ميشيل الرائي
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 08:17
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
الكتابة الى الكاتبة المغربية أميمة ملاك
لا ينبغي أن نفهم اللامسرح بوصفه نقيضًا للمسرح إلا إذا قبلنا أولًا بذلك الاقتصاد الميتافيزيقي الذي يجعل كل مفهوم محتاجًا إلى ضده لكي يكتمل والذي يفترض أن الهوية لا تستعيد نفسها إلا عبر ما تستبعده وأن للمسرح حدًا يمكن رسمه لأن هناك خارجًا يقابله ويمنحه من الخارج صورته عن نفسه غير أن هذا الافتراض هو بالضبط ما ينبغي أن يصبح موضع السؤال لأن «اللا» لا تدخل على المسرح لكي تنتج له عكسًا ولا لكي تفتح له خارجًا مقابلًا وإنما لكي تكشف أن ما نسميه هوية المسرح لم يكن في أي لحظة هوية مكتفية بذاتها وأن المسرح لم يكن حاضرًا لنفسه قبل علاقاته وأن ما يبدو أصلًا فيه قد لا يكون إلا أثرًا لما استبعده كي يظهر بوصفه أصلًا
من هنا لا تكون المسألة أن نضيف «لا» إلى كلمة «مسرح» فنحصل على مفهوم جديد وإنما أن نسأل عن العملية التي تجعل النفي ممكنًا أصلًا ما الذي يجب أن يكون قد استقر في مفهوم المسرح لكي نستطيع أن نقول هذا ليس مسرحًا؟ وما الذي يجب أن يكون قد حُسم في العلاقة بين الحضور والغياب وبين الفعل والمشاهدة وبين الجسد والشخصية وبين المكان والحدث حتى يصبح بالإمكان وضع حد يفصل المسرح عن اللامسرح؟ إن كل حكم من هذا النوع يحمل في داخله ميتافيزيقا صامتة لأنه يفترض وجود معيار سابق على التجربة ويجعل المفهوم حاضرًا قبل أن يبدأ الاختلاف في الحدوث
لكن المسرح لا يظهر بهذه الطريقة لا يوجد أولًا ثم تدخل العلاقات إليه كما لو كانت إضافات لاحقة إنه لا يوجد إلا في علاقاته وما نسميه «المسرح» قد لا يكون إلا الاسم الذي أطلقناه على انتظام مؤقت لهذه العلاقات وحين ننسى مؤقتيتها نمنحها صفة الأصل وحين نمنحها صفة الأصل نبدأ في بناء الماهية حولها وحين تصبح الماهية ممكنة يصبح كل ما لا يطابقها فائضًا أو انحرافًا أو خروجًا ومن هنا تبدأ الميتافيزيقا عملها الأكثر هدوءًا لا حين تقول إن هذا هو المسرح وإنما حين تجعل قولها هذا يبدو وكأنه لم يكن قرارًا بل اكتشافًا
فالخشبة ليست أصل المسرح لأنها ليست حاضرة فيه بوصفها ماهيةً مستقلة وإنما لأنها دخلت في تاريخ معين من توزيع الأجساد والنظرات والحركات والانتظارات وحين ننسى هذا التاريخ تبدو الخشبة كما لو أنها كانت هناك منذ البداية وكأن المسرح كان ينتظرها كي يتحقق لكن ماذا لو كانت الخشبة أثرًا لا أصلًا؟ ماذا لو كان ما نعده شرطًا لوجود المسرح نتيجةً لتكوين سابق؟ عندئذ لا يعود السؤال هل يمكن أن يوجد المسرح بلا خشبة وإنما يصبح السؤال أكثر جذرية: كيف تحولت الخشبة أصلًا إلى شرط؟
والشيء نفسه يحدث للممثل فالممثل لا يدخل المسرح حاملًا ماهية التمثيل ثم يبدأ في ممارستها وإنما يصبح ممثلًا داخل شبكة من العلامات والمؤسسات والتوقعات والعلاقات التي تمنحه هذا الموقع ولذلك فإن الجسد لا يحمل الشخصية كما لو كانت شيئًا يقيم فيه بل يدخل في عملية تجعل من الجسد قابلًا لأن يُقرأ بوصفه شخصية ومن هنا فإن «اللا» لا تحتاج إلى إلغاء الممثل لكي تنقض الميتافيزيقا التي تحيط به يكفي أن تفصل الجسد عن الضرورة التي تجعله ممثلًا بالطريقة التي نعرفها وأن تتركه للحظة في منطقة لا يكون فيها لا ممثلًا ولا غير ممثل لأن هذا التردد نفسه قد يكون أكثر إنتاجًا من القرار
فالحدود التي نضعها بين الممثل والمتفرج ليست حدودًا طبيعية أيضًا إنها نتيجة لتوزيع معين للقدرة على الفعل والرؤية والكلام والصمت ومن ثم فإن الجمهور لا يكون جمهورًا لأنه موجود في الجهة المقابلة للخشبة وإنما لأن نظامًا معينًا جعله يحتل موقع المشاهد وأعطى الفعل لجهة أخرى لكن ماذا يحدث عندما لا يعود هذا الموقع مضمونًا؟ هل يختفي الجمهور؟ أم أن ما يختفي هو فقط الصورة التي جعلته قابلًا للتعيين بوصفه جمهورًا؟ هنا تظهر «اللا» لا بوصفها حذفًا وإنما بوصفها تأجيلًا للهوية تأجيلًا يمنع الشيء من أن يصل إلى نفسه في صورة نهائية
ولهذا فإن اللامسرح لا يقابل المسرح كما يقابل الحضورُ الغيابَ لأن الغياب يظل أسير الحضور الذي ينفيه وحتى حين نقول إن المسرح غائب فإننا نواصل منحه الامتياز نفسه الذي منحه له الحضور نتصوره أصلًا ثم نقيس مقدار ابتعادنا عنه أما اللامسرح فلا ينبغي أن يُفهم بوصفه غياب المسرح بل بوصفه انكشافًا لاستحالة حضور المسرح حضورًا كاملًا لنفسه إن المسرح لا يكون حاضرًا إلا بقدر ما يحمل في داخله ما يؤجل حضوره وما يجعله محتاجًا إلى الآخر وإلى الجسد وإلى المكان وإلى النظر وإلى اللغة ولذلك فإن ما يبدو حضورًا خالصًا ليس إلا أثرًا لعلاقات لا تتوقف عن العمل
ومن هنا يمكن إعادة النظر في مفهوم «العرض» نفسه لأن العرض يفترض عادةً أن هناك شيئًا حاضرًا لكي يُعرض وأن هناك ذاتًا تمتلك ما تعرضه وأن هناك متلقيًا ينتظر أن يرى هذا الحضور لكن ماذا لو كان العرض لا يعرض شيئًا حاضرًا أصلًا؟ ماذا لو كان ما يسمى عرضًا مجرد تنظيم للغياب؟ وماذا لو كان حضور الممثل لا ينتج إلا لأنه يحمل معه إمكان غيابه؟ عندئذ يصبح العرض أقل شبهًا بتقديم شيء وأكثر شبهًا بإنتاج أثر لشيء لم يكن حاضرًا في أي وقت بالطريقة التي يفترضها المفهوم
وهنا تتصدع الثنائية بين الحضور والغياب من الداخل لأن الغياب لم يعد مقابلًا للحضور بل شرطًا لظهوره والحضور لم يعد أصلًا يملك الغياب وإنما يتكون عبره إن ما يحضر لا يحضر وحده وما يغيب لا يغيب خارج الحضور ولذلك فإن اللامسرح لا يختار أحد الطرفين ضد الآخر بل يدخل إلى المسافة التي تجعل الطرفين ممكنين ويجعل هذه المسافة نفسها موضوعًا للتفكير
بهذا المعنى تصبح «اللا» حركةً ضد الميتافيزيقا لا لأنها تنفي الميتافيزيقا من الخارج وإنما لأنها تكشف اعتماد المفهوم على ما يستبعده إنها لا تقول للمسرح: أنت لست مسرحًا بل تقول له: ما تسميه مسرحًا لا يستطيع أن يكون نفسه إلا عبر ما ليس هو وهذا «الليس» ليس خارجًا عنه وإنما أثرٌ يسكنه ويؤجل اكتماله ولذلك فإن المسرح الذي يبحث عن ذاته يبحث في الوقت نفسه عن ما يمنعه من أن يكون ذاتًا مكتملة
إننا نخطئ حين نبحث عن أصل المسرح في عنصر أول الخشبة أو النص أو الممثل أو الجمهور لأن البحث عن الأصل يفترض مسبقًا أن هناك نقطة يمكن عندها إيقاف الحركة والقول: هنا يبدأ المسرح غير أن كل أصل من هذه الأصول يحتاج بدوره إلى شروط تجعله ممكنًا وما يبدو أصلًا يتحول بمجرد أن نقترب منه إلى نتيجة لشبكة أخرى من العلاقات وهكذا يتراجع الأصل كلما ظننا أننا اقتربنا منه فلا نصل إلى نقطة أولى بل إلى سلسلة من الآثار التي لا تسمح لأي منها بأن يحتل موقع الأصل بصورة نهائية
اللامسرح يبدأ هنا تحديدًا في رفض هذا الامتياز الممنوح للأصل ليس لأنه يقترح أصلًا آخر وإنما لأنه يشكك في الحاجة إلى الأصل نفسه فما نحتاجه ليس العثور على اللحظة التي أصبح فيها المسرح مسرحًا وإنما متابعة العمليات التي تجعل المسرح يتكون ويتغير وينفلت من نفسه وما نسميه مفهومًا لا يكون عندئذ نقطة انطلاق بل نتيجة مؤقتة لحركة لم تتوقف
ولهذا لا ينبغي أن نفهم «اللا» بوصفها إضافة سلبية إلى مفهوم موجود إنها ليست شيئًا ينقص المسرح بل قوة تكشف أن النقص كان موجودًا في بنيته منذ البداية فاللامسرح لا يضيف الغياب إلى الحضور وإنما يكشف أن الحضور نفسه لم يكن كاملًا وأن الهوية لم تكن مغلقة وأن الحدود التي تبدو ثابتة لم تكن إلا آثارًا لتكرار طويل جعلها تبدو طبيعية
ومن هنا أيضًا لا يكون اللامسرح مسرحًا بلا خشبة ولا مسرحًا بلا ممثل ولا مسرحًا بلا جمهور لأن هذه الصيغ تظل حبيسة منطق الماهية الذي تحاول تجاوزه إنها تستبدل مجموعة من الخصائص بمجموعة أخرى وتبقي السؤال كما هو: ما الذي يجب أن يوجد لكي يكون الشيء مسرحًا؟ لكن السؤال الذي ينبغي أن ينهار هو هذا السؤال نفسه لأن المسرح لا يُنتج من مجموعة خصائص ثابتة وإنما من علاقات قابلة لإعادة التركيب وما يتغير ليس عدد العناصر وإنما نمط وجودها داخل التركيب
لذلك يمكن أن تبقى الخشبة ويحدث اللامسرح ويمكن أن يبقى الممثل ويحدث اللامسرح ويمكن أن يبقى الجمهور ويحدث اللامسرح لأن المسألة ليست في وجود الأشياء أو غيابها وإنما في الوظائف التي تمنحها هويةً معينة وفي العلاقات التي تجعل هذه الوظائف تبدو ضرورية إن اللامسرح يبدأ عندما تفقد الوظيفة براءتها وعندما نكتشف أن ما كان يبدو طبيعيًا لم يكن إلا ترتيبًا تاريخيًا وأن ما كان يبدو ضروريًا كان نتيجةً لقوة نجحت في إخفاء تاريخها
وهنا يتغير معنى النقد نفسه فالنقد لا يعود بحثًا عن تعريف أصح للمسرح ولا تصحيحًا لتعريف سابق وإنما يصبح تعقبًا للشروط التي جعلت تعريفًا معينًا ممكنًا يصبح النقد حفرًا في الطبقة التي تختبئ تحت المفهوم لا لكي نعثر على حقيقة نهائية تحته وإنما لكي نكتشف أن ما كنا نسميه حقيقة لم يكن إلا استقرارًا مؤقتًا لقوى متعددة
إن اللامسرح بهذا المعنى لا يريد أن ينتصر على المسرح لأنه لا يملك خصمًا ينتصر عليه إنه يريد أن يمنع المسرح من الانغلاق على نفسه يريد أن يعيد إليه عدم يقينه الأول ذلك القلق الذي يسبق كل تعريف حين لا يكون الشيء قد صار بعد ما سيصير إليه وحين لا تكون الحدود قد ترسخت وحين يكون كل عنصر قابلًا لأن يدخل في تركيب آخر
لكن المفارقة أن اللامسرح مهدد دائمًا بأن يتحول إلى ما ينتقده فبمجرد أن نقول «اللامسرح هو...» نكون قد بدأنا في بناء هوية جديدة وبمجرد أن نمنحه خصائص ثابتة نكون قد منحناه ماهية وبمجرد أن نحدد من ينتمي إليه ومن لا ينتمي نكون قد أقمنا حدًا جديدًا بين الداخل والخارج وهكذا يمكن للـ«لا» أن تتحول إلى «نعم» متخفية وأن تصبح أداةً لإعادة إنتاج الميتافيزيقا التي ظنت أنها هدمتها
لهذا لا تكمن قوة اللامسرح في أن يصبح مفهومًا مكتملًا وإنما في مقاومته لاكتماله إنه مفهوم لا ينبغي أن يطمئن إلى نفسه لأن اطمئنانه إلى نفسه سيكون لحظة خيانته لفكرته ولذلك فإن اللامسرح لا يمكن أن يكون هويةً نهائية وإنما حركةٌ داخل الهوية حركة تجعل الهوية قابلة للانقسام والتأجيل وإعادة التكوين
وإذا كان المسرح قد اعتاد أن يسأل: ما الذي يجعل هذا مسرحًا؟ فإن اللامسرح يقلب السؤال: ما الذي يجعلنا نحتاج إلى أن يكون هذا مسرحًا؟ وإذا كان السؤال الأول يبحث عن الماهية فإن الثاني يبحث عن الرغبة في الماهية وعن القوة التي تجعلها ضرورية وإذا كان الأول يبحث عن الحد فإن الثاني يبحث عن العملية التي أنتجت الحد وعن كل ما اضطر إلى البقاء خارجه كي يبدو الداخل متماسكًا
عند هذه النقطة لا يعود اللامسرح اسمًا لما يأتي بعد المسرح ولا لما يوجد خارجه ولا لما يعارضه وإنما يصبح اسمًا للحظة التي يفقد فيها المسرح امتيازه الميتافيزيقي في أن يكون حاضرًا لنفسه اسمًا للحظة التي نكتشف فيها أن المسرح لم يكن واحدًا وأن ما سميناه وحدته لم يكن إلا أثرًا لعمليات فصل واستبعاد وترتيب وأن كل محاولة لتثبيت هذه الوحدة تنتج في الوقت نفسه ما يستحيل عليها استيعابه
اللامسرح إذن لا يبدأ حين ينتهي المسرح بل حين نكف عن افتراض أن المسرح كان قد بدأ أصلًا من نقطة يمكن تحديدها وأنه كان منذ البداية هو نفسه
إنه يبدأ حين يصبح المسرح مشكلةً لنفسه
#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟