الصحية
- -يا المقنين الزين-.. حين أنقذت أغنية جزائرية شهيدا من النسيا ...
- التعليم العالي تعلن تفاصيل قبول الطلاب الحاصلين على الشهادات ...
- التعليم العالي: «القاهرة 2026» تتجاوز حدود المنافسات الرياضي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - الاسم الذي يعرف الطريق