ميشيل الرائي
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 21:09
المحور:
الادب والفن
لا يمكن لمسرح عربي جديد أن يولد ما دام وعينا التاريخي بالمسرح محكوماً بالنموذج المدرسي الخطي الذي يتعامل مع تاريخ المسرح بوصفه سلسلة من العصور المنتهية، تبدأ باليونان، ثم تنتقل إلى روما، فالعصور الوسطى، فالنهضة، فالحداثة، ثم ما بعد الحداثة. إن هذا التصور لا يصف التاريخ، بل يصنعه وفق منطقٍ تبسيطي يحول التحولات الحضارية إلى قطيعات وهمية، ويُخفي حقيقة أن الأنساق الجمالية والمعرفية لا تموت، بل تعيد إنتاج نفسها داخل أشكال وخطابات جديدة. فاليونان لم تغادر المسرح؛ إنها ما تزال تعمل بوصفها بنية معرفية كامنة تتخفى داخل نظريات تدّعي تجاوزها، بينما تعيد إنتاج كثير من فرضياتها بأسماء مختلفة.
إن الأزمة المركزية للفكر المسرحي العربي لا تكمن في استمرار حضور المرجعية الأوروبية، وإنما في غياب الوعي النقدي بطبيعة هذا الحضور. فقد تحولت الأكاديمية العربية، في كثير من الأحيان، إلى فضاء لإعادة تدوير المفاهيم المستوردة أكثر من كونها فضاءً لإنتاج المفاهيم. وأصبح انتقال المصطلح من لغته الأصلية إلى العربية يُعامل بوصفه انتقالاً للحقيقة ذاتها، مع أن كل مفهوم هو ابن سياقه التاريخي والاجتماعي والإبستمولوجي، ولا يمتلك صلاحية كونية بمجرد ترجمته.
إن الترجمة، مهما بلغت دقتها، ليست فعلاً معرفياً مكتملًا، وإنما هي بداية لسؤال نقدي، لا نهايته. فالاقتباس لا ينتج نظرية، واستدعاء أسماء المنظرين لا يصنع منظراً جديداً، كما أن تكديس الإحالات المرجعية لا يعوض غياب المشروع الفكري المستقل. لذلك فإن أحد أخطر مظاهر الاستعمار المعرفي يتمثل في تحويل الفكر الأوروبي من موضوع للحوار إلى سلطة معيارية لا يجوز مساءلتها، بحيث تصبح كل هرطقة فكرية تظهر في أوروبا عقيدة أكاديمية في جامعاتنا، وكل مصطلح غامض مشروعاً لرسالة جامعية، وكل بيان تنظيري نصاً مؤسساً لا يخضع للنقد.
لقد أفرز هذا الواقع نموذجاً ثقافياً جديداً، تُقاس فيه القيمة العلمية بعدد الورش الدولية، والإقامات الفنية، والصور مع المخرجين الأوروبيين، أكثر مما تُقاس بقدرة الباحث أو المسرحي على إنتاج مفهوم جديد أو بناء جهاز نظري مستقل. وهكذا تحولت السيرة الذاتية إلى بديل عن المشروع الفكري، وأصبح رأس المال الرمزي أهم من رأس المال المعرفي، في الوقت الذي راحت فيه مؤسسات ثقافية عديدة تمنح الشرعية لمن ينقل، لا لمن يبتكر، وتكافئ من يترجم، لا من يؤسس.
ومن هنا فإن الاعتراف العالمي لا يتحقق بالحضور في المهرجانات، ولا بالمشاركة في الندوات الدولية، ولا باستضافة أسماء مسرحية مرموقة. فكل ذلك، على أهميته، لا يشكل معياراً لإنتاج المعرفة. إن الاعتراف الحقيقي يبدأ عندما تتحول المفاهيم التي ننتجها إلى جزء من النقاش المسرحي العالمي، وعندما يصبح الباحث في برلين أو طوكيو أو بوينس آيرس مضطراً إلى قراءة نظرية كُتبت بالعربية لأنها أصبحت شرطاً لفهم تحولات المسرح المعاصر.
ولا ينبغي، في المقابل، أن نخدع أنفسنا بطبيعة العلاقة القائمة بين المركز والأطراف داخل الحقل المسرحي العالمي. فما تزال بعض المؤسسات والخطابات الغربية تنظر إلى الثقافة العربية بوصفها مستهلكاً للمعرفة أكثر منها منتجاً لها. وهذه النظرة لا تُهزم بالخطابات الانفعالية ولا بالشعارات الهوياتية، وإنما تُفكك بإنتاج معرفة أصلية تُجبر الوقائعُ التاريخيةُ الجميعَ على الاعتراف بها.
إن معركتنا ليست مع أوروبا، لأن الفكر لا وطن له، وإنما مع الاستعمار المعرفي حين يتحول إلى بنية داخلية تستعمر وعينا نحن، وتجعلنا نرى أنفسنا بعيون غيرنا. ولذلك فإن الثورة المسرحية المنشودة لا تبدأ من تقنيات العرض، ولا من تجريب الخشبة، بل تبدأ من إعادة بناء العقل المسرحي العربي نفسه، ومن تفكيك المؤسسة الأكاديمية التي خلطت بين الحفظ والمعرفة، وبين النقل والاكتشاف، وبين الشهرة والإنتاج الفكري، وبين التلقي والتأسيس.
إن مستقبل المسرح العربي لن يتحدد بمدى براعتنا في شرح بريشت أو آرتو أو غروتوفسكي أو باربا، بل بقدرتنا على إنتاج نظرية جديدة تضيف إلى تاريخ الفكر المسرحي العالمي ما لم يكن موجوداً قبلاً. فالأمم لا تدخل التاريخ لأنها أتقنت استهلاك النظريات، وإنما لأنها أنتجت مفاهيم أجبرت الآخرين على إعادة كتابة خرائط المعرفة.
هذه ليست دعوة إلى الانغلاق الثقافي، ولا إلى رفض الفكر الأوروبي، بل هي دعوة إلى تحرير العلاقة معه من منطق التبعية، وتحويلها إلى علاقة نقدية تقوم على الحوار المتكافئ. فالحضارات لا تتقدم بالاستيراد الدائم، وإنما بإنتاج المعرفة القادرة على أن تصبح هي نفسها موضوعاً للترجمة والتدريس والجدل.
إن الامتحان الحقيقي للمسرح العربي لن يكون يوم نترجم أحدث البيانات الأوروبية، بل يوم تُترجم بياناتنا نحن إلى لغات العالم، ويغدو المفهوم الذي وُلد في العربية ضرورةً لا يمكن تجاوزها في دراسة المسرح العالمي. وما دون ذلك ليس إلا إدارةً أكثر أناقة للهزيمة المعرفية.
إن أخطر أشكال الاستعمار لا تتمثل في احتلال الجغرافيا، بل في احتلال شروط إنتاج الحقيقة. فحين يصبح العقل عاجزًا عن تخيل المعرفة خارج القوالب التي صاغها الآخر، يكون الاستعمار قد بلغ مرحلته القصوى؛ إذ لم يعد يفرض سلطته بالقوة، بل بالبديهة. ومن هنا فإن سؤال المسرح العربي ليس سؤال التخلف التقني، ولا ضعف البنية المؤسسية، بل سؤال السيادة الإبستمولوجية: من يمتلك الحق في تعريف المسرح؟ ومن يملك سلطة تحديد ما يعد نظرية، وما يعد مجرد تجربة محلية؟ ومن الذي رسم الحدود بين المركز المنتج للمفاهيم، والهامش المكلّف باستهلاكها؟
لقد نجح النظام الأكاديمي العالمي في إنتاج ما يمكن تسميته بـ"تقسيم العمل المعرفي". فالمركز ينتج المفهوم، بينما يُكلَّف الهامش بتطبيقه، وشرحِه، وترجمته، واختباره على واقعه. وهكذا تتحول الجامعات الواقعة خارج المركز إلى مختبرات لتأكيد صلاحية النظريات الأوروبية، لا إلى فضاءات لتوليد نظريات جديدة. إن هذه البنية ليست حيادية، بل هي جزء من اقتصاد رمزي عالمي يحتكر سلطة التسمية والتصنيف، ويعيد توزيع الشرعية العلمية وفق خرائط القوة لا وفق منطق المعرفة.
ومن هنا فإن كل مشروع مسرحي عربي لا يبدأ بتفكيك هذا النظام المعرفي سيظل، مهما بلغ من الإبداع الجمالي، يعمل داخل أفق رسمه غيره. فالتحرر الجمالي مستحيل من دون تحرر إبستمولوجي، كما أن استقلال الخشبة وهمٌ ما دام العقل الذي يبنيها يستعير خرائطه المفاهيمية من خارج تجربته التاريخية.
لقد آن الأوان لأن نتجاوز وهم "اللحاق بالحداثة". فاللحاق ليس مشروعًا حضاريًا، بل اعترافٌ مسبق بأن الآخر يمتلك الزمن، بينما لا نمتلك نحن سوى محاولة تقليده. وكل مشروع يقوم على فكرة اللحاق محكوم عليه بأن يصل متأخرًا، لأن المركز يكون قد غادر النموذج الذي نسعى إلى تقليده قبل أن ننجح في استيعابه. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نلتحق؟ بل: كيف نكسر المنطق الذي جعل التاريخ نفسه سباقًا بين مركز وهامش؟
إن المسرح ليس سلسلة مدارس، ولا أرشيفًا للأشكال، ولا تراكمًا للأساليب الإخراجية؛ إنه جهاز لإنتاج أنماط جديدة من التفكير. ومن يعجز عن إنتاج مفهوم جديد، مهما بلغ تفوقه في إعادة إخراج النصوص، يبقى داخل دائرة إعادة الإنتاج لا داخل أفق الاكتشاف. فالتاريخ لا يتذكر الذين أتقنوا الشرح، بل الذين غيّروا اللغة التي صار الشرح يُكتب بها.
لهذا فإن معركتنا ليست مع بريشت، ولا مع آرتو، ولا مع باربا، ولا مع أي اسم آخر. إنهم ليسوا خصومًا، بل لحظات كبرى في تاريخ الفكر الإنساني. الخصم الحقيقي هو تحويلهم إلى نهاية للتفكير، وإلى مرجعيات مغلقة تُستدعى بوصفها سلطة لا بوصفها موضوعًا للنقد. فكل نظرية عظيمة تبدأ بسؤال، لكنها تموت حين تتحول إلى عقيدة.
إن البيان الذي نكتبه ليس دعوة إلى تأسيس مسرح عربي، بل إلى إعادة توزيع السلطة داخل الجغرافيا العالمية للمعرفة. إنه إعلان بأن زمن استيراد المفاهيم قد استنفد إمكاناته التاريخية، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تصدير المفاهيم، لا بوصفها شعارات هووية، بل بوصفها أدوات تفسير قادرة على قراءة الظواهر المسرحية أينما وُجدت. فالنظرية لا تصبح عالمية لأنها وُلدت في باريس أو برلين، وإنما لأنها تفسر ما تعجز النظريات السابقة عن تفسيره.
ولن يتحقق ذلك إلا عندما نمتلك الشجاعة الفكرية لإخضاع تاريخ المسرح نفسه للنقد، لا الاكتفاء بنقد قراءاته. فربما لم تكن المشكلة يومًا في نقص مساهمتنا في هذا التاريخ، بل في الطريقة التي كُتب بها التاريخ ذاته، وفي السلطة التي قررت مسبقًا من يحق له أن يكون مؤسسًا، ومن يُسمح له فقط بأن يكون تلميذًا. وعندما يصبح تاريخ المسرح نفسه موضوعًا للتفكيك، لا مرجعًا نهائيًا للتصديق، تبدأ لحظة التحرر الفعلية، ويبدأ المسرح العربي لأول مرة في كتابة العالم، بدل الاكتفاء بقراءته.
Casablanca
#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟