أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ميشيل الرائي - هاملت في كازابلانكا














المزيد.....

هاملت في كازابلانكا


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 20:13
المحور: قضايا ثقافية
    


الكتابة الى الكاتبة المغربية اميمة ملاك

حلمتُ الليلة الماضية أنني سأُخرج هاملت في كازابلانكا.
لم أكن أبحث عن ممثلة.
كنت أبحث عن هاملت.
وهذا فرق لم أفهمه إلا حين استيقظت.
في الحلم كانت هاملت امرأة أمازيغية من الدار البيضاء. لم تكن تشبه هاملت الذي أعرفه من الكتب، ولم تكن ترتدي ثوبًا مسرحيًا، ولم يكن في وجهها شيء من صور الأمير التي حفظتها الذاكرة. كانت امرأة عادية إلى حد يجعل وجودها أكثر غرابة من أي شخصية مسرحية.
رأيتها كما يرى المرء شخصًا يعرفه منذ زمن، مع أنني لم أرها من قبل.
عرفت في الحلم مكان بيتها.
وعرفت رقم هاتفها.
وعندما استيقظت بقيت التفاصيل في رأسي لحظات، واضحة بصورة تكاد تكون مادية، ثم بدأت تتراجع كما تتراجع مدينة في مرآة سيارة مبتعدة.
لكن وجهها بقي.
قلت لنفسي إنني سأخرج إلى الدار البيضاء وأبحث عنها.
ثم فهمت أنني ربما لا أبحث عنها هي.
ربما أبحث عن المرأة التي رأيتها قبل أن تصبح شخصية.
عن الوجه الذي لم أرسمه بعد.
عن هاملت التي لم يكتبها شكسبير.
كانت امرأة فقدت القدرة على تصديق الرواية التي قيلت لها عن العالم.
لم تفقد إيمانها بشيء محدد، بل فقدت الثقة في الحكايات التي تجعل الأشياء قابلة للفهم.
في طفولتها كانت الدار البيضاء تبدو لها أكبر من أن تكون مدينة.
كانت الشوارع شرايينًا لا تنتهي
والترام أعصابًا معدنية تمر تحت جلد المدينة
والنوافذ عيونًا لا تنام
والمباني ذاكرةً حجرية
والميناء فمًا مفتوحًا على شيء لا تستطيع المدينة قوله
أما البحر فكان الجزء الوحيد من جسد الدار البيضاء الذي لم تستطع ابتلاعه.
كانت تجلس أمامه طويلًا.
لا تنتظر أحدًا.
ولا تنتظر جوابًا.
كانت فقط تنظر.
وفي طفولتها، في لحظة لا تعرف كيف بقيت في ذاكرتها، قالت:
«الله لا يمكن أن يسكن في السماء.»
لم تقلها احتجاجًا.
ولم تكن تعرف إن كانت تؤمن بما قالت.
قالتها كما يقول الطفل شيئًا رآه قبل أن يتعلم كيف يشك في عينيه.
كانت السماء بعيدة.
والبحر قريبًا.
ولهذا ربما اختارت البحر.
كبرت.
وصارت أكثر صمتًا.
ثم أعادت الجملة إلى نفسها بعد سنوات، لكنها لم تعد تقول:
«الله لا يمكن أن يسكن في السماء.»
بل:
«البحر أكثر عدلًا من السماء، لأنه لا يطالب أحدًا بأن يؤمن به.»
كانت تعرف أن البحر لا يمنح خلاصًا.
وهذا تحديدًا ما أحبته فيه.
كان يأخذ الأشياء دون أن يسألها عن أسمائها.
ويعيد بعضها بعد سنوات، مغطاة بالملح، ناقصة، غريبة، كأنها لم تكن يومًا ملكًا لأحد.
كانت ترى في ذلك عدالة لا يعرفها البشر.
فالإنسان، في نظرها، لا يكتفي بأن يحب الأشياء؛ يريد أن يسميها، ثم يمتلكها، ثم يحكي عنها، ثم يمنحها تفسيرًا نهائيًا.
ولهذا كانت تخاف الأسماء.
كانت تقول إن الاسم يمكن أن يكون طريقة أخرى للقتل.
ومن هنا تبدأ هاملت.
لا من شبح الأب.
ولا من جريمة.
ولا من الانتقام.
بل من امرأة تشك في كل قصة قيلت لها عن نفسها.
امرأة تقف أمام البحر وتسأل السؤال الذي لا يملك المسرح جوابًا عنه:
من أكون إذا كانت كل الأسماء التي أُعطيت لي قد جاءت من أفواه الآخرين؟
وفي اللحظة التي تسأل فيها ذلك، تتحرك الكاميرا.
لا لتصوّرها.
بل لتبحث عنها.
لأنني أريد أن أصنع هاملت لا تشبه أحدًا.
هاملت وُلدت في الدار البيضاء.
امرأة أمازيغية.
شاعرة.
وحيدة.
تعيش بين العربية والفرنسية.
بين المدينة والبحر.
بين ما تتذكره وما لا تستطيع إثباته.
وفي جيبها، لسبب لا تعرفه، وردة صفراء.
ومنذ أن وجدت الوردة تبدأ الحكاية.
أو لعلها كانت قد بدأت قبل ذلك بكثير.
قبل أن أعرفها.
قبل أن أحلم بها.
وربما قبل أن تولد هي نفسها.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في اللامسرح: أو في ما يؤجّل المسرح
- أيُّ ثلج؟
- Casablanca 2
- الصورة التي تقاوم غيابهات
- ميتافيزيقا الميم الثانية
- الكتابة إلى امرأةٍ لم أكتب اسمها، حتى لا يصبح أقلَّ اتساعًا ...
- محو الكتابة كي تظهر الكتابة دفاتر الأثر الأول
- من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملاحظات في تاريخ النصوص وأصول ا ...
- من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملحوظات في تاريخ النصوص وأصول ا ...
- Casablanca
- من البنية إلى ضدّ البنية: تفكيك مركزية النموذج المسرحي وإعاد ...
- البراديغم التأسيسي في الدراسات المسرحية العربية: نحو نقد إبس ...
- بيان أكاديمي ضد الاستعمار المسرحي للعقل العربي
- ما رأيته في الجامعات الإيرانية وجدته أيضًا في الجامعات المغر ...
- تامغارت
- ماذا سيقول القارئ عند قراءة هذا النص
- كازابلانكا بين الأمكنة المتداخلة دفتر الأماكن المستحيلة
- من رسائلي الى الكاتبة المغربية اميمة ملاك
- ضد غباء السينما يا اميمة
- قصيدة حب ميتافيزيقية


المزيد.....




- منظمة بيئية لـCNN: بقعة نفطية عملاقة قبالة سواحل عُمان أصبحت ...
- 3 أوامر ملكية في السعودية شملت منصبا إضافيا لعبدالعزيز بن سل ...
- أسوأ عام في تاريخ البشرية
- هيثم حسن إلى سيلتك... كيف استقبل الجمهور الصفقة؟
- رئيسة وزراء اليابان تقول إن زيارة بوتين للجزر المتنازع عليها ...
- إيران رداً على ترامب: مضيق هرمز يخضع لسيطرتنا
- تحركات غامضة و20 ألف أمني.. ماذا يحدث على حدود سبتة؟
- غزة.. إجهاض قسري وانخفاض عدد المواليد
- قصي أبو ريدة يتحدث لـRT من منزله المحاصر
- الدعم السريع يجدد إطلاق مسيرات نحو الخرطوم ويهاجم قرب حدود إ ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ميشيل الرائي - هاملت في كازابلانكا