أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - ضدّ المصطلح














المزيد.....

ضدّ المصطلح


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 17:56
المحور: الادب والفن
    


الكتابة الى الشاعرة المغربية أميمة ملاك
الدار البيضاء

دخلتُ الشعر متأخرًا، أو لعلّ الشعر هو الذي سبقني إلى مكان لم يكن موجودًا إلا بعد أن دخلته، ولا أتذكر من دفع الآخر إلى الغرفة، لأن الغرفة نفسها لا تعترف بمن دخل أولًا / كانت الجملة ما تزال تلبس موسيقاها، فانتزعتها عنها وتركتها عارية بين أسنان اللغة، لكنني لم أعرف بعد ذلك هل نزعت الموسيقى عن الجملة أم نزعت الجملة عن الموسيقى، إذ إن ما نسميه شيئًا لا يظهر إلا داخل العلاقة التي تمنحه اسمه، وما إن نحاول إخراجه منها حتى لا نجد الشيء بل أثرًا لعملية الإخراج / ثم جاءت العربية من جهة لا أعرفها، تحمل في بطنها لاتينية مذعورة وألمانية تصطك كالمعدن وفرنسية تتكلم من داخل جرحها، فقلت: أي لغة هذه؟ ولم يكن السؤال يبحث عن اسم، بل كان يكتشف أن الاسم نفسه جزء من المشكلة / لا أترجم / لأن الترجمة لا تنقل شيئًا من مكان إلى مكان، وإنما تغيّر قواعد اللعبة التي كان الشيء يبدو فيها مفهومًا، وما نسميه أصلًا قد لا يكون إلا كلمة اخترعناها بعد الترجمة لكي نبرر خسارتنا / كلمة تلد كلمة ثم ترفض نسبها / فعل يطرد فاعله ثم يستعمل أثره لكي يثبت أنه كان موجودًا / اسم يبدل جلده في منتصف السطر، فلا أعرف هل تغير الاسم أم تغيرت اللعبة التي كنت أستعمله فيها / أقول «امرأة» فتدخل الغرفة امرأة أخرى بلا وجه / أقول «وجهًا» فيخرج فم / أقول «فمًا» فتخرج منه مدينة / المدينة تفتح نوافذها على حصان ميت / الحصان ينهض / لا لأن الموت انتهى، بل لأن الكلمة التي استعملتها للموت لم تعد تعمل بالطريقة نفسها / هنا يبدأ العطب: حين أكتشف أنني لا أمتلك معنى الكلمات، بل أستعملها داخل قواعد لم أضعها وحدي، وأن الكلمة لا تكون ما هي عليه إلا بما تفعله في الجملة، وبما تسمح به الجملة من استعمالات أخرى / أكرر العبارة حتى تتغير وظيفتها / أكررها مرة أخرى فتفقد ثقتها بنفسها / ثم لا تعود الجملة جملةً، بل مكانًا تتنازع فيه استعمالات متعارضة لا يستطيع أحدها أن يعلن نفسه أصلًا / المعنى يركض، لكنني لا أعرف إن كان يركض نحوي أم يبتعد عني، لأن «نحوي» و«عني» نفسيهما يحتاجان إلى لعبة لغوية تمنحهما اتجاهًا / أقول: توقفي / من قال إنني أتكلم؟ / القلم يتحرك وحده / الورقة ترتجف / الحذف يكتب ما لم أجرؤ على كتابته / أمحو / يظهر / أمحو / يتكاثر / وكلما ظننت أنني أزلت شيئًا اكتشفت أنني غيرت موقعه داخل اللعبة فقط / لا شيء يغادر اللغة تمامًا؛ الأشياء التي نحذفها تعود بوصفها شروطًا لما نستطيع قوله بعد حذفها / أكتب «هذا» فأكتشف أن «هذا» يحتاج إلى إصبع أو نظرة أو سياق لكي يكون هذا، وأكتب «هناك» فلا أجد مكانًا يمكن أن يكون هناك إلا لأنني قلت «هنا» أولًا / اللغة لا تخفي الأشياء وراء الكلمات؛ إنها تجعل ظهور الأشياء ممكنًا ثم تجعلنا ننسى أنها فعلت ذلك / فجأةً مسرح لا خشبة له / جسد واقف تحت ضوء لا يأتي من مصباح / امرأة تفتح فمها فتسقط منه كاميرا / الكاميرا تصور فمي وأنا أقول شيئًا لا أتذكر أنني قلته / يعود الصوت من الشاشة وقد فقد صاحبه / أسأل: لمن يعود الصوت؟ / لا يجيب الصوت، لأن السؤال يفترض أن للصوت مالكًا قبل أن يبدأ / القارئ يدخل في اللحظة الخطأ، يحمل أسماء الشعراء كأنها مفاتيح صدئة، يفتح بها الأبواب بابًا بعد باب، ولا يجد سوى الغرفة الأولى / الغرفة ليست غرفتي / الكرسي ليس كرسيي / واليد التي تكتب على الطاولة ليست يدي / أقترب منها / تكتب اسمي / أمحو الاسم / تكتب اسمًا آخر / أمحو اليد / تبقى الكتابة / وهنا لا يعود السؤال: من كتب؟ بل ماذا يحدث لعبارة «كتب» عندما لا يبقى صاحبها حاضرًا لكي يضمن معناها؟ / أعود إلى قصائدي الأولى، فأجد آثار أصابع غريبة في الحبر وأتذكر أنها أصابعي، ثم أشك في التذكر نفسه، لأن الذاكرة لا تحفظ ما حدث بقدر ما تعيد ترتيب ما يمكن أن أقول إنه حدث / الذاكرة محرر سيئ / تحذف المشهد وتبقي صوته / تقتل الشخص وتترك معطفه / ثم تجعل المعطف دليلًا على أن الشخص كان موجودًا / أفتح الستارة / لا يكون هناك مسرح / أسمع التصفيق / لا جمهور / أسمع اسمي / لا أحد يناديني / أمد يدي إلى السطر / السطر ينسحب / أمدها ثانية / يتحول السطر إلى ممر / الممر إلى حنجرة / الحنجرة إلى باب / الباب إلى لغة لا أعرف اسمها / أدخلها / تخرج مني / أعود إلى العربية فلا أجدها في مكانها، لا لأنها غابت، بل لأنني كنت أبحث عنها كما لو أن للغة مكانًا واحدًا يمكن أن تقيم فيه / أرفع حرفًا من الأرض / يعضني / أتركه / أرفع حرفًا آخر / ينفجر في يدي / عندها أفهم أن الكلمة ليست صندوقًا يحتوي معنى ينتظر أن أفتحه، وأن المعنى ليس شيئًا يمكن فصله عن استعماله ثم حمله إلى مكان آخر دون أن يتغير، وأن ما نسميه معنى قد يكون فقط انتظامًا مؤقتًا داخل لعبة قابلة لأن تتبدل قواعدها في اللحظة التي نعتقد فيها أننا فهمناها / لكنني أفهم أيضًا أن اللعبة لا تبدأ من الصفر، وأن كل كلمة تحمل وراءها آثار استعمالات لم أخترها، وأصواتًا لم أقلها، وغياباتٍ سبقتني إلى فمي / لذلك لا أستطيع أن أكون سيد اللغة، كما لا تستطيع اللغة أن تكون سيدة نفسها / نحن نلتقي في منطقة لا يملك فيها أحدنا الآخر / أنا أستعمل الكلمة، لكنها تستعملني لكي تظهر / أكتب المعنى، لكنه يترك يدي قبل أن أتمكن من امتلاكه / أبحث عن الأصل، فأجد أثرًا / أبحث عن الحضور، فأجد غيابًا يعمل داخله / أبحث عن الغياب، فأجد شيئًا ما يزال يصر على البقاء / ثم يبقى البياض / ليس خلف الكتابة ولا أمامها، بل في المسافة التي تجعل «خلف» و«أمام» قابلين للتسمية / أحدق فيه / فيحدق بي / أمحو آخر كلمة / لا تختفي / أمحو أثرها / يتسع البياض / أمحو البياض / لا يبقى شيء يمكن محوه / وعندها فقط أدرك أنني لم أكتب ضدّ المصطلح لأنني أكره الأسماء، بل لأنني لم أعد أثق في اللحظة التي يتوقف فيها الاسم عن كونه استعمالًا ويبدأ في ادعاء أنه حقيقة / إن الفراغ الموجود في عين المقصلة هو أيضًا رأس يجب قطعه.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- Le voyage de Madame Emma contre la bêtise du cinéma
- الاسم الذي يعرف الطريق
- كراريس القديسة أيما / أشكال التمثال
- الجسد الأحمر للقصيدة
- المكين بوصفه أنطولوجيا حركية للمكانية
- **قصيدة حب إلى أميمة**
- نشوةٌ آلية / أميمة ملاك
- Poème d’amour à Oumayma Malak
- أميمة ملاك: حين تتحول الذاكرة إلى فضاء
- شيئًا مؤجلًا لا يُمتلك نهائيًا
- محاكاة لانهيار اللغة وإعادة تشكّلها داخل الدماغ
- الدار البيضاء / برلين / الصفر
- قصيدة حب إلى أميمة / كلما سألتُ نفسي: أين أنا؟ أجابتني هي
- رحلة القديسة أميمة ملاك ضد غباء السينما / (كازابلانكا دار لي ...
- أهذا اللون أنتِ؟
- هاملت في كازابلانكا
- في اللامسرح: أو في ما يؤجّل المسرح
- أيُّ ثلج؟
- Casablanca 2
- الصورة التي تقاوم غيابهات


المزيد.....




- 16 رواية في القائمة الطويلة لجائزة غونكور 2026
- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - ضدّ المصطلح