|
|
البراديغم التأسيسي في الدراسات المسرحية العربية: نحو نقد إبستمولوجي لسؤال البدايات
ميشيل الرائي
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 17:23
المحور:
قضايا ثقافية
ليس السؤال اليوم: متى بدأ المسرح العربي؟ ولا: هل عرف العرب المسرح؟ فهذه الأسئلة استُهلكت حتى كادت تتحول إلى يقين منهجي لا إلى موضوع للبحث. فمنذ أكثر من نصف قرن، والكتب والدوريات والرسائل الجامعية والمؤتمرات التي تعقدها المؤسسات المسرحية العربية، من القاهرة إلى بغداد، ومن قرطاج إلى الرباط والشارقة، تعيد إنتاج الأسئلة نفسها، مع اختلاف في الأمثلة والأسماء، لا في البنية الفكرية التي تنتجها. لقد ظل الخطاب المسرحي العربي أسير ثلاثة محاور كبرى: سؤال الأصل الذي يبحث عن لحظة الميلاد مع مارون النقاش أو أبي خليل القباني أو يعقوب صنوع، وسؤال الهوية الذي يتأرجح بين الاقتباس من المسرح الأوروبي والعودة إلى التراث والفرجات الشعبية، وسؤال الحداثة الذي يحاول التوفيق بين المحلي والعالمي. غير أن هذه المحاور، على أهميتها التاريخية، لم تعد تنتج معرفة جديدة، بل أصبحت تعيد إنتاج نفسها داخل دائرة مغلقة. إن الأزمة لا تكمن في ندرة المعلومات، ولا في غياب الوثائق، وإنما في الإطار المعرفي الذي تُصاغ داخله الأسئلة. فما زالت الدراسات المسرحية العربية، في معظمها، تتحرك داخل أفق تاريخي وصفي، بينما تفتقر إلى مساءلة إبستمولوجية للمفاهيم التي تنطلق منها. فالسؤال التقليدي: «هل عرف العرب المسرح؟» يفترض مسبقًا أن المسرح مفهوم كوني ثابت، في حين أن هذا المفهوم نفسه تشكل داخل سياق تاريخي وثقافي أوروبي محدد. لذلك يصبح السؤال الأكثر دقة: كيف تحول النموذج الأوروبي إلى معيار عالمي تُقاس عليه جميع الثقافات الأدائية؟ ومن الذي منح هذا النموذج سلطة التعريف؟ كما أن كثيرًا من المؤتمرات والبحوث الأكاديمية لم تعد تنتج مفاهيم جديدة بقدر ما تعيد تدوير المفاهيم الموروثة. فغالبًا ما يُكافأ الباحث على قدرته على الانسجام مع النموذج السائد، لا على زعزعته أو إعادة بنائه. وهذه ليست أزمة المسرح العربي وحده، بل إحدى سمات العلوم الإنسانية عندما تتحول المؤسسة الأكاديمية إلى حارس للمعرفة أكثر من كونها منتجًا لها. ولا يعني ذلك أن الفكر العربي خلا من محاولات التجديد؛ فقد سعت مشاريع فكرية متعددة إلى إعادة النظر في مفاهيم التراث والحداثة ونقد البنية المعرفية العربية، إلا أن أثرها في الدراسات المسرحية ظل محدودًا، ولم يتحول إلى نموذج تفسيري جديد يعيد تأسيس الحقل برمته. من هنا لا يعود السؤال متعلقًا بتاريخ المسرح العربي وحده، بل بطبيعة المعرفة التي أنتجت هذا التاريخ. فبدل أن نسأل: ما هو المسرح العربي؟ أو: متى بدأ؟ يصبح السؤال: من يملك سلطة تعريف المسرح؟ وكيف أصبحت الرواية الأوروبية عن نشأته حقيقة كونية؟ ولماذا نصر على البحث عن «أب» للمسرح العربي، بينما قد تكون الممارسات الأدائية في الثقافة العربية متعددة الجذور، عصية على الاختزال في لحظة تأسيس واحدة؟ وهل ما نكتبه هو تاريخ المسرح فعلًا، أم تاريخ المؤسسة التي أنتجت هذا التاريخ ورسخته؟ عند هذه النقطة ينتقل البحث من كتابة تاريخ المسرح إلى نقد المعرفة التي تنتج هذا التاريخ. وهنا فقط يصبح من الممكن الانتقال من إعادة تدوير السرديات إلى إنتاج نظرية جديدة. إن الأزمة الحقيقية، في تقديري، ليست أزمة نقص في المصادر، ولا أزمة قلة في الدراسات، بل هي استمرار هيمنة ما يمكن تسميته بـ «البراديغم التأسيسي»؛ أي ذلك النموذج الذي لا يكف عن البحث عن الأصل والهوية والبداية، بدل تحليل الشروط التي أنتجت هذه المفاهيم نفسها. وأقصد بالبراديغم التأسيسي المنظومة المعرفية التي تجعل سؤال الأصل والبداية والهوية الإطار الحاكم للدراسات المسرحية العربية، بحيث يصبح اختلاف الباحثين مقتصرًا على الإجابات، لا على طبيعة الأسئلة نفسها. ولا أقصد بالبراديغم هنا مجرد اتجاه فكري أو مدرسة نقدية، وإنما منظومة من الافتراضات المسبقة التي تحدد للباحث نوع الأسئلة التي يحق له أن يطرحها، وحدود الإجابات الممكنة قبل أن يبدأ البحث نفسه. فالبراديغم لا يقدم حلولًا، بل يصنع المشكلة التي ينبغي البحث عنها. ومن هذا المنطلق، فإن أغلب الدراسات المسرحية العربية، على اختلاف مدارسها واتجاهاتها، لم تختلف في طبيعة الأسئلة، وإنما في طبيعة الأجوبة فقط. فقد ظل الباحث العربي يتحرك داخل دائرة مغلقة تبدأ دائمًا من سؤال الأصل، ثم تنتهي إليه. فمن بدأ المسرح العربي؟ هل كانت البداية مع مارون النقاش؟ أم مع أبي خليل القباني؟ أم مع يعقوب صنوع؟ وهل عرف العرب المسرح قبل القرن التاسع عشر؟ وإذا كانت لديهم أشكال فرجوية، فهل يجوز أن نسميها مسرحًا؟ وهل المسرح العربي وافد من أوروبا، أم أنه امتداد لتراث عربي سابق؟ إن اختلاف الإجابات لم يكن يعني خروجًا من هذا البراديغم، لأن جميع هذه المواقف كانت تتحرك داخل السؤال نفسه. فالذي يدافع عن الأصل الأوروبي، والذي يبحث عن أصل عربي، والذي يعود إلى الفرجات الشعبية، جميعهم يشتركون في افتراض لم يخضع للنقد، وهو أن تاريخ المسرح لا بد أن يمتلك نقطة ميلاد واحدة، وأن قيمة الظاهرة الثقافية تتحدد بإثبات أصلها. وهنا تكمن سلطة البراديغم التأسيسي؛ فهو لا يفرض نتائج بعينها، وإنما يفرض شكل التفكير ذاته. إنه يحول البحث العلمي إلى عملية تنقيب دائمة عن البدايات، ويجعل التاريخ سلسلة من لحظات التأسيس، بدل أن يكون شبكة معقدة من التحولات والانقطاعات والتداخلات. ولذلك اختُزل قرن ونصف من التفكير المسرحي العربي في سؤال واحد: من كان الأول؟ بينما غابت أسئلة أكثر عمقًا، مثل: كيف تشكل مفهوم المسرح نفسه؟ ومن الذي منح بعض الممارسات صفة «المسرح» وحرم ممارسات أخرى منها؟ وكيف أصبحت التجربة الأوروبية هي النموذج المرجعي الذي تُقاس عليه بقية التجارب الإنسانية؟ إن البراديغم التأسيسي لا يبحث عن المعرفة بقدر ما يبحث عن الشرعية. فهو يسعى إلى منح المسرح العربي شهادة ميلاد، أو إثبات نسب تاريخي له، وكأن القيمة الفكرية لأي ظاهرة ثقافية تتوقف على إثبات أسبقيتها الزمنية. وهكذا تحولت الدراسات المسرحية، في كثير من الأحيان، إلى محاكم تاريخية تبحث عن الأب المؤسس أكثر مما تبحث عن شروط إنتاج الظاهرة نفسها. ومن هنا فإن تجاوز هذا البراديغم لا يعني إنكار دور مارون النقاش أو أبي خليل القباني أو يعقوب صنوع، كما لا يعني إنكار أثر المسرح الأوروبي أو الفرجات الشعبية، بل يعني تحرير البحث من السؤال الذي جعل هذه الأسماء تتحول إلى مركز تدور حوله جميع الدراسات. فالمشكلة ليست في الأشخاص، وإنما في النظام المعرفي الذي جعل البحث لا يرى غيرهم. إن الانتقال إلى أفق نظري جديد يبدأ لحظة نتوقف عن سؤال: «من بدأ؟» لنطرح سؤالًا أكثر جذرية: كيف صُنعت فكرة البداية أصلًا؟ فمنذ تلك اللحظة لا يصبح موضوع البحث هو تاريخ المسرح العربي، بل تاريخ إنتاج المعرفة بالمسرح العربي، وهو انتقال من كتابة الوقائع إلى نقد الشروط التي جعلت الوقائع تُرتب وتُفسر على هذا النحو دون غيره. ذلك هو ما أسميه التحول من البراديغم التأسيسي إلى البراديغم الإبستمولوجي؛ أي الانتقال من البحث عن أصل الظاهرة إلى البحث في الشروط المعرفية التي أنتجت مفهوم الأصل نفسه. وعند هذه النقطة فقط يصبح من الممكن الحديث عن تأسيس نظرية جديدة في الدراسات المسرحية العربية، لا لأنها تقدم بداية أخرى، بل لأنها تتجاوز هوس البدايات ذاته. إذا كان البراديغم التأسيسي قد هيمن على طبيعة الأسئلة التي طرحتها الدراسات المسرحية العربية، فإن أثره الأكثر وضوحًا يتجلى في الكيفية التي كُتب بها تاريخ المسرح العربي نفسه. فقبل البحث في هذا التاريخ، ينبغي أن نسأل: كيف تكوَّن هذا التاريخ؟ إن التاريخ لا يتحدث بنفسه، بل يُكتب داخل مؤسسات، ويخضع لمناهج، ويُنتج وفق اختيارات معرفية محددة. ومن ثم فإن كل تاريخ هو، في جانب منه، تاريخ لطريقة كتابته. ولذلك فإن الإشكال لا يكمن في ندرة الوثائق ولا في غياب المصادر، وإنما في النظام المعرفي الذي منح بعض الوقائع صفة التأسيس، بينما همش وقائع أخرى أو استبعدها من دائرة الاعتراف. لقد استقرت الرواية السائدة عن المسرح العربي إلى درجة تحولت معها إلى مسلمة أكاديمية. فهي تبدأ بمارون النقاش، ثم تتواصل مع أبي خليل القباني ويعقوب صنوع، قبل أن تنتقل إلى مراحل الاقتباس والترجمة فالاحتراف. غير أن استقرار هذه الرواية لا يعني بالضرورة أنها الرواية الوحيدة الممكنة، بل قد يكون نتيجة لتكرارها داخل المناهج الجامعية، والرسائل العلمية، والمؤتمرات الأكاديمية، حتى اكتسبت سلطة الحقيقة. ومن هنا لا يعود التاريخ مجرد سجل للأحداث، بل يصبح هو نفسه موضوعًا للنقد. فالرواية التي تبدأ دائمًا بمارون النقاش أو أبي خليل القباني أو يعقوب صنوع ليست حقيقة نهائية بقدر ما هي بناء معرفي تشكل داخل المؤسسة الأكاديمية والثقافية، ثم أعيد إنتاجه حتى اكتسب صفة البداهة. ولهذا فإن الإشكال لا يكمن في صحة هذه الرواية أو خطئها، بل في غياب مساءلة الشروط التي جعلتها الرواية المهيمنة. إن ما يحتاج إلى البحث ليس الأشخاص وحدهم، بل الآليات التي جعلت هؤلاء الأشخاص يمثلون «البداية». فمن الذي قرر أن هذه هي نقطة الانطلاق؟ ولماذا أصبحت هذه البداية مرجعية لجميع الدراسات اللاحقة؟ وما المعايير التي استُبعدت بموجبها ممارسات أدائية أخرى من أن تُعد جزءًا من تاريخ المسرح؟ إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى إنكار التاريخ، بل إلى مساءلة الكيفية التي كُتب بها، لأن نقد الرواية التاريخية يختلف عن نفي الوقائع التاريخية. فالنقد هنا يتوجه إلى بنية المعرفة التي رتبت الأحداث، ومنحت بعضها صفة التأسيس، بينما همشت غيرها. ومن ثم فإن إعادة كتابة تاريخ المسرح العربي لا تعني استبدال رواية بأخرى، أو البحث عن مؤسس جديد، بل تعني الكشف عن الآليات التي صنعت الرواية السائدة أصلًا، وإخضاعها للنقد بوصفها بناءً معرفيًا لا حقيقة نهائية. وعند هذه النقطة ينتقل البحث من كتابة تاريخ المسرح إلى نقد المعرفة التي أنتجت هذا التاريخ. فموضوع الدراسة لم يعد الوقائع وحدها، وإنما الشروط التي جعلت الوقائع تُرتب وتُفسر على هذا النحو دون غيره. وهنا يبدأ الانتقال الحقيقي من التاريخ إلى الإبستمولوجيا، ومن البحث عن البدايات إلى مساءلة الكيفية التي صُنعت بها فكرة البداية نفسها. إذا كان ما سبق قد كشف هيمنة البراديغم التأسيسي على الدراسات المسرحية العربية، فإن الخطوة التالية لا تتمثل في إعادة مناقشة الأسئلة التقليدية، بل في مساءلة المفهوم الذي أنتج هذه الأسئلة جميعًا: مفهوم «المسرح» نفسه. فربما لا تكمن الأزمة في الإجابات التي قدمتها الدراسات العربية، بل في المسلمة التي انطلقت منها، وهي افتراض أن «المسرح» مفهوم كوني صالح لقياس جميع الظواهر الأدائية في مختلف الثقافات. ومن هنا يصبح نقد مفهوم المسرح، لا تاريخه، ضرورة إبستمولوجية تسبق أي محاولة لإعادة كتابة تاريخ المسرح العربي. لقد انطلقت أغلب الدراسات العربية من افتراض يبدو بديهيًا، وهو أن المسرح مفهوم إنساني كوني يصلح لأن يكون معيارًا تُقاس عليه جميع الثقافات. ومن هنا نشأت الأسئلة التقليدية: هل عرف العرب المسرح؟ وهل كان لديهم مسرح قبل القرن التاسع عشر؟ وإذا لم يكن لديهم، فلماذا؟ وإذا كان لديهم، فأين اختفى؟ غير أن هذه الأسئلة تفترض مسبقًا أن مفهوم المسرح ثابت وعابر للتاريخ، بينما لا يوجد ما يبرر هذا الافتراض. فكل مفهوم هو نتاج تاريخه، وليس سابقًا عليه. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود المسرح أو غيابه، وإنما بتاريخ المفهوم نفسه، وبالظروف الفكرية والثقافية التي جعلته يكتسب سلطة عالمية. إن المسرح، كما نستخدمه اليوم، ليس اسمًا محايدًا لنشاط إنساني خالد، بل هو مفهوم تبلور داخل سياق فلسفي وجمالي واجتماعي خاص بالتجربة الأوروبية، ثم جرى، مع توسع الحداثة والاستعمار والمؤسسات الأكاديمية، تعميمه بوصفه النموذج الطبيعي والوحيد لفهم جميع الظواهر الأدائية في العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال المطروح على الثقافات الأخرى: كيف تنتجون أشكالكم الأدائية؟ بل أصبح: أين يوجد المسرح لديكم؟ وإذا لم يُعثر عليه وفق التعريف الأوروبي، عُدَّ ذلك نقصًا ينبغي تعويضه بالاقتباس أو التحديث. وهكذا تحولت الكلمة من مفهوم تاريخي إلى معيار كوني، ومن وصف لتجربة ثقافية خاصة إلى سلطة معرفية تقيس جميع الثقافات الأخرى. ولم يعد البحث يدور حول فهم الاختلاف، بل حول قياس مقدار الاقتراب أو الابتعاد عن النموذج الأوروبي. ومن هنا نشأت الثنائية التي سيطرت على الفكر المسرحي العربي طوال قرن ونصف: إما أن المسرح وافد من أوروبا، وإما أن العرب عرفوه قبل أوروبا. وعلى الرغم من التناقض الظاهري بين الموقفين، فإنهما يشتركان في افتراض واحد، هو أن النموذج الأوروبي يمثل المرجع النهائي الذي تُقاس به الشرعية التاريخية. إن السؤال ليس: هل كانت الحلقة، أو خيال الظل، أو السامر، أو التعزية مسرحًا؟ فهذا السؤال نفسه يفترض أن المسرح هو الأصل، وأن بقية الظواهر مطالبة بإثبات انتمائها إليه. أما السؤال الذي أقترحه فهو مختلف جذريًا: لماذا نطالب هذه الظواهر بأن تكون مسرحًا أصلًا؟ إن مجرد طرح هذا السؤال يغيّر موقع البحث كله. فلم تعد المشكلة في الظاهرة الأدائية، بل في المفهوم الذي يحاكمها. ولم يعد المطلوب تصنيف الفرجات العربية وفق معايير أوروبية، بل دراسة كل ظاهرة داخل شروطها التاريخية والثقافية الخاصة. وبهذا المعنى، فإن الحلقة ليست مرحلة بدائية من المسرح، ولا خيال الظل مسرحًا ناقصًا، ولا التعزية نسخة دينية من التراجيديا، كما أن المقامة ليست محاولة أولى لكتابة النص المسرحي. إن جميع هذه التصنيفات لا تقول شيئًا عن الظواهر نفسها، بقدر ما تكشف عن سلطة المفهوم الذي يصدر أحكامه عليها. إن الخطأ المنهجي الأكبر في الدراسات المسرحية العربية لم يكن في وصف هذه الظواهر، بل في إخضاعها جميعًا لتعريف واحد للمسرح، وكأن التاريخ الإنساني لا ينتج إلا شكلًا واحدًا من الأدائية. وهكذا تحولت المقارنة إلى أداة للإقصاء؛ فما يطابق النموذج الأوروبي يُعترف به، وما يختلف عنه يُصنف بوصفه «ما قبل المسرح» أو «شبه مسرح» أو «مقدمات للمسرح». ولهذا أقترح التمييز بين مفهومين أساسيين: الأدائية بوصفها خاصية أنثروبولوجية عامة تتجلى في مختلف المجتمعات الإنسانية، والمسرح بوصفه أحد الأشكال التاريخية التي تجلت فيها تلك الأدائية داخل سياق ثقافي محدد. فإذا كان الأداء ظاهرة إنسانية مشتركة، فإن المسرح ليس سوى إحدى صياغاتها التاريخية، ولا يجوز تحويله إلى معيار عالمي تُقاس عليه جميع التجارب الأدائية. إن هذا التمييز يحرر الدراسات المسرحية العربية من السؤال الذي استهلك قرنًا ونصفًا من البحث: هل عرف العرب المسرح؟ لأنه يستبدله بسؤال أكثر عمقًا: كيف نظمت المجتمعات العربية ممارساتها الأدائية؟ وما المفاهيم التي استخدمتها لفهمها قبل أن يُفرض عليها مفهوم المسرح الحديث؟ وهكذا ينتقل البحث من الدفاع عن وجود المسرح العربي أو نفيه، إلى دراسة أنظمة الأداء العربية بوصفها أنظمة مستقلة، لا بوصفها محاولات ناقصة لبلوغ النموذج الأوروبي. إن التحول الإبستمولوجي الذي أدعو إليه لا يهدف إلى رفض المسرح الأوروبي، ولا إلى إنكار أثره في الثقافة العربية الحديثة، وإنما إلى تحرير المعرفة من احتكار مفهوم واحد لتمثيل جميع الظواهر الأدائية. فالمشكلة ليست في أوروبا، بل في تحويل تجربة تاريخية خاصة إلى قانون معرفي عالمي. وعند هذه النقطة يغادر البحث سؤال التاريخ، ويدخل سؤال المعرفة؛ إذ يصبح السؤال المركزي ليس: متى بدأ المسرح العربي؟ بل: كيف أصبح مفهوم المسرح سلطة تحدد ما ينبغي الاعتراف به وما ينبغي استبعاده؟ وهنا تبدأ، في تقديري، الإمكانية الحقيقية لتأسيس نظرية عربية جديدة، لا لأنها تستبدل مركزية أوروبية بمركزية عربية، بل لأنها ترفض منطق المركزيات جميعًا، وتعيد الاعتبار لتعدد التجارب الأدائية الإنسانية دون إخضاعها لنموذج واحد أو تاريخ واحد أو مفهوم واحد.
#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بيان أكاديمي ضد الاستعمار المسرحي للعقل العربي
-
ما رأيته في الجامعات الإيرانية وجدته أيضًا في الجامعات المغر
...
-
تامغارت
-
ماذا سيقول القارئ عند قراءة هذا النص
-
كازابلانكا بين الأمكنة المتداخلة دفتر الأماكن المستحيلة
-
من رسائلي الى الكاتبة المغربية اميمة ملاك
-
ضد غباء السينما يا اميمة
-
قصيدة حب ميتافيزيقية
-
La main d’Emma
-
إنها الساعة الخامسة في الأبدية
-
«علمتني امرأة أمازيغية»،
-
«علمتني امرأة أمازيغية: ثلاث ساعات في مطار محمد الخامس»/توضي
...
-
كيف أحببتُكِ دون أن أفسد الفوضى
-
الدوار الذي يُغذّي أنهاري / رحلتي ضد غباء الموسيقا
-
قصيدة حب لامرأة مغربية
-
قصيدة حب إلى أميمة بنت ملاك
-
ضدَّ معاناتكِ السينمائية المتكرِّرة
-
رصاصة في دماغ نشرة الأخبار
-
تريستان تسارا
-
La Fille du Maârif
المزيد.....
-
بعد أكثر من ألف عام على دمارها.. علماء آثار يرممون سقف قاعة
...
-
صواريخ -بانتسير-أس- تحمي أجواء منطقة العملية العسكرية الروسي
...
-
الضفة الغربية.. القوات الإسرائيلية تشن عملية عسكرية في بلدة
...
-
البحر الأسود.. الطائرات المسيرة الروسية تستهدف ناقلة للشحنات
...
-
مقتل 35 شخصاً وإصابة 30 في حادث سير على طريق دمشق–دير الزور
...
-
سوريا.. وفاة 35 شخصا وإصابة 30 آخرين في تصادم باص ركاب وآخر
...
-
الصيف يفاقم أزمة الكهرباء في ليبيا
-
الحوثيون يعلنون تنفيذ عمليتين نوعيتين استهدفتا شركة -أرامكو-
...
-
كوستاريكا: -إل ديابلو- أكبر تاجر مخدرات مطلوب بالبلاد في قبض
...
-
الضفة الغربية بعد تل.. تصعيد إسرائيلي مفتوح على كافة الاحتما
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|