ميشيل الرائي
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 08:26
المحور:
الادب والفن
الكتابة إلى الشاعرة المغربية أميمة ملاك
لو افترضنا أن هناك خطًا وهميًا
يمتد من غيابنا إلى غيابنا
يبدأ من اللامكان الذي أتحرك فيه
وينتهي في اللامكان الذي تقف فيه
«بينما تتحرك المدينة من تحتها.»
فإن هذا الخط لا يكبّر المسافة ولا يصغّرها؛ إنه يربّي لها جسدًا آخر، ثم يتركها تمشي وحدها بيننا.
لا يمكننا الآن
(23 h 07 — Casablanca, Maroc)
أن نفترضه ثابتًا أو نفترضها ثابتةً.
ربما تتحرك الآن، في ذلك اللامكان الذي لا أعرفه، تفتّش بين الأشياء التي يمكن أن تُسكّن الجسد: عن دوائها، عن زجاجة ماء، أو عن خمرٍ رخيصٍ تستطيع أن تودع فيه آلامها، ولو مؤقتًا
هل تحرّكي نحوها يجعل الخط الوهمي يعتقد أنه يُسمّي؟
لأن ثباته أو ثباتها هو النقيض الخفي للثبات ذاته.
ربما كان ثابتًا إلى الحد الذي جعله يتحرك.
فالشيء الذي لا يستطيع الانتقال يبتكر حركةً أخرى.
وهو يتحرك دون أن ننتقل فيزيائيًا.
ما الذي يجعل استحالة محو ذلك الخط الوهمي، الطاقي، التبادلي، ممكنة؟
وما الذي يجعل استحالة استبداله ممكنة أيضًا؟
هل يبتكر الممرات حيث يتراكم البرد ثم يتبدّد؟
عندما تشعر أجسادنا بالرغبة، بوُعودٍ مجنونة من الآلهة، في الفراغ الذي يأتي، حيث يستشيط الظل غضبًا، ينام طائر الصفير الذهبي، باللون الأصفر، في المجثم.
سحبٌ من الغبار تعبرها أوامر نُباحيّة.
لقد تعافت النسور الرخامية من سقوطها، واسترخت على الأرصفة.
لم يُعاقَب أحد على جرائم قتل ألف طائر سنونو.
(مستشفى الطب النفسي المركزي)
تتفرّق الطيور أثناء طيرانها، مخنوقةً بفسادك.
الغابات تتحول إلى عظام.
تعالي وقبّليني، مخلبَ الخريف الدامي.
---
العري القديم
قصيدة حب لامرأة أمازيغية
سأهرب إلى العري القديم، عري الأرض التي لم أعد فيها.
حين تنام النار على حصير رمادها، تختبئ القبيلة في الظلام.
تخترق النيران الجانب الكئيب من السماء في عدة أماكن.
يد خفية أزاحت الستار الأخير.
في أعلى السماء، أما الأخرى في الأسفل، فقد نسجت لأعيننا صفاء الملل الرمادي، حيث يرغب المرء غالبًا في تلميع حجر الراحة.
أيدي مزدوجة لهذا الباب:
أن تبقى شائعات العالم على الهامش من غرفنا.
السماء الشاسعة وقد طُهّرت من الموت.
الساعة تبسط أجنحتها الثلجية عند أقدامنا.
كنيسة الزهور الحمراء التي ضاعت رقصتها.
الدانتيل الزجاجي ينتشر حوله، قفص من الضباب.
---
سبع صرخات في جسد رجل
سيضعونني في حفرة، وسيقولون:
من السهل حمل أولئك الذين يموتون، فالحزن بالنسبة إليهم لم يعد له وزن.
وسيقولون:
كان ذلك في المساء، حين كانت الغربان تحطّ.
لقد حان الوقت.
لكن هل كان هو الذي عرف كل شيء عن العالم، يعرف أنه تكفي دقيقة واحدة، وحبّة أخرى في ساعة الرمل، وسأصبح ذلك الشخص؟
وسأنزل رغمًا عن جسدي إلى الكهف.
وسيسدّون النهار.
وسيقولون إن الأرض التي أحبها كثيرًا قد محته.
---
ملحوظة
هذا الحوار وقع فعلًا ذات مساء في أحد مقاهي الدار البيضاء بيني وبين صديقة، لكنني لا أستطيع أن أزعم أن ما تقرؤونه الآن هو الحوار نفسه.
فالذاكرة حين تستعيد واقعة لا تستعيدها كما حدثت، بل كما أصبحت بعد أن مرّ عليها الزمن.
ربما قالت هي ما أتذكر أنها قالته، وربما قلت ما أظن أنني قلته، وما بين القولين تدخل الكتابة، لا لكي تزيّف الحقيقة، بل لكي تكشف ما كان مستترًا فيها.
لهذا لا أقدم هذا الحوار بوصفه وثيقة لما حدث، بل بوصفه الأثر الذي تركه ما حدث في وعيي.
فالحقيقة أحيانًا لا تسكن في الكلمات التي قيلت، وإنما في المعنى الذي ظل يتردد بعد أن سكت أصحابها.
قالت لي صديقةٌ في المقهى:
— كنتَ ساكتًا طوال الجلسة، كأنك لم تكن معنا. أين كنت؟
قلت:
— في قلبي.
قالت:
— وأين قلبك؟
قلت:
— عند من أُحب.
قالت:
— وأين من تحب؟
قلت:
— في قلبي.
فضحكت وقالت:
— أنت تدور حول السؤال.
قلت:
— لا. أنا أدور حولها.
قالت:
— وأين هي؟
قلت:
— حيث لا يُشار إليها بمكان، ولا يُستدل عليها بجهة.
سكتت قليلًا، ثم قالت:
— إذن أنت لا تعرف أين أنت.
قلت:
— بل أعرف. أنا في الموضع الذي لا أستطيع الخروج منه، ولا أريد.
ثم نظرت إليّ طويلًا وسألت:
— وهل هذا هو الحب؟
قلت:
— لا أدري. لكنني منذ أحببتها، عرفت أن بعض الأحوال لا تُسمّى، وإنما تُعاش حتى تفنى في صاحبها.
فالحب عندي لم يعد ميلًا من قلبٍ إلى قلب، ولا اجتماعًا بين غائبين، بل صار طريقًا يسقط فيه السالك وسالكه معًا.
كلما ظننت أنني أقترب منها، وجدتني أبتعد عن الاسم الذي كنت أسمّي به نفسي، وكلما طلبتُها مني، وجدتها في الموضع الذي لا يكون فيه أنا ولا هي، بل سرٌّ ثالث لا يعرفه إلا القلب حين يتخفف من دعوى الامتلاك.
منذ أحببتها صار غيابها ذكرًا، وصار ذكرها حضورًا، وصار حضورها غيابًا عن كل ما سواها.
لم تعد تسكن في قلبي، بل صار القلب نفسه، في حضرة محبتها، مقامًا لا أعرف أين ينتهي فيه العاشق وأين يبدأ المعشوق.
وحين أقول: أحبها، أشعر أن العبارة قد خانت ما أريد قوله؛ لأن المحبة أقدم من الكلام، وأبعد قعرًا من أن تكون علاقةً بين اثنين.
إنها ذلك السر الذي يأخذ منك اسمك قليلًا قليلًا، حتى لا يبقى فيك إلا ما لا تستطيع نسبته إلى نفسك.
قالت:
— لقد أضعتَ نفسك.
قلت:
— نعم.
ثم ابتسمتُ وقلت:
— ولعل أجمل ما في الطريق أن تضيع عن نفسك دون أن تضيع عن الحق الذي دلّتك إليه.
قالت:
— وهل تريد أن تجدها؟
قلت:
— كنت أريد.
ثم سكتُّ طويلًا وقلت:
— أما الآن فلا. فقد علّمتني المحبة أن بعض الضياع عودة، وأن بعض الفقد وجد، وأن النفس حين تفقد صورتها القديمة قد تبدأ أخيرًا في معرفة حقيقتها.
ثم نظرت إلى فنجاني وقالت:
— وأين هي الآن؟
قلت:
— لا تسألي عن مكانها.
قالت:
— لماذا؟
قلت:
— لأنني كلما قلتُ: هي هنا، غابت. وكلما قلتُ: هي هناك، حضرت. حتى أدركتُ أنني لا أبحث عنها في مكان، بل أبحث بها عن المعنى الذي يجعل للوجود سرًّا.
قالت:
— وأين أنت؟
قلت:
— حيث لا أكون أنا.
قالت:
— وأين ذلك؟
قلت:
— في محبتها.
ثم أضفت:
— وهناك، للمرة الأولى، لم أعد أخاف أن أضيع.
---
النسيان
النسيان في داخلكِ الذي يفتحكِ ويُتمّ نهايتكِ.
في شتائمكِ السرّية للمخالفين، في الكائنات الصغيرة التي تفتكين بها، وبركلاتكِ للكلب، في وقوفكِ أمام المرآة عاريةً وأنتِ تتمتمين: يا لكِ من حمقاء.
في النساء اللواتي تنظرين إليهن بعينٍ قذرةٍ مملوءةٍ بالضغينة.
في كل تلك الإخفاقات وأنتِ تحملين ذيلكِ بيدكِ، مندهشةً.
في يأسكِ من أن تنجحي يومًا في أن تكوني أنتِ.
ما إن أتحرك بالكاد حتى تسقطين.
تسقطين في البطء الذي في الداخل.
بطءٌ في الداخل جاء إلى سطح الجلد.
جلدٌ يجري عليه النسيان.
النسيان في داخلكِ الذي يفتحكِ ويُتمّكِ.
يُتمّكِ في صرخة.
ما إن أتحرك بالكاد.
كنتَ عنيفًا كالعصب الذي يمزّق أخيرًا ذلك السمك.
كنتَ قاسيًا كالحرير معلّقًا.
كنتَ ملاكًا يمرّ.
كنتَ عميقًا كالنوم.
كنتَ ثقيلًا كالندم.
كالموسيقى الجائعة التي تدفعنا حتى الحزن.
كماءٍ بطيء ينتشر عبر صرخات العطش.
كصمتٍ يأتي بعد الليل ويصعد مجرى الدم.
نسقط على الوجه الآخر من السماء.
ونخرج من ذواتنا مبتسمين تمامًا.
النسيان في داخلكَ الذي يفتحكَ ويُتمّ نهايتكَ.
---
الحب كفعل معماري
ماذا يحدث حين يغيب الكائن الذي كان يمنح المكان قابليته الدلالية؟
لا يؤدي انسحاب الجسد من الحيز إلى إلغاء الحضور، وإنما إلى تحويل نمط وجوده من الحضور المادي إلى الفاعلية الأثرية.
فالحضور، في مستواه الفيزيائي، يقوم على إشغال الحيز واستنفاد إمكاناته الحسية؛ أما بعد الغياب، فإن ما يستمر ليس الجسد بوصفه مادة، وإنما البنية الدلالية التي أحدثها وجوده في علاقة الذات بالمكان.
من هنا لا يمكن النظر إلى المكان بوصفه حيزًا هندسيًا محايدًا. إن الحيز لا يكتسب معناه من خصائصه المادية وحدها، بل من العلاقات الإدراكية والوجدانية التي تتشكل داخله.
ولذلك فإن مغادرة الجسد لا تعني استعادة المكان لحالته الأصلية؛ لأن الوجود الإنساني لا يشغل المكان فحسب، بل يعيد إنتاجه دلاليًا.
الكرسي الفارغ، على سبيل المثال، لا يمثل غياب الجسد بوصفه معلومة حسية؛ إنه يحتفظ بموضع الجسد داخل البنية المكانية.
والنافذة لا تختزن الضوء وحده، وإنما تستبقي تاريخًا من النظر.
أما الممر، فلا يعود مجرد امتداد هندسي للحركة، بل يتحول إلى بنية استدعاء تستعيد فيها الذاكرة العلاقة السابقة بين الجسد والمسافة والاتجاه والزمن.
بهذا المعنى تصبح العمارة وسيطًا لتثبيت الأثر بعد انقطاع الحضور. إنها لا تحفظ الشخص ذاته، ولا تستعيد وجوده المادي، بل تحتفظ بالتحولات التي أحدثها في تنظيم الحيز وفي طريقة إدراكه.
والمكان بعد الغياب لا يعود إلى نقطة الصفر؛ لأن الغياب نفسه يصبح عنصرًا من عناصر تكوينه الدلالي.
والأمر ذاته ينطبق على الذاكرة، التي لا يمكن اختزالها في وظيفة أرشيفية تستعيد الماضي كما وقع. الذاكرة فعل إعادة بناء؛ فهي تعيد تنظيم المادة الماضية وفق موقع الذات في الحاضر.
كل استدعاء للغائب يتضمن بالضرورة عمليات انتقاء وحذف وإضافة وإعادة تأويل. ومن ثم فإن ما نستعيده ليس الغائب في مطابقته التاريخية، وإنما نسخة تأويلية منه تتشكل داخل وعي يستمر في التحول.
وهنا يظهر البعد الإشكالي للغياب: كلما ابتعد الجسد عن المجال الفيزيائي، انتقل حضوره إلى مجال آخر لا يعتمد على الإدراك الحسي المباشر، بل على الأثر.
لذلك لا يمثل الغياب انعدامًا للحضور، وإنما إعادة توزيع لأنماط حضوره؛ من الحيز المادي إلى الحيز الدلالي، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الوجود المباشر إلى البنية التي يستمر من خلالها في إنتاج المعنى.
الحبيبة التي غابت جسدًا لا تستمر في الروح باعتبارها صورة ثابتة قابلة للاستعادة، بل باعتبارها تحولًا بنيويًا في جهاز الإدراك.
فوجودها السابق لا يبقى موضوعًا للذاكرة فحسب، وإنما يصبح جزءًا من الشروط التي تتحدد بها علاقتي بالمكان والزمن والضوء والتفاصيل.
ما تغير ليس محتوى الذاكرة وحده، بل الطريقة التي ينتظم بها العالم في الوعي.
إنها لا تسكن الذاكرة بوصفها ماضيًا؛ إنها تدخل في تكوين الحاضر.
وعند هذه النقطة يتجاوز الحب مفهوم العلاقة العاطفية ليظهر بوصفه حدثًا أنطولوجيًا وإعادة تشكيل معمارية للذات.
فالآخر، حين يدخل في تكوين الوعي، لا يبقى عنصرًا خارجيًا يمكن فصله دون أثر؛ إنه يعيد تنظيم البنية التي تتوسط علاقة الذات بالعالم.
وحين يغيب، لا تزول هذه البنية، بل تستمر في العمل بصورة مستقلة نسبيًا عن حضور الجسد.
لذلك لا يكون الحب فعلًا لحفظ الآخر بعد غيابه، بل فعلًا لإعادة بناء الذات تحت أثره.
الذكرى تستعيد الماضي.
الأثر يغيّر.
ومن هنا يمكن فهم العمارة في معناها الأعمق: ليست مجرد تنظيم للمادة داخل الحيز، وإنما تنظيم لاستمرار الأثر بعد انقطاع الحضور.
إنها تمنح الغياب بنيةً مكانية، كما تمنح الذاكرة الغياب بنيةً زمنية، ويمنح الحب هذا الغياب بنيةً داخلية تستمر في تشكيل الإنسان.
الجسد ينقطع عن المكان؛ لكن ما أحدثه حضوره في بنية الذات لا ينقطع بالضرورة.
ومن هذه المسافة تحديدًا تبدأ عمارة الغياب.
---
قد يغيب المبنى لكن غيابه يظل مبنيًا في المدينة.
إن المدينة تحتفظ معماريًا بما تحاول ماديًا محوه.
كلُّ هدم يغيّر المادة لكنه لا يضمن محو العلاقة التي أقامتها المادة مع المكان.
يمكن النظر إلى كل تكوين معماري بوصفه نتيجةً لسلسلة من الاختيارات التي تستبعد، بالضرورة، إمكانات تكوينية أخرى.
سبع صرخات داخل جسد رجل.
#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟