أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ميشيل الرائي - ما رأيته في الجامعات الإيرانية وجدته أيضًا في الجامعات المغربية















المزيد.....

ما رأيته في الجامعات الإيرانية وجدته أيضًا في الجامعات المغربية


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 19:27
المحور: قضايا ثقافية
    


من رسائلي إلى الشاعره المغربية أميمة ملاك
جوابًا عن سؤالها يومًا: ما انطباعي الشخصي عن الدرس الفلسفي في الجامعات الإيرانية والجامعات المغربية
عزيزتي اميمة
تحية طيبة


إن ما أعرضه هنا لا يصدر عن انطباع شخصي عابر، ولا عن تجربة محدودة في فضاء أكاديمي بعينه، وإنما هو حصيلة سنوات من التتبع المنهجي للمؤلفات والدراسات الجامعية الصادرة في إيران والمغرب العربي، باللغات الفارسية والفرنسية والعربية. وقد كشف هذا التتبع عن بنية خطابية متكررة تكاد تشكل السمة الغالبة للدرس الفلسفي في هذين الفضاءين؛ بنيةٌ تُخضع تاريخ الفلسفة لاعتبارات الهوية القومية والمذهبية، وتستبدل منطق التحليل النقدي بمنطق التمثيل الثقافي.
ومن الظواهر الأكثر دلالة في هذا السياق أن الدرس الفلسفي يتحول، في كثير من الأحيان، من ممارسة عقلية غايتها مساءلة المفاهيم والأنساق إلى جهاز أيديولوجي لإنتاج الشرعية الحضارية. ففي إيران، لا يُقدَّم ابن سينا وملا صدرا بوصفهما موضوعين للفحص الفلسفي، بل بوصفهما شاهدين على فرادة العقل الإيراني، حتى إن بعض الخطابات لا تتردد في الإيحاء بأن المنجز الفلسفي الإيراني تجاوز الأفق اليوناني ذاته، وكأن تاريخ الفلسفة تاريخٌ لتفوق الأمم، لا تاريخٌ لتطور المشكلات الفلسفية.
وفي المقابل، لا يقل الخطاب الفلسفي السائد في المغرب العربي نزوعًا إلى بناء مركزية رمزية خاصة به، إذ يُرفع ابن رشد إلى منزلة الممثل الحصري للعقلانية الإسلامية، ويُختزل تاريخ الفلسفة الإسلامية في لحظته، بل يُعاد أحيانًا إنتاج إحدى أكثر الأطروحات الاستشراقية اختزالًا، وهي الزعم بأن الفلسفة العربية أو الإسلامية انتهت بوفاة ابن رشد. وهي أطروحة شاعت في بعض الأدبيات الاستشراقية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، قبل أن تتعرض لنقد علمي واسع، غير أنها ما تزال تجد سبيلها إلى بعض الكتابات الأكاديمية المعاصرة، في مفارقة تكشف كيف يمكن لخطاب يعلن مقاومة المركزية الغربية أن يعيد، في الوقت نفسه، إنتاج إحدى مسلماتها.
بل ذهب بعض الباحثين إلى التصريح، في مؤلفاتهم ولقاءاتهم، بأن ابن رشد هو الذي أنقذ العقل العربي من الجمود، وأعاد إلى الفلسفة الإسلامية روحها النقدية، وكأن تاريخ التفكير العربي قبل الرشدية لم يكن سوى تاريخ من الانقطاع أو العجز عن إنتاج العقلانية. وهذه الأطروحة، في تقديري، لا تمثل مجرد مبالغة في تقدير الدور التاريخي لابن رشد، بل تعيد إنتاج رؤية استشراقية قديمة جعلت من الرشدية الاستثناء الوحيد الجدير بالاعتراف داخل التراث الفلسفي الإسلامي.
واللافت أن الحضور الاستثنائي لابن رشد في الوعي الفلسفي الغربي لا يرتبط، في نظري، بكونه تجاوز المركزية الفلسفية اليونانية، وإنما، على العكس، لأنه ظل يتحرك داخل الأفق الأرسطي الذي أمكن استيعابه وإدماجه في السردية الأوروبية لتاريخ العقل. أما عدد من فلاسفة المشرق، وفي مقدمتهم ابن سينا، فقد شيدوا أنساقًا ميتافيزيقية ومعرفية تجاوزت حدود الشرح الأرسطي، وأنتجت مفاهيم جديدة لا يمكن اختزالها في مجرد الامتداد للفلسفة اليونانية، وهو ما يفسر، في تقديري، محدودية حضورهم داخل السردية الفلسفية الغربية التقليدية مقارنة بالحضور الرشدي.
ومن ثم فإن تصدير ابن رشد بوصفه الممثل الأوحد للعقل الفلسفي العربي لا ينطوي على اختزال تاريخ الفلسفة الإسلامية فحسب، بل يعيد، بصورة غير مباشرة، إنتاج تصنيف هرمي للعقول والثقافات، وهو تصنيف تشكل داخل عدد من الأدبيات الاستشراقية التي نسبت القدرة على إنتاج العقل الكوني إلى فضاءات بعينها، وقللت من القيمة التأسيسية لما أنجزته بقية مدارس الفلسفة الإسلامية. ولعل هذه القضية تستحق دراسة مستقلة تقوم على استقراء واسع للنصوص الاستشراقية، ولمسارات تلقي ابن رشد وابن سينا في الفلسفة الأوروبية الحديثة.
إن الثنائية التي صُنعت بين «القطب السينوي» و«القطب الرشدي» ليست توصيفًا بريئًا لتاريخ الفلسفة الإسلامية، بقدر ما هي إعادة هندسة لهذا التاريخ وفق مقتضيات الانتماء الثقافي. فبدلًا من أن يُقرأ ابن سينا وابن رشد داخل تاريخ الإشكالات الفلسفية، يُعاد توظيفهما بوصفهما علامتين على انقسام جغرافي ومذهبي بين المشرق والمغرب، فيتحول تاريخ الأفكار إلى امتداد لصراعات الهوية، لا إلى تاريخ لتحولات المفاهيم.
ولا يقل عن ذلك خطورةً تجاهل الخلفيات الكلامية والمذهبية التي أحاطت بجزء معتبر من النقد الموجه إلى ابن سينا. فاعتراضات الغزالي والشهرستاني، بل وحتى بعض اعتراضات ابن رشد، لم تكن دائمًا ثمرة خلاف فلسفي خالص، وإنما تداخلت فيها رهانات عقدية ارتبطت بالدفاع عن النسق الأشعري في مواجهة مشروع ميتافيزيقي نشأ في سياق مختلف. ومن ثم فإن اختزال تلك السجالات في صورة انتصار للعقل الفلسفي على «أخطاء» ابن سينا يُغفل أن البرهان نفسه كان، في غير موضع، مشروطًا بسياقات مذهبية وسياسية لا يمكن تجاهل أثرها في تشكيل تلك المواقف.
ويكفي، في هذا السياق، استحضار بعض تصريحات محمد عابد الجابري التي اختزل فيها الشيخ الرئيس ابن سينا في كونه «طبيبًا»، وهي تصريحات لا يمكن فصلها عن مجمل البناء النظري لمشروعه، الذي قام على تقليص الدور التأسيسي للسينوية مقابل منح الرشدية موقع الامتياز المطلق داخل تاريخ العقل العربي. وليس المقصود هنا الطعن في الجابري، بل التنبيه إلى أن مشروعه الفلسفي أسهم، بقصد أو بغير قصد، في إعادة إنتاج انقسام معرفي بين «شرق سينوي» و«غرب رشدي»، وهو انقسام لا يسنده تاريخ الفلسفة بقدر ما تسنده اعتبارات الهوية الثقافية.
إن أخطر ما تكشفه هذه المقاربات ليس مجرد انحيازها إلى هذا الفيلسوف أو ذاك، وإنما تحويلها الفلسفة من نشاط نقدي إلى خطاب هوياتي. فحين يتحول ابن سينا أو ابن رشد إلى رمز يتجاوز المساءلة، تتحول الجامعة إلى مؤسسة لإعادة إنتاج الذاكرة الجماعية، ويتحول الأستاذ من باحث في تاريخ الأفكار إلى حارس لسردية ثقافية، لا إلى باحث يختبر الفرضيات ويعيد النظر في المسلمات. وعند هذه النقطة تحديدًا، يغادر الدرس الفلسفي ميدانه الطبيعي، ويدخل مجال الأيديولوجيا.
إن الفلسفة لا تبدأ بتقديس الأسماء، بل بإخضاعها للنقد. ولا تُقاس قيمة الفيلسوف بحجم الاستثمار القومي في اسمه، ولا بعدد المريدين الذين يلتفون حول مشروعه، وإنما بقدر ما يظل مشروعه قادرًا على مقاومة الاختزال، واستيعاب النقد، وإنتاج أسئلة جديدة. أما تحويل الفلاسفة إلى رموز قومية أو مذهبية، فليس انتصارًا للفلسفة، بل إعلانًا عن هزيمتها أمام منطق الهوية.
ومن أكثر المفارقات دلالة أن بعض الخطابات المغاربية تبني مشروعها الفلسفي على معارضة ابن سينا، متناسيةً أن الدرس الفلسفي في المغرب تشكل تاريخيًا في حوار عميق مع التراث المشرقي، وأن كثيرًا من الإشكالات التي ناقشها ابن رشد ما كانت لتأخذ صورتها التي نعرفها لولا البناء المفهومي الذي أنجزه النسق السينوي. ومن ثم فإن تقديم الرشدية بوصفها قطيعة تأسيسية مع السينوية لا يعكس حقيقة تاريخ الفلسفة الإسلامية، بقدر ما يعكس إرادة معاصرة لإعادة كتابة هذا التاريخ بمنطق الهوية.
إن تاريخ الفلسفة لا يُكتب بمنطق الانتصارات القومية، ولا بمنطق الثارات المذهبية، ولا بمنطق صناعة الأبطال. إنه يُكتب بتحليل المفاهيم، وتتبع تحولات الإشكالات، والكشف عن شروط إنتاج المعرفة. وكل قراءة تجعل الفيلسوف ممثلًا لأمة قبل أن يكون ممثلًا لمشكلة فلسفية، ليست قراءة في تاريخ الفلسفة، بل إعادة إنتاج لهذا التاريخ في صورة أيديولوجية، مهما ادعت لنفسها الموضوعية والصرامة الأكاديمية.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تامغارت
- ماذا سيقول القارئ عند قراءة هذا النص
- كازابلانكا بين الأمكنة المتداخلة دفتر الأماكن المستحيلة
- من رسائلي الى الكاتبة المغربية اميمة ملاك
- ضد غباء السينما يا اميمة
- قصيدة حب ميتافيزيقية
- La main d’Emma
- إنها الساعة الخامسة في الأبدية
- «علمتني امرأة أمازيغية»،
- «علمتني امرأة أمازيغية: ثلاث ساعات في مطار محمد الخامس»/توضي ...
- كيف أحببتُكِ دون أن أفسد الفوضى
- الدوار الذي يُغذّي أنهاري / رحلتي ضد غباء الموسيقا
- قصيدة حب لامرأة مغربية
- قصيدة حب إلى أميمة بنت ملاك
- ضدَّ معاناتكِ السينمائية المتكرِّرة
- رصاصة في دماغ نشرة الأخبار
- تريستان تسارا
- La Fille du Maârif
- خريطة لقتل العالم على خشبة المسرح
- المحاكاة بين أرسطو والسيميائيات المعاصرة: إعادة بناء المفهوم ...


المزيد.....




- احتجاجات -الصراصير- الهندية تعبر الحدود من نيويورك إلى لندن. ...
- أول تعليق من نتنياهو على شرط ترامب بشأن الاتفاق النووي بين أ ...
- وزارة الصحة المصرية تكشف حقيقة فيديو -طبيبة الأسنان الراقصة- ...
- بن غفير والمستوطنون يقتحمون الأقصى
- مجموعة -حنظلة- تهدد بمواصلة الهجمات السيبرانية على الولايات ...
- ترامب يتوعد الحوثيين بعقاب عسكري كبير ويدعوهم للعودة إلى عهد ...
- طبيب روسي يحذر من خطأ شائع يرتكبه مرضى الانسداد الرئوي المزم ...
- -لا يحق لها الوجود-.. الإعلام يكشف موقف قائد الجيش الأوكراني ...
- قوات الأنظمة المسيرة الجديدة في الجيش الروسي
- أوربان يتهم رئيس وزراء هنغاريا الجديد بممارسة الاضطهاد السيا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ميشيل الرائي - ما رأيته في الجامعات الإيرانية وجدته أيضًا في الجامعات المغربية