أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - أومَيمَا مالاك أومَيمَا مالاك














المزيد.....

أومَيمَا مالاك أومَيمَا مالاك


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 10:54
المحور: الادب والفن
    


جوج
"ou-maï-ma ma-lak"

/u.ma.i.ma/

المطرُ المخادعُ ينزلقُ في نومي، يشمّها.
يتنفّسُ جسدُها المهجورُ.
وعلى سيقانها الهشّة، يحملُ البرقَ إلى ليلها.
حواءُ الشمسيةُ،
خوفي من نهايتها يجعلني غير قادرٍ على فهمها.

يمكنني أن أتحرّر من ثقل العالم بين ذراعيك،
أن أرميه في زاويةٍ ما في أقصى الشقة.
يمكنني أن أبقى قربك، في خفّة جسدك،
أصغي إلى سقوط الزمن في ساعةٍ رملية غير مرئية.

يمكنني أن أتحرّر من سماع نداءات البحّارة
الذين يريدون الوصول إلى أرض الطيور المتكلمة.
يمكنني أن أتحرّر من جسدي المنفلت،
جسدي المتوهّج بالألوان والدم.

يزحف جسدي إلى أكواخكِ،
ينتشر في قراكِ،
يزحف في أرواحكِ،
وينتشر في أجسادكِ.

جسدي مثل شجرةٍ رطبة.
جسدي كالشجرة،
والحياة تجري في الآبار المنسية.
الحيوانات المجهولة تحمل حبي بعيدًا،
ولا يبقى لي شيءٌ أتمسّك به.


لا أعرف بدقّة لماذا التصقت بي الدار البيضاء بهذا الشكل، لكنّ البداية تعود إلى زيارتي الأولى لها وأنا في الخامسة عشرة، حين نزلتُ مطارها للمرة الأولى.
هل تختار المدن من يدخلها، أم يختارها الداخلون إليها دون أن يدركوا؟
ربما كانت روايات محمد زفزاف هي التي سبقتني إليها، فكوّنت في ذهني مدينةً أبحث عنها في اللغة قبل أن أراها في الواقع.
■ ■ ■
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الدار البيضاء مدينةً كما تُفهم المدن.
كان فيها ما يتجاوز اسمها، وما ينساب من حوافّها إلى الذاكرة دون إذن.
تفاصيل دقيقة ظلت تعمل في الخلف، لا تُستعاد كاملة، لكنها لا تغيب أيضًا.
وفي بعض اللحظات، كان هناك حضورٌ يمرّ عبر الأشياء، لا يُمسك به، لكنه يغيّر طريقة النظر إليها.
كأن المدينة لا تكتفي بأن تُرى، بل تُعيد تشكيل من يراها.
■ ■ ■
واليوم، وأنا أكتب روايتي الأولى عنها، عن ظلال عشتها فيها، وعن ظلال لم تعترف بها الخرائط، أشعر أن النص لا يسير نحو نهايته، بل نحو تأجيلٍ أكثر دقة.
كلما اقتربتُ من نقطة الإغلاق، بدا أن شيئًا ما ما زال مفتوحًا، وكأن الكتابة نفسها لا تريد أن تتوقف عند حدٍّ واضح.
■ ■ ■
ما أعرفه فقط أن الدار البيضاء ليست مدينةً في تجربتي، بل طبقة من الزمن اختلطت فيها الذاكرة بما لا يُقال.
شيءٌ ظلّ حاضرًا دون اسم، يشتغل في الهامش، ويترك أثره في مركز الحكاية دون أن يدخلها صراحة.
ولهذا تحديدًا، لا تُقرأ المدينة عندي كموضوع، بل كحالة لا تكتمل، وكأنها ما زالت تكتب نفسها فيّ، أكثر مما أكتبها أنا.
■ ■ ■

كلما حاولتُ تثبيتها في الذاكرة، أفلتت الدار البيضاء إلى طبقةٍ أبعد، كأنها لا تقبل أن تُحفظ كما تُحفظ المدن.

ليست بعيدة، لكنها لا تستقر.
ولا هي غائبة، لكنها لا تكتمل في الحضور.

■ ■ ■

يمرّ أثرها في الأشياء الصغيرة:
في انكسار الضوء على زجاجٍ لا أعرفه،
في صمتٍ مفاجئ يقطع جملةً قبل أن تنتهي،
في إحساسٍ بأن المكان يتذكّرني أكثر مما أتذكّره.

■ ■ ■

ومع الزمن، لم يعد ما حدث فيها منفصلًا عما لم يحدث.
اختلطت الطبقات حتى صار الذاكرة نفسها تشبه مسافةً غير قابلة للقياس،
مسافةً تتحرك داخلها الصور دون أن تصل إلى شكلها الأخير.

■ ■ ■

وفي قلب هذا التداخل، ظلّ هناك ما لا يُستعاد.
لا بوصفه غيابًا، بل بوصفه امتناعًا عن الاكتمال.
كأن التجربة نفسها ترفض أن تُغلق جرحها.

كلما اقتربتُ من صيغةٍ نهائية، انزاح المعنى قليلًا،
وكأن النص لا يريد أن يقول، بل أن يظلّ على حافة القول.

■ ■ ■

لا أعرف إن كانت الدار البيضاء هي التي تعيش فيّ،
أم أنني أنا من يعيش في صورتها المتحوّلة.
لكن ما أعرفه أن العلاقة بيننا لم تعد علاقة مدينة وذاكرة،
بل علاقة نصّ بما يتعذّر عليه أن يصبح نصًا مكتملًا.

■ ■ ■

وفي هذا التعذّر تحديدًا، كان هناك حضورٌ لا يُرى،
يمشي في فراغ الجمل،
ويعيد ترتيب ما يُقال من داخل ما لا يُقال.

شيءٌ يشبه الضوء حين لا يجد سطحًا كافيًا ليكتمل،
فيبقى معلّقًا بين الظهور والانطفاء،
دون أن ينحاز لأيّ منهما.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وردةٌ عابرةٌ في حلمِ شجرة
- رسائل أميمة: ملاكٌ يُؤجَّل اسمه
- أُمَيْمَة… أَوِ الاِسْمُ حِينَ يَنْقَطِعُ عَنْ مَا يُسَمِّيه ...
- هذَا لَيْسَ كُولَاجًا يَا أُمَيمَةُ
- قصيدةُ حبٍّ
- قصيدة حبّ / نحن كالطيور المنفية في نار تتغذى على الرماد
- أشعل سيجارة وأبدأ الحديث مع شبحي
- كراريس القديسة أميمة
- لن أكتب إليك بعد الآن بل سأكتبك أنت
- أميمة حلمت بطيورٍ ملوّنة تعيد المعنى إلى السماء
- مصباح من الصقيع
- الجنون المؤنث أو كيف ندافع عمّا ينهار داخلنا
- في دفاعٍ عن جنون أميمة
- ضدُّ المسرح: ضدُّ التكرار
- أميمة ملاك (أو: أثرُ الدار البيضاء في الاسم)
- ن. أ / الديكور الداخلي للمستقبل
- دفاتر السيدة أميمة ملاك
- الكتابة عن ظلالها البعيدة
- دفاعًا عن المرأة: الجسد بوصفه قفصًا رمزيًا في الخطاب الثقافي
- الكتابةُ حتّى الوُصولِ إلى أوَّلِ ميمٍ في اسمِها


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - أومَيمَا مالاك أومَيمَا مالاك