أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - أميمة ملاك: حين تتحول الذاكرة إلى فضاء















المزيد.....

أميمة ملاك: حين تتحول الذاكرة إلى فضاء


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 15:40
المحور: الادب والفن
    


حين يتسرّب الغائب إلى النص
أميمة ملاك: المرأة التي بقيت في الكتابة

حدثت معي قبل أيام واقعة غريبة إلى حد أنني ما زلت عاجزًا عن تحديد اللحظة التي انتهى فيها البحث الأكاديمي وبدأت أميمة

كنت قد أمضيت أيامًا وليالي في البحث في مفهوم الفضاء المسرحي متنقلًا بين المراجع والمفاهيم والهوامش ومطمئنًا إلى أنني أمارس فعلًا معرفيًا يفترض قدرًا من الانضباط المنهجي والمسافة النقدية فقد كنت أكتب بحثًا للترقية العلمية لأقدمه إلى إدارة الجامعة وكان كل شيء يبدو خاضعًا لنظام واضح العنوان في مكانه والمراجع موثقة والاقتباسات مضبوطة والهوامش تؤدي وظيفتها واللغة تحاول أن تتجرد من كل ما هو شخصي أو عاطفي

كنت أعتقد أنني أكتب عن الفضاء

ولم يخطر لي أن الفضاء نفسه كان يفتح في النص مكانًا لامرأة غائبة

طبعت البحث وقدّمته إلى الجامعة وأنا مطمئن إلى أنني أنجزت ما ينبغي إنجازه وأن النص مستوفٍ لشروطه العلمية

بعد أيام وصلتني ملاحظات اللجنة وكان بينها ما لم أتوقعه إطلاقًا

أخبروني أن البحث يحتاج إلى إعادة مراجعة لأن اسمًا واحدًا يتكرر فيه بصورة لافتة وفي مواضع لا تبدو مرتبطة مباشرة بموضوع البحث

سألتهم عن الاسم

قالوا أميمة

ثم أخبروني أنهم أحصوا ظهوره في النص فوجدوه مئة وثلاثين مرة

مئة وثلاثون مرة

ظللت أحدق في الرقم كما لو أنه لا يخصني

لم أكن قد رأيته

وهنا بدأت المفارقة

كنت أظن أنني أملك النص لأنني كاتبه لكن النص كان قد احتفظ بما لم أكن واعيًا به وأنا أكتبه

قلت لهم إنني كنت صارمًا في تطبيق المنهج العلمي وإن البحث قائم على المراجع والمصادر والتحليل وليس على تجربة شخصية

لكنني كنت أكتشف للمرة الأولى أن الصرامة المنهجية لا تمنح الكاتب بالضرورة سلطة كاملة على ما يتسرب إلى لغته

كان الاسم موجودًا

في صفحات لم أتذكر أنني كتبت فيها شيئًا عنها

في مواضع كنت أظن أنني أتناول فيها مفهوم الفضاء المسرحي وحده

وفي جمل كنت أعتقد أنها محايدة تمامًا

كان الاسم يتسلل إلى النص لا بوصفه إحالة إلى شخص وإنما بوصفه أثرًا

وهذا ربما هو الجانب الأكثر غرابة في الكتابة

أن ما نحاول استبعاده من النص قد يعود إليه في صورة أكثر خفاء

وأن الكاتب قد يراقب أفكاره بدقة لكنه يعجز عن مراقبة ما تخفيه اللغة عنه

كنت صارمًا في تطبيق المنهج العلمي

لكنني لم أكن صارمًا بما يكفي كي أمنع العاشق من التسلل إلى الباحث

منذ ذلك اليوم بدأت أفكر في علاقتي بالنص بطريقة مختلفة

ربما لم يكن البحث يكتب عن أميمة

وربما كانت أميمة قد وجدت طريقها إلى البحث من خلالي

وهذا فرق لا يبدو بسيطًا

فالكاتب لا يدخل إلى اللغة خاليًا من ذاكرته

إنه يحمل معه ما فقده وما أحبه وما حاول نسيانه وما عجز عن نسيانه

وكل هذه الأشياء يمكن أن تظهر في النص دون أن تحصل على إذن مباشر منه

حتى مسودة القصيدة التي كتبتها بالأمس لا أتذكر أنني ذكرت فيها اسمها

استيقظت صباحًا وفتحت فيسبوك

وجدت اسمها بين الكلمات

لم أتذكر أنني كتبته

حذفته

لكنني اكتشفت أن حذف الاسم لا يعني بالضرورة محو أثره

فالاسم يمكن أن يغيب عن الصفحة ويبقى في بنيتها

يمكن أن نحذف العلامة ولا نستطيع حذف ما جعلها ممكنة

أرجو من الجميع أن يغفروا لي ثمالة عشقي

فربما لم تعد الكتابة عندي فعلًا أختار موضوعه ثم أشرع فيه

ربما أصبحت الذاكرة شريكًا خفيًا في إنتاج النص

كانت أميمة قد أخبرتني ذات مرة ألا أتوقف عن الكتابة لأنها تقرأ كل ما أكتب

وكان ما تقرؤه لي يخفف ألمها

بل إن طبيبها الخاص أخبرني أنه كان يستخدم ما أكتبه لها ليقنعها بتناول علاجها وأنه كان يرى تقدمًا في مراحل علاجها

لهذا لا أعرف اليوم إن كنت أكتب لها أم أكتب من أثر القراءة التي كانت تمنح كلماتي معنى آخر

ربما الكلمات التي كتبتها لها لم تمت

ربما الذي بقي منها ليس الكلمات نفسها وإنما فعلها

أما أميمة فلا أعرف أين ذهبت

وهذه هي المفارقة الأخرى

أن الغائب لا يختفي بالضرورة

أحيانًا ينتقل من مستوى الوجود إلى مستوى الأثر

لا يكون حاضرًا في المكان لكنه يعيد تشكيل الطريقة التي نرى بها المكان

أفتح كتابًا في المكتبة فلا أجدها لكنني أجد ظلالها بين الصفحات

أجلس في العمل فلا تكون هناك ومع ذلك يبدو أن للمقعد المقابل ذاكرة لا أعرف مصدرها

أدخل الجامعة فلا تمر في الممر ومع ذلك أشعر أن المكان يحتفظ بإمكانية مرورها

أجلس في قاعة الدرس فأشعر أن النافذة المفتوحة لا تطل على الخارج وإنما على غيابها

وفي المسرح حين ينطفئ الضوء وتبدأ الخشبة بالكلام أشعر أن هناك شخصية لم أكتبها بعد تقف خلف الستار

حتى حين نصور فيلمًا سينمائيًا أجدها في اللقطة التي لم أصورها

في الشوارع والمقاهي ومحطات السفر والمدن التي لم تعرفها وفي الأمكنة التي لم تطأها قدمها قط

ليست أميمة هناك بالمعنى الحرفي

لكن أثرها موجود في الطريقة التي أصبحت بها أرى تلك الأمكنة

وهكذا يصبح الغياب شكلًا من أشكال الحضور

لا لأن الغائب يعود

بل لأن الذاكرة تعيد إنتاجه داخل الأشياء

أحيانًا أظن أنني أراها

وأحيانًا أعرف أنني لا أراها ومع ذلك ألتفت

ولعلني لا ألتفت إليها أصلًا

بل إلى النسخة التي صنعتها الذاكرة منها

ربما لم تعد أميمة شخصًا يمكن أن يغيب

ربما أصبحت بنية خفية في وعيي

طريقة أرى بها الأشياء وأقرأ بها العالم وأكتب بها دون أن أعرف أنني أكتب

ولهذا أشتاق إليها في كل مكان

حتى في الأماكن التي لم نلتق فيها يومًا

كلما حاولت أن أكتب بعيدًا عنها وجدتها في الهامش

وكلما أغلقت الكتاب وجدتها بين صفحاته

وكلما اعتقدت أنني انتهيت من الكتابة بدأت الكتابة من النقطة التي ظننت أنني تجاوزتها

كأنني منذ رحيلها لا أكتب عنها

بل أكتب من داخل غيابها

وكأن أميمة لم تعد موضوعًا للنص

بل أصبحت الشرط الخفي الذي يجعل النص ممكنًا



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيئًا مؤجلًا لا يُمتلك نهائيًا
- محاكاة لانهيار اللغة وإعادة تشكّلها داخل الدماغ
- الدار البيضاء / برلين / الصفر
- قصيدة حب إلى أميمة / كلما سألتُ نفسي: أين أنا؟ أجابتني هي
- رحلة القديسة أميمة ملاك ضد غباء السينما / (كازابلانكا دار لي ...
- أهذا اللون أنتِ؟
- هاملت في كازابلانكا
- في اللامسرح: أو في ما يؤجّل المسرح
- أيُّ ثلج؟
- Casablanca 2
- الصورة التي تقاوم غيابهات
- ميتافيزيقا الميم الثانية
- الكتابة إلى امرأةٍ لم أكتب اسمها، حتى لا يصبح أقلَّ اتساعًا ...
- محو الكتابة كي تظهر الكتابة دفاتر الأثر الأول
- من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملاحظات في تاريخ النصوص وأصول ا ...
- من معبد دلفي إلى الإمام علي: ملحوظات في تاريخ النصوص وأصول ا ...
- Casablanca
- من البنية إلى ضدّ البنية: تفكيك مركزية النموذج المسرحي وإعاد ...
- البراديغم التأسيسي في الدراسات المسرحية العربية: نحو نقد إبس ...
- بيان أكاديمي ضد الاستعمار المسرحي للعقل العربي


المزيد.....




- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...
- المجري بيتر ناداس.. رحيل كاتب جعل الذاكرة جسداً والتاريخ حيا ...
- رحيل يايوي كوساما عن عمر 97 عامًا.. فنانة حوّلت الهلوسات إلى ...
- بعد 20 عاما في المنفى.. الموسيقار الإيراني محسن نامجو يعود إ ...
- التعليم العالي: طالبة من جامعة عين شمس تحصد المركز الأول عال ...
- مقاطعة كراسنودار تنضم إلى مشروع -العمر الثقافي المديد-
- بوتين يؤكد أهمية الإعلام في تعزيز الوحدة الوطنية ونشر القيم ...
- التعليم العالي: جامعة الملك سلمان الدولية تنظم ورشة «اكتشف ا ...
- -سباسات أغسطس-.. ثلاثة أعياد بطعم العسل والتفاح والجوز في رو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - أميمة ملاك: حين تتحول الذاكرة إلى فضاء