أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - رصاصة في دماغ نشرة الأخبار














المزيد.....

رصاصة في دماغ نشرة الأخبار


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 09:19
المحور: الادب والفن
    


في السجل المركزي للمدينة، يظهر اسمي في خانةٍ لا تقبل التحديد.
مرة يُكتب: “شاهد”. ومرة: “خطأ إدراكي”. وأحيانًا يُترك فارغًا مع ملاحظة صغيرة: يُستكمل لاحقًا عند توفر الواقع.

قال لي موظف الأرشيف إن المدينة لا تتذكر سكانها، بل تتذكر نسخهم.
وإن كل نسخة تُحفظ في درج مختلف، حتى لا يلتقي الشخص بنفسه فيصيبه التناقض.

في الخارج، كانت الزرافات الصدئة تمرّ كعناصر إحصائية خرجت عن نطاق الإحصاء.
لا أحد يسأل لماذا وُجدت، لأن السؤال نفسه غير مُفهرس.

الساعة في الميدان الرئيسي لا تشير إلى الوقت.
بل تشير إلى احتمالات متنافسة للوقت، وكل احتمال يسقط حين يُنظر إليه مباشرة.

في مكتبة النهر، وجدتُ مجلدًا بعنوان:
“جغرافيا من لم يصلوا بعد”.

كان النهر نفسه مؤلفًا من هوامش كتب مفقودة، وكلما حاولتُ عبوره كنتُ أقرأني بشكل مختلف.

سألتُ أمين المكتبة:
أين أجدني؟
ففتح سجلًا سميكًا وقال:
“حسب الفهرس، أنت موزّع على ثلاثة مواقع، ولا يمكن جمعك دون فقدانك.”

في الصفحة التي تحمل اسمي، لم يكن هناك وصف.
فقط تعليمات:
“عند العثور على هذا الشخص، يُعاد إلى مكانه السابق قبل السؤال.”

لكن لا أحد يعرف ما هو “السابق”.
كل مرة يُعرّف فيها، يتغير.

في إحدى الليالي، دخلتُ ممرًا لا ينتهي.
في كل باب، وجدتُ نسخة مني تؤدي وظيفة مختلفة:
واحد يكتب تقارير عني.
واحد يقرأها.
واحد ينكر أنه أنا.
وواحد لا يعرف اللغة أصلًا لكنه يفهم كل شيء.

في نهاية الممر، كانت هناك مرآة محفوظة داخل ملف زجاجي.
لم تعكسني.
بل عكستُها أنا.

فهمتُ حينها أن المرآة ليست سطحًا، بل وثيقة.
وأن الانعكاس مجرد توقيع.

في المدينة، الضباب ليس طقسًا.
بل نظام أرشفة.
يأتي ليحذف التفاصيل التي أصبحت خطرة بسبب وضوحها.

كل شيء هنا قابل للقراءة، لكن لا شيء قابل للتثبيت.
حتى الجدران تحمل أرقام طبعات مختلفة، كما لو أنها كتب تُعاد طباعتها أثناء السير فيها.

قيل لي إن هناك أرشيفًا أعلى من الأرشيف.
وفيه النسخة الأصلية من كل شيء.
لكن الوصول إليه يتطلب أن تتوقف عن كونك نسخة، وهو شرط مستحيل التنفيذ داخل النظام.

في المصحة، لم أكن مريضًا.
كنتُ “مسودة إدراك”.

يُمرَّر عليّ تيار خفيف لإبقاء الفكرة قابلة للوجود،
لكن ليس لدرجة تجعلها مؤكدة.

الأشباح هناك لا تغسل اللحية، بل تُراجع الحواف غير المكتملة من الذاكرة.
يُعيدون ترتيب ما لم يحدث بعد.

وفي نهاية الملف، كُتب:
“هذا الشخص لم يُفقد بعد، لكنه في طور التعدد.”

ثم ملاحظة بخط أصغر:
“عند اكتماله، يُرجى عدم البحث عنه.”

أما أنا، فلا أزال أتنقل بين السجلات،
أحاول أن أجد الصفحة التي لا تشير إليّ.
لكن كلما وصلتُ إلى سطرٍ يبدو نهائيًا،
أكتشف أنه مجرد إحالة إلى هامشٍ آخر.

وهكذا، أفهم أن المدينة ليست مكانًا.
بل طريقة في فهرسة الاختفاء.

وانتهى كل شيء…
أو النسخة التي سُمح لي أن أكتبها منه.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تريستان تسارا
- La Fille du Maârif
- خريطة لقتل العالم على خشبة المسرح
- المحاكاة بين أرسطو والسيميائيات المعاصرة: إعادة بناء المفهوم ...
- هامشٌ على حكاية انتحارٍ لم تُثبَت لا مي ما
- رحلتي الثالثة ضدّ غباء السينما أو لعلّه ضدّ الدماغ السابع
- أومَيمَا مالاك
- أومَيمَا مالاك أومَيمَا مالاك
- وردةٌ عابرةٌ في حلمِ شجرة
- رسائل أميمة: ملاكٌ يُؤجَّل اسمه
- أُمَيْمَة… أَوِ الاِسْمُ حِينَ يَنْقَطِعُ عَنْ مَا يُسَمِّيه ...
- هذَا لَيْسَ كُولَاجًا يَا أُمَيمَةُ
- قصيدةُ حبٍّ
- قصيدة حبّ / نحن كالطيور المنفية في نار تتغذى على الرماد
- أشعل سيجارة وأبدأ الحديث مع شبحي
- كراريس القديسة أميمة
- لن أكتب إليك بعد الآن بل سأكتبك أنت
- أميمة حلمت بطيورٍ ملوّنة تعيد المعنى إلى السماء
- مصباح من الصقيع
- الجنون المؤنث أو كيف ندافع عمّا ينهار داخلنا


المزيد.....




- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...
- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...
- مخطوطات موريتانيا في مواجهة التحديات.. هل تنقذها الرقمنة من ...
- ماندول النورستانية.. ذاكرة الجبال التي تقاوم النسيان
- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - رصاصة في دماغ نشرة الأخبار