أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ميشيل الرائي - من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملاحظات في تاريخ النصوص وأصول العزو















المزيد.....


من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملاحظات في تاريخ النصوص وأصول العزو


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 20:44
المحور: قضايا ثقافية
    


من رسائلي الى الكاتبة المغربية اميمة ملاك

دفعني إلى كتابة هذه السطور ما ورد في الصفحة الثانية عشرة من كتاب «الذات بين الوجود والإيجاد» للدكتور بنسالم حميش، الصادر عن المركز الثقافي للكتاب (الدار البيضاء – المغرب)، إذ يقول:
«على جدران معبد دلفي اليوناني يطالعنا نقشٌ لحكمة اتخذها سقراط مبدأً فكريًا ونهجًا حياتيًا: اعرف نفسك بنفسك تعرف العالم واللاهوت. كما أننا نقرأ في الأدب الصوفي مأثورةً متواترة، وهي: من عرف نفسه فقد عرف ربه.»
إن أهمية هذا المقطع لا تكمن فقط في المضمون الفلسفي الذي يستدعي علاقة الإنسان بذاته وبالمطلق، بل تكمن أيضًا في الطريقة التي تنتقل بها النصوص بين الأزمنة والثقافات، وفي ضرورة التمييز بين النص الأصلي، والتفسير اللاحق، والاستعمال التأويلي الذي قد يمنح العبارة حياة جديدة داخل سياقات مختلفة وقبل مناقشة المأثورة الثانية، تبدو الحاجة قائمة إلى التوقف عند المأثورة الأولى، لا من زاوية الاعتراض على حضورها الفلسفي، وإنما من زاوية تاريخ النص وضبط الإحالة. فالعبارة الواردة في النص: «اعرف نفسك بنفسك تعرف العالم واللاهوت» لا تطابق الصيغة اليونانية التي تثبتها المصادر الكلاسيكية للنقش المنسوب إلى معبد دلفي، وهي:

γνῶθι σεαυτόν

«اعرف نفسك»

وهذه الصيغة القصيرة هي التي ارتبطت في التراث الفلسفي اليوناني بمسألة معرفة الذات، وبالانتقال من معرفة العالم الخارجي إلى مساءلة الإنسان لذاته وحدود معرفته. أما الإضافة: «تعرف العالم واللاهوت»، فلا تظهر بوصفها جزءًا من النقش الدلفي الأصلي، وإنما تبدو أقرب إلى صياغة تفسيرية حديثة توسّع المعنى الفلسفي للحكمة، وربما تربطها بتأويلات لاحقة جعلت معرفة الذات طريقًا إلى معرفة الكون والمبدأ الإلهي.
وهنا تظهر مسألة منهجية أساسية: إن الفرق بين النص والتفسير ليس فرقًا شكليًا، بل هو فرق يتعلق بتاريخ الأفكار نفسه. فحين تُنسب إضافة تفسيرية إلى نص قديم بوصفها جزءًا منه، فإننا لا نضيف معنى فحسب، بل نعيد تشكيل تاريخ النص ونسبته وسياقه الثقافي. ولذلك فإن التحقيق العلمي لا يكتفي بالسؤال: ماذا يعني النص؟ بل يبدأ قبل ذلك بسؤال أكثر أولية: ما الذي قاله النص أصلًا؟
ولا تهدف هذه الملاحظة إلى الانتقاص من قيمة الدكتور بنسالم حميش، وهو أحد أبرز المفكرين المغاربة المعاصرين، بل إلى إثارة إشكال منهجي يتجاوز الأشخاص، ويتصل بطريقة تداول النصوص في الثقافة الإنسانية. فالأفكار الكبرى لا تنتقل بين العصور بصورتها الأولى دائمًا؛ إذ تخضع لعمليات من الترجمة، وإعادة القراءة، والدمج داخل أنساق معرفية جديدة. غير أن هذه الحيوية التأويلية لا تلغي ضرورة المحافظة على الحدود بين الأصل والتلقي.
أما المأثورة الثانية: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، فإن الإشكال فيها أكثر تعقيدًا؛ لأننا ننتقل من فضاء الفلسفة اليونانية إلى فضاء التراث الإسلامي، حيث لعبت الأقوال المنسوبة إلى الشخصيات المؤسسة دورًا مركزيًا في بناء الذاكرة الفكرية والروحية.
فليس الإشكال في أن المتصوفة استثمروا هذه العبارة وجعلوها جزءًا من خطابهم حول معرفة النفس والعلاقة بين الإنسان والمطلق؛ فهذا يدخل في تاريخ التلقي والتأويل، وهو أمر طبيعي في حياة النصوص. لكن الإشكال المنهجي يظهر عندما يتحول الاستعمال الصوفي اللاحق إلى دليل على الأصل الصوفي للعبارة، إذ إن هناك فرقًا جوهريًا بين القول: إن التصوف أعاد إنتاج هذا المعنى داخل منظومته، وبين القول: إن العبارة نشأت أصلًا داخل التصوف.
وهذا الفرق يزداد أهمية عند الحديث عن الإمام علي بن أبي طالب؛ فهو ينتمي إلى المرحلة التأسيسية الأولى في التاريخ الإسلامي، أي إلى مرحلة سبقت تشكل التصوف بوصفه علمًا ومذهبًا ومؤسسة معرفية لها مصطلحاتها ومناهجها. لذلك فإن أي قول يُنسب إليه ينبغي أن يُدرس أولًا ضمن سياقه التاريخي الأول، ثم يُنظر بعد ذلك في كيفية انتقاله إلى مجالات معرفية لاحقة، ومنها المجال الصوفي.
إن تاريخ النص ليس هو تاريخ استعماله فقط. فقد يعيش النص قرونًا داخل بيئات فكرية مختلفة، ويكتسب دلالات جديدة، لكن تلك الدلالات لا تمحو لحظة ظهوره الأولى. فكما أن تبني الفلاسفة المسلمين لمفاهيم يونانية لم يجعل تلك المفاهيم عربية المنشأ، كذلك فإن حضور قول ما في الأدبيات الصوفية لا يكفي وحده لإثبات أنه صوفي الأصل.
وهذه المسألة تكشف عن ظاهرة أوسع في الثقافة العربية والإسلامية، تتمثل في قوة الذاكرة التداولية على حساب الذاكرة التاريخية؛ إذ كثيرًا ما تصبح الشهرة بديلاً عن التحقيق، ويتقدم الانتشار على المصدر، حتى يغدو النص معروفًا أكثر من مؤلفه، أو مشهورًا أكثر من سياقه.
وانطلاقًا مما وقفت عليه من مصادر ومناقشات تحقيقية، أميل إلى القول إن هذه المأثورة ترتبط في تاريخ تداولها بالإمام علي بن أبي طالب، وأن وصفها بأنها «مأثورة صوفية» يحتاج إلى احتراز منهجي؛ لأن التصوف لم يكن منشأها بالضرورة، وإن كان قد منحها حضورًا خاصًا وتأويلًا عميقًا داخل منظومته الروحية.
فالنصوص لا تفقد أصولها حين تدخل في أنساق جديدة، كما أن إعادة القراءة لا تعني إعادة الولادة. وبين الأصل والتأويل مسافة ينبغي الحفاظ عليها، لأنها المسافة التي يحفظ بها الباحث تاريخ الأفكار من الذوبان في ذاكرة التلقي.
وعليه، فإن الأمانة العلمية في دراسة النصوص لا تتمثل في حفظ الكلمات فقط، بل في حفظ مسارها التاريخي أيضًا؛ لأن النص الصحيح المنسوب خطأً ليس أقل إشكالًا من النص الخاطئ، وكلاهما يعرّض تاريخ المعرفة إلى تشويش لا يمكن تجاوزه إلا بالعودة إلى أصول العزو وقواعد التحقيق.

هامش
النصوص التاريخية لا تُثبت بالشهرة، بل بالشواهد. والصيغة التي تثبتها الشواهد الكلاسيكية للنقش الدلفي هي:
(ΓΝΩΘΙ ΣΕΑΥΤΟΝ)
«اعرف نفسك»
أما إضافة: «تعرف العالم واللاهوت»، فلا يجوز عدّها جزءًا من النقش ما لم تُسند إلى مصدر يوناني أولي أو إلى تحقيق إبغرافي موثق. وإلى أن يقدم هذا الدليل، تبقى هذه العبارة تفسيرًا فلسفيًا للنقش، لا نصًا من نصوصه.

دفعني إلى كتابة هذه السطور ما ورد في الصفحة الثانية عشرة من كتاب «الذات بين الوجود والإيجاد» للدكتور بنسالم حميش، الصادر عن المركز الثقافي للكتاب (الدار البيضاء – المغرب)، إذ يقول:
«على جدران معبد دلفي اليوناني يطالعنا نقشٌ لحكمة اتخذها سقراط مبدأً فكريًا ونهجًا حياتيًا: اعرف نفسك بنفسك تعرف العالم واللاهوت. كما أننا نقرأ في الأدب الصوفي مأثورةً متواترة، وهي: من عرف نفسه فقد عرف ربه.»
إن أهمية هذا المقطع لا تكمن فقط في المضمون الفلسفي الذي يستدعي علاقة الإنسان بذاته وبالمطلق، بل تكمن أيضًا في الطريقة التي تنتقل بها النصوص بين الأزمنة والثقافات، وفي ضرورة التمييز بين النص الأصلي، والتفسير اللاحق، والاستعمال التأويلي الذي قد يمنح العبارة حياة جديدة داخل سياقات مختلفة وقبل مناقشة المأثورة الثانية، تبدو الحاجة قائمة إلى التوقف عند المأثورة الأولى، لا من زاوية الاعتراض على حضورها الفلسفي، وإنما من زاوية تاريخ النص وضبط الإحالة. فالعبارة الواردة في النص: «اعرف نفسك بنفسك تعرف العالم واللاهوت» لا تطابق الصيغة اليونانية التي تثبتها المصادر الكلاسيكية للنقش المنسوب إلى معبد دلفي، وهي:

γνῶθι σεαυτόν

«اعرف نفسك»

وهذه الصيغة القصيرة هي التي ارتبطت في التراث الفلسفي اليوناني بمسألة معرفة الذات، وبالانتقال من معرفة العالم الخارجي إلى مساءلة الإنسان لذاته وحدود معرفته. أما الإضافة: «تعرف العالم واللاهوت»، فلا تظهر بوصفها جزءًا من النقش الدلفي الأصلي، وإنما تبدو أقرب إلى صياغة تفسيرية حديثة توسّع المعنى الفلسفي للحكمة، وربما تربطها بتأويلات لاحقة جعلت معرفة الذات طريقًا إلى معرفة الكون والمبدأ الإلهي.
وهنا تظهر مسألة منهجية أساسية: إن الفرق بين النص والتفسير ليس فرقًا شكليًا، بل هو فرق يتعلق بتاريخ الأفكار نفسه. فحين تُنسب إضافة تفسيرية إلى نص قديم بوصفها جزءًا منه، فإننا لا نضيف معنى فحسب، بل نعيد تشكيل تاريخ النص ونسبته وسياقه الثقافي. ولذلك فإن التحقيق العلمي لا يكتفي بالسؤال: ماذا يعني النص؟ بل يبدأ قبل ذلك بسؤال أكثر أولية: ما الذي قاله النص أصلًا؟
ولا تهدف هذه الملاحظة إلى الانتقاص من قيمة الدكتور بنسالم حميش، وهو أحد أبرز المفكرين المغاربة المعاصرين، بل إلى إثارة إشكال منهجي يتجاوز الأشخاص، ويتصل بطريقة تداول النصوص في الثقافة الإنسانية. فالأفكار الكبرى لا تنتقل بين العصور بصورتها الأولى دائمًا؛ إذ تخضع لعمليات من الترجمة، وإعادة القراءة، والدمج داخل أنساق معرفية جديدة. غير أن هذه الحيوية التأويلية لا تلغي ضرورة المحافظة على الحدود بين الأصل والتلقي.
أما المأثورة الثانية: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، فإن الإشكال فيها أكثر تعقيدًا؛ لأننا ننتقل من فضاء الفلسفة اليونانية إلى فضاء التراث الإسلامي، حيث لعبت الأقوال المنسوبة إلى الشخصيات المؤسسة دورًا مركزيًا في بناء الذاكرة الفكرية والروحية.
فليس الإشكال في أن المتصوفة استثمروا هذه العبارة وجعلوها جزءًا من خطابهم حول معرفة النفس والعلاقة بين الإنسان والمطلق؛ فهذا يدخل في تاريخ التلقي والتأويل، وهو أمر طبيعي في حياة النصوص. لكن الإشكال المنهجي يظهر عندما يتحول الاستعمال الصوفي اللاحق إلى دليل على الأصل الصوفي للعبارة، إذ إن هناك فرقًا جوهريًا بين القول: إن التصوف أعاد إنتاج هذا المعنى داخل منظومته، وبين القول: إن العبارة نشأت أصلًا داخل التصوف.
وهذا الفرق يزداد أهمية عند الحديث عن الإمام علي بن أبي طالب؛ فهو ينتمي إلى المرحلة التأسيسية الأولى في التاريخ الإسلامي، أي إلى مرحلة سبقت تشكل التصوف بوصفه علمًا ومذهبًا ومؤسسة معرفية لها مصطلحاتها ومناهجها. لذلك فإن أي قول يُنسب إليه ينبغي أن يُدرس أولًا ضمن سياقه التاريخي الأول، ثم يُنظر بعد ذلك في كيفية انتقاله إلى مجالات معرفية لاحقة، ومنها المجال الصوفي.
إن تاريخ النص ليس هو تاريخ استعماله فقط. فقد يعيش النص قرونًا داخل بيئات فكرية مختلفة، ويكتسب دلالات جديدة، لكن تلك الدلالات لا تمحو لحظة ظهوره الأولى. فكما أن تبني الفلاسفة المسلمين لمفاهيم يونانية لم يجعل تلك المفاهيم عربية المنشأ، كذلك فإن حضور قول ما في الأدبيات الصوفية لا يكفي وحده لإثبات أنه صوفي الأصل.
وهذه المسألة تكشف عن ظاهرة أوسع في الثقافة العربية والإسلامية، تتمثل في قوة الذاكرة التداولية على حساب الذاكرة التاريخية؛ إذ كثيرًا ما تصبح الشهرة بديلاً عن التحقيق، ويتقدم الانتشار على المصدر، حتى يغدو النص معروفًا أكثر من مؤلفه، أو مشهورًا أكثر من سياقه.
وانطلاقًا مما وقفت عليه من مصادر ومناقشات تحقيقية، أميل إلى القول إن هذه المأثورة ترتبط في تاريخ تداولها بالإمام علي بن أبي طالب، وأن وصفها بأنها «مأثورة صوفية» يحتاج إلى احتراز منهجي؛ لأن التصوف لم يكن منشأها بالضرورة، وإن كان قد منحها حضورًا خاصًا وتأويلًا عميقًا داخل منظومته الروحية.
فالنصوص لا تفقد أصولها حين تدخل في أنساق جديدة، كما أن إعادة القراءة لا تعني إعادة الولادة. وبين الأصل والتأويل مسافة ينبغي الحفاظ عليها، لأنها المسافة التي يحفظ بها الباحث تاريخ الأفكار من الذوبان في ذاكرة التلقي.
وعليه، فإن الأمانة العلمية في دراسة النصوص لا تتمثل في حفظ الكلمات فقط، بل في حفظ مسارها التاريخي أيضًا؛ لأن النص الصحيح المنسوب خطأً ليس أقل إشكالًا من النص الخاطئ، وكلاهما يعرّض تاريخ المعرفة إلى تشويش لا يمكن تجاوزه إلا بالعودة إلى أصول العزو وقواعد التحقيق.

هامش
النصوص التاريخية لا تُثبت بالشهرة، بل بالشواهد. والصيغة التي تثبتها الشواهد الكلاسيكية للنقش الدلفي هي:
(ΓΝΩΘΙ ΣΕΑΥΤΟΝ)
«اعرف نفسك»
أما إضافة: «تعرف العالم واللاهوت»، فلا يجوز عدّها جزءًا من النقش ما لم تُسند إلى مصدر يوناني أولي أو إلى تحقيق إبغرافي موثق. وإلى أن يقدم هذا الدليل، تبقى هذه العبارة تفسيرًا فلسفيًا للنقش، لا نصًا من نصوصه.

دفعني إلى كتابة هذه السطور ما ورد في الصفحة الثانية عشرة من كتاب «الذات بين الوجود والإيجاد» للدكتور بنسالم حميش، الصادر عن المركز الثقافي للكتاب (الدار البيضاء – المغرب)، إذ يقول:
«على جدران معبد دلفي اليوناني يطالعنا نقشٌ لحكمة اتخذها سقراط مبدأً فكريًا ونهجًا حياتيًا: اعرف نفسك بنفسك تعرف العالم واللاهوت. كما أننا نقرأ في الأدب الصوفي مأثورةً متواترة، وهي: من عرف نفسه فقد عرف ربه.»
إن أهمية هذا المقطع لا تكمن فقط في المضمون الفلسفي الذي يستدعي علاقة الإنسان بذاته وبالمطلق، بل تكمن أيضًا في الطريقة التي تنتقل بها النصوص بين الأزمنة والثقافات، وفي ضرورة التمييز بين النص الأصلي، والتفسير اللاحق، والاستعمال التأويلي الذي قد يمنح العبارة حياة جديدة داخل سياقات مختلفة وقبل مناقشة المأثورة الثانية، تبدو الحاجة قائمة إلى التوقف عند المأثورة الأولى، لا من زاوية الاعتراض على حضورها الفلسفي، وإنما من زاوية تاريخ النص وضبط الإحالة. فالعبارة الواردة في النص: «اعرف نفسك بنفسك تعرف العالم واللاهوت» لا تطابق الصيغة اليونانية التي تثبتها المصادر الكلاسيكية للنقش المنسوب إلى معبد دلفي، وهي:

γνῶθι σεαυτόν

«اعرف نفسك»

وهذه الصيغة القصيرة هي التي ارتبطت في التراث الفلسفي اليوناني بمسألة معرفة الذات، وبالانتقال من معرفة العالم الخارجي إلى مساءلة الإنسان لذاته وحدود معرفته. أما الإضافة: «تعرف العالم واللاهوت»، فلا تظهر بوصفها جزءًا من النقش الدلفي الأصلي، وإنما تبدو أقرب إلى صياغة تفسيرية حديثة توسّع المعنى الفلسفي للحكمة، وربما تربطها بتأويلات لاحقة جعلت معرفة الذات طريقًا إلى معرفة الكون والمبدأ الإلهي.
وهنا تظهر مسألة منهجية أساسية: إن الفرق بين النص والتفسير ليس فرقًا شكليًا، بل هو فرق يتعلق بتاريخ الأفكار نفسه. فحين تُنسب إضافة تفسيرية إلى نص قديم بوصفها جزءًا منه، فإننا لا نضيف معنى فحسب، بل نعيد تشكيل تاريخ النص ونسبته وسياقه الثقافي. ولذلك فإن التحقيق العلمي لا يكتفي بالسؤال: ماذا يعني النص؟ بل يبدأ قبل ذلك بسؤال أكثر أولية: ما الذي قاله النص أصلًا؟
ولا تهدف هذه الملاحظة إلى الانتقاص من قيمة الدكتور بنسالم حميش، وهو أحد أبرز المفكرين المغاربة المعاصرين، بل إلى إثارة إشكال منهجي يتجاوز الأشخاص، ويتصل بطريقة تداول النصوص في الثقافة الإنسانية. فالأفكار الكبرى لا تنتقل بين العصور بصورتها الأولى دائمًا؛ إذ تخضع لعمليات من الترجمة، وإعادة القراءة، والدمج داخل أنساق معرفية جديدة. غير أن هذه الحيوية التأويلية لا تلغي ضرورة المحافظة على الحدود بين الأصل والتلقي.
أما المأثورة الثانية: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، فإن الإشكال فيها أكثر تعقيدًا؛ لأننا ننتقل من فضاء الفلسفة اليونانية إلى فضاء التراث الإسلامي، حيث لعبت الأقوال المنسوبة إلى الشخصيات المؤسسة دورًا مركزيًا في بناء الذاكرة الفكرية والروحية.
فليس الإشكال في أن المتصوفة استثمروا هذه العبارة وجعلوها جزءًا من خطابهم حول معرفة النفس والعلاقة بين الإنسان والمطلق؛ فهذا يدخل في تاريخ التلقي والتأويل، وهو أمر طبيعي في حياة النصوص. لكن الإشكال المنهجي يظهر عندما يتحول الاستعمال الصوفي اللاحق إلى دليل على الأصل الصوفي للعبارة، إذ إن هناك فرقًا جوهريًا بين القول: إن التصوف أعاد إنتاج هذا المعنى داخل منظومته، وبين القول: إن العبارة نشأت أصلًا داخل التصوف.
وهذا الفرق يزداد أهمية عند الحديث عن الإمام علي بن أبي طالب؛ فهو ينتمي إلى المرحلة التأسيسية الأولى في التاريخ الإسلامي، أي إلى مرحلة سبقت تشكل التصوف بوصفه علمًا ومذهبًا ومؤسسة معرفية لها مصطلحاتها ومناهجها. لذلك فإن أي قول يُنسب إليه ينبغي أن يُدرس أولًا ضمن سياقه التاريخي الأول، ثم يُنظر بعد ذلك في كيفية انتقاله إلى مجالات معرفية لاحقة، ومنها المجال الصوفي.
إن تاريخ النص ليس هو تاريخ استعماله فقط. فقد يعيش النص قرونًا داخل بيئات فكرية مختلفة، ويكتسب دلالات جديدة، لكن تلك الدلالات لا تمحو لحظة ظهوره الأولى. فكما أن تبني الفلاسفة المسلمين لمفاهيم يونانية لم يجعل تلك المفاهيم عربية المنشأ، كذلك فإن حضور قول ما في الأدبيات الصوفية لا يكفي وحده لإثبات أنه صوفي الأصل.
وهذه المسألة تكشف عن ظاهرة أوسع في الثقافة العربية والإسلامية، تتمثل في قوة الذاكرة التداولية على حساب الذاكرة التاريخية؛ إذ كثيرًا ما تصبح الشهرة بديلاً عن التحقيق، ويتقدم الانتشار على المصدر، حتى يغدو النص معروفًا أكثر من مؤلفه، أو مشهورًا أكثر من سياقه.
وانطلاقًا مما وقفت عليه من مصادر ومناقشات تحقيقية، أميل إلى القول إن هذه المأثورة ترتبط في تاريخ تداولها بالإمام علي بن أبي طالب، وأن وصفها بأنها «مأثورة صوفية» يحتاج إلى احتراز منهجي؛ لأن التصوف لم يكن منشأها بالضرورة، وإن كان قد منحها حضورًا خاصًا وتأويلًا عميقًا داخل منظومته الروحية.
فالنصوص لا تفقد أصولها حين تدخل في أنساق جديدة، كما أن إعادة القراءة لا تعني إعادة الولادة. وبين الأصل والتأويل مسافة ينبغي الحفاظ عليها، لأنها المسافة التي يحفظ بها الباحث تاريخ الأفكار من الذوبان في ذاكرة التلقي.
وعليه، فإن الأمانة العلمية في دراسة النصوص لا تتمثل في حفظ الكلمات فقط، بل في حفظ مسارها التاريخي أيضًا؛ لأن النص الصحيح المنسوب خطأً ليس أقل إشكالًا من النص الخاطئ، وكلاهما يعرّض تاريخ المعرفة إلى تشويش لا يمكن تجاوزه إلا بالعودة إلى أصول العزو وقواعد التحقيق.

هامش
النصوص التاريخية لا تُثبت بالشهرة، بل بالشواهد. والصيغة التي تثبتها الشواهد الكلاسيكية للنقش الدلفي هي:
(ΓΝΩΘΙ ΣΕΑΥΤΟΝ)
«اعرف نفسك»
أما إضافة: «تعرف العالم واللاهوت»، فلا يجوز عدّها جزءًا من النقش ما لم تُسند إلى مصدر يوناني أولي أو إلى تحقيق إبغرافي موثق. وإلى أن يقدم هذا الدليل، تبقى هذه العبارة تفسيرًا فلسفيًا للنقش، لا نصًا من نصوصه.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملحوظات في تاريخ النصوص وأصول ا ...
- Casablanca
- من البنية إلى ضدّ البنية: تفكيك مركزية النموذج المسرحي وإعاد ...
- البراديغم التأسيسي في الدراسات المسرحية العربية: نحو نقد إبس ...
- بيان أكاديمي ضد الاستعمار المسرحي للعقل العربي
- ما رأيته في الجامعات الإيرانية وجدته أيضًا في الجامعات المغر ...
- تامغارت
- ماذا سيقول القارئ عند قراءة هذا النص
- كازابلانكا بين الأمكنة المتداخلة دفتر الأماكن المستحيلة
- من رسائلي الى الكاتبة المغربية اميمة ملاك
- ضد غباء السينما يا اميمة
- قصيدة حب ميتافيزيقية
- La main d’Emma
- إنها الساعة الخامسة في الأبدية
- «علمتني امرأة أمازيغية»،
- «علمتني امرأة أمازيغية: ثلاث ساعات في مطار محمد الخامس»/توضي ...
- كيف أحببتُكِ دون أن أفسد الفوضى
- الدوار الذي يُغذّي أنهاري / رحلتي ضد غباء الموسيقا
- قصيدة حب لامرأة مغربية
- قصيدة حب إلى أميمة بنت ملاك


المزيد.....




- شاهد.. سكان سياتل يؤوون أشخاصًا وسط فرارهم من إطلاق نار جماع ...
- رجل يقطع ست ساعات سيرًا على الأقدام وعصا مشي مغروسة بجسده
- مذكرة إحضار ثم تأجيل الاستجواب.. ما آخر التطوات القضائية في ...
- لقطات بطائرة مسيّرة ترصد حريقا هائلا في مقاطعة كاستيون بشرق ...
- هل يشهد النظام الإيراني -انقلاباً ناعماً-؟ اتهامات تطال بزشك ...
- خلاف يفجّر أزمة في لواء جفعاتي.. عشرات الجنود الاسرائيليين ي ...
- تمرد في الجيش الإسرائيلي.. عشرات الجنود من لواء -جفعاتي- يغا ...
- التكتل الأوروبي.. خلاف حول قروض التسليح
- نقص الغاز يهدد أوروبا بشتاء بارد
- الحوثيون يدينون استهداف الحشد الشعبي


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ميشيل الرائي - من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملاحظات في تاريخ النصوص وأصول العزو