ميشيل الرائي
الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 08:05
المحور:
سيرة ذاتية
l
لم أكن أعرف لماذا أكتب عنكِ في البداية كنت أظن أن السبب واضح أحببت امرأة ثم فقدتها وهذا وحده كان يبدو لي كافيًا لكن عندما حاولت أن أكتب عن الأمر لم أعرف من أين أبدأ ولا ماذا يعني بالضبط أنني فقدتكِ وكلما عدت إلى البداية اكتشفت أن البداية نفسها لم تعد ثابتة مع الوقت بدأت أشك في تفاصيل كنت أتعامل معها كحقائق لا تحتاج إلى دليل ولم أعد أعرف إن كنت أتذكر ما حدث فعلًا أم أتذكر الطريقة التي اعتدت أن أحكي بها ما حدث لنفسي حتى صرت أخلط بين الحادثة وبين الرواية التي تركتها الحادثة في رأسي وجدت الصورة يوم الثلاثاء في الدرج السفلي من الخزانة كانت تحت أوراق قديمة وإيصالات وفواتير لم أعد أعرف لماذا احتفظت بها ولم أضعها هناك بقصد إخفائها على الأرجح وضعتها في ذلك المكان ثم نسيتها أخرجتها ومسحت الغبار عنها بقميصي وكانت يدي ترتجف قليلًا دون أن أعرف لماذا في الصورة كنتِ واقفة إلى جانبي وعندما رأيتكِ عرفتكِ مباشرة أو هكذا ظننت وهذا التفصيل بالذات هو الذي أخافني لاحقًا لأنني لم أكن متأكدًا من أنني عرفتكِ أنتِ بل ربما عرفت الصورة التي صنعتها عنكِ خلال السنوات الماضية ثم انتبهت إلى الرجل الموجود خلفنا كان قريبًا منا لكنه لم يكن داخل الصورة بالطريقة التي كنت أتذكر بها ذلك اليوم كان وجهه نصف ظاهر ويده مرفوعة كأنه كان على وشك أن يلمس شيئًا أو شخصًا حاولت أن أتذكره ولم أستطع قلبت الصورة وكان التاريخ مكتوبًا بخط يدي 6/4/2001 لم أتذكر ذلك اليوم لم أتذكر أين كنا ولا في أي ساعة التقطت الصورة ولا من التقطها لكنني كنت أعتقد أنني أتذكر الصورة نفسها كنت أعتقد أنكِ كنتِ تنظرين إليّ وحين رفعتها أمام الضوء ونظرت إليها جيدًا اكتشفت أن هذا غير صحيح كنتِ تنظرين إلى الرجل الموجود خلفنا بقيت أحدق في عينيكِ وقتًا طويلًا حتى شعرت أن الصورة بدأت تتحرك لم يكن الأمر مهمًا في البداية ثم أصبح مهمًا بصورة لا أعرف كيف أشرحها لأنني طوال السنوات الماضية كنت أعتقد أنني أتذكر نظرتكِ إليّ لكن الصورة لم تثبت ذلك كانت تثبت شيئًا آخر وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن شيئًا صغيرًا جدًا يستطيع أن يفتح ثقبًا في حياة كاملة فتحت هاتفي وبدأت أبحث في الصور القديمة وجدت سبع صور بالتاريخ نفسه لم أتذكر أنني احتفظت بها وربما كنت أعرف بوجودها ثم نسيتها ولم أعد أعرف أي الاحتمالين صحيح في الصورة الأولى كنت وحدي أمام مقهى وفي الثانية كنت مع الرجل وفي الثالثة ظهرتِ خلف زجاج الواجهة وفي الرابعة كنتِ جالسة إلى طاولة قريبة من النافذة وفي الخامسة كنتِ تضحكين لشخص خارج الصورة وفي السادسة كنت أبتعد عن المقهى أما الصورة السابعة فكانت لكِ وحدكِ أمام البحر وكنتِ تحملين أزهارًا صفراء كبرت الصورة على الهاتف حتى ظهرت حبيباتها ولم أجد فيها شيئًا يربطني بكِ لم تكن يدي على كتفكِ ولم أكن واقفًا إلى جانبكِ وحتى الظل الذي كنت أظنه ظلي لم يكن واضحًا بما يكفي ومع ذلك كنت أعتقد أنني اشتريت لكِ تلك الأزهار لم أعرف لماذا كنت واثقًا من ذلك إلى هذه الدرجة بحثت عن صورة أخرى تثبت الأمر فلم أجد بحثت عن رسالة ولم أجد بحثت في الهاتف وفي الأوراق القديمة وفي محادثات قديمة كنت قد نسيت وجودها لكن لم يكن هناك شيء واحد يقول إنني اشتريت لكِ الأزهار أو أنني كنت معكِ في ذلك الوقت وكلما بحثت عن تفصيل أتذكره وجدت شيئًا مختلفًا عنه كأن كل دليل أخرجه من الذاكرة كان ينتظرني بنسخة أخرى من القصة أغلقت الهاتف وظل وجهكِ في ذهني لكنني لم أعد متأكدًا من أي صورة كان يأتي وربما كان من الصورة وربما من الصور التي رأيتها خلال السنوات الماضية وربما من الأشياء التي أضفتها إليها دون أن أنتبه في المساء خرجت لأشتري قهوة وفي الطريق رأيت امرأة تحمل أزهارًا صفراء لم أر وجهها جيدًا ولم تكن تشبهكِ ومع ذلك توقفت للحظة شعرت بشيء يشبه التعرف ثم تراجع فورًا وواصلت المشي وبعد خطوات قليلة التفتُّ خلفي كانت المرأة قد اختفت وسط الناس وفكرت للمرة الأولى في احتمال لم أجرؤ على التفكير فيه من قبل ربما لم أكن أتذكركِ عندما أرى هذه الأشياء وربما كنت أستدعيكِ منها أرى زهرة صفراء فأفكر فيكِ أو شارعًا أو نافذة ثم أستحضر بقية التفاصيل من عندي وأضعها في مكان لم تكن فيه أصلًا في اليوم التالي ذهبت إلى الدار البيضاء لم أخبر أحدًا بالسبب قلت إن لدي أمرًا آخر هناك لكنني كنت أعرف أنني أريد أن أجد المكان الذي التقطت فيه الصور كنت أعتقد أن رؤية المكان ستساعدني على تذكر اليوم كما حدث لكنها لم تفعل كانت المدينة عادية أكثر مما ينبغي السيارات تمر والباعة يتحدثون بصوت مرتفع وامرأة تمشي وهي تمسك بيد طفل ورجل يغسل واجهة متجر ولم يكن هناك شيء يشبه ما كنت أراه في ذاكرتي حتى الشارع بدا أصغر مما كنت أتذكره وجدت المقهى في آخر الشارع أو وجدت مكانًا اعتقدت أنه المقهى نفسه وقفت أمامه فترة قبل أن أدخل شعرت فجأة أنني إذا دخلت فسأعرف شيئًا لا أريد أن أعرفه دخلت وجلست قرب النافذة وطلبت قهوة وبعد دقائق جاء النادل أخرجت الصورة ووضعتها أمامه ولم أقل شيئًا نظر إليها طويلًا ثم رفع عينيه إليّ وسأل من أين حصلت عليها قلت له إنها قديمة سألني كم هي قديمة قلت خمسة وعشرون عامًا تقريبًا تغير وجهه قليلًا ثم أمسك الصورة من طرفها وقال إنه يعرف المرأة سألته من تكون فقال إنها كانت تأتي إلى المقهى كثيرًا سألته إن كانت تأتي وحدها فقال أحيانًا ثم أشار إلى الرجل الموجود في الصورة وقال إنه كان يأتي معها لم أشعر بالغيرة ولم أشعر بالغضب شعرت فقط بأن شيئًا في صدري أصبح فارغًا ثم سألته عني وأنا أنظر إلى الصورة لم يجب فورًا بقيت عيناه على وجهي هذه المرة لا على الصورة ثم قال أنت كنت تأتي قبلها لم أسأله ماذا يقصد قلت له هل تتذكرني نظر إليّ كأنه يحاول أن يتأكد من شيء ثم قال كنت تجلس هناك وأشار إلى طاولة في الزاوية لم تكن موجودة في أي صورة من الصور السبع وقبل أن أسأله لماذا لم أكن أتذكرها قال كنت تنتظرها قلت له من كنت أنتظر لم يجب دفعت الحساب وخرجت وأنا أشعر أنني تركت ورائي شيئًا لم يكن لي
ll
لا أعرف لماذا بدأت سيرة أميمة التي أكتبها بالفرنسية منذ مدة تأخذني كل يوم إلى فريدا كاهلو أكثر مما تأخذني إلى أميمة نفسها فقد صار الأمر يحدث من دون أن أنتبه إليه أكتب عن أميمة فتدخل فريدا إلى الجملة ثم أكتب عن فريدا فأجد أميمة تنتظرني في مكان آخر منها كأن المرأتين تتبادلان الأمكنة في النص بينما أظن أنني ما زلت أكتب عن واحدة منهما وكان هذا يحدث خصوصًا عندما كنت معها في شقتها في الدار البيضاء حيث كانت أميمة تصر دائمًا على أن تكون فريدا لا أن تشبهها فقط وكانت تحدثني عن أشياء لم أقرأها في أي سيرة لفريدا عن أشخاص وأيام وأحداث قالت إن فريدا عاشتها ولم تروها الكتب وكانت تتحدث عنها بطريقة جعلتني أشعر أنها لا تنقل إليّ معلومات عن امرأة بعيدة بل تستعيد حياة كانت تعرفها من الداخل
لم أسألها يومًا كيف عرفت ذلك ليس لأنني صدقتها تمامًا ولا لأنني كذبتها بل لأنني كنت أشعر أن السؤال نفسه يمكن أن يغيّر شيئًا في الطريقة التي كانت تتكلم بها كنت أخشى أن أقول لها من أين عرفتِ وأن أجبرها فجأة على العودة من فريدا إلى أميمة ولذلك كنت أتركها تواصل الحديث وأراقب شيئًا لم أكن أملك له اسمًا كانت فريدا تصبح أكثر حضورًا كلما تحدثت أميمة عنها وفي الوقت نفسه كانت أميمة تبدو كأنها تبتعد خطوة عن نفسها لتستطيع أن تقول ما تريد كأنها وجدت في فريدا شخصية يمكن أن تسكنها مؤقتًا ثم تنظر من داخلها إلى حياتها الخاصة
الآن وأنا أكتب عنها لا أفكر فقط في الأشياء التي قالتها لي عن فريدا بل في الطريقة التي احتاجت بها إلى فريدا كي تقولها وربما لم تكن المسألة أنها تعرف عن فريدا أكثر مما تعرف الكتب وربما كانت المسألة أن فريدا كانت تمنحها المسافة التي تحتاج إليها لكي تتحدث عن نفسها دون أن تقول هذا أنا ففي الكلام عن الذات هناك دائمًا شيء من الانكشاف أما حين نعطي تجربتنا لشخص آخر فإننا نحصل على حرية غريبة نستطيع أن نقول ما حدث لنا ونحن نتظاهر بأننا نتحدث عن شخص آخر وربما كانت فريدا بالنسبة إلى أميمة هي هذه المسافة امرأة حقيقية في التاريخ لكنها كانت بالنسبة إليها أيضًا مساحة يمكن أن تعيش فيها حياة أخرى
لهذا بدأت أتساءل عن تلك الأحداث التي قالت إن فريدا عاشتها ولم تذكرها الكتب لم يعد السؤال بالنسبة إليّ هل حدثت فعلًا لفريدا أم لا فربما يكون هذا السؤال أقل أهمية من السؤال الذي كنت أتهرب منه طوال الوقت لماذا احتاجت أميمة إلى أن تحدث هذه الأشياء لفريدا بالذات وربما كانت الوقائع التي لم تدخل السيرة التاريخية لفريدا هي الوقائع التي لم تستطع أميمة أن تقول إنها حدثت لها فوضعتها في حياة امرأة أخرى ثم عادت تتحدث عنها بأمان امرأة تعرف أنها لا تعترف بشيء لأنها لا تتحدث عن نفسها
لكن الأمر يزداد تعقيدًا حين أتذكر أن أميمة ما زالت هنا وأنها تستطيع في أي لحظة أن تقرأ ما أكتبه عنها وتقول لي إنني أخطأت وأن كل هذا التأويل الذي أبنيه حولها لا علاقة له بما كانت تقصده وربما تستطيع أن تضحك وتقول لي إنني جعلت منها شخصية لم تكن تريد أن تكونها أصلًا وهذا الاحتمال لا يزعجني بل يجعل الكتابة أكثر صدقًا لأن أميمة ليست شخصية انتهت حياتها لكي أمتلك روايتها بل امرأة ما زالت تملك حق الاعتراض عليّ وما زالت قادرة على أن تقول لي إنني لم أفهم شيئًا
وهنا تصبح السيرة أكثر غرابة لأنني لا أكتب عن امرأة أعرف أنها انتهت بل عن امرأة يمكنها أن تقف أمام النص في أي لحظة وتقول هذا لم يحدث وهذا حدث بطريقة أخرى وهذا الذي نسبته إلى فريدا كان يخصني وهذا الذي ظننته عني لم أفكر فيه قط وفي هذه المسافة بين ما أرويه وما تستطيع أميمة أن تنفيه أو تؤكده تبدأ المشكلة الحقيقية للسيرة فربما لا تكون السيرة هي ما يقوله شخص عن حياته ولا ما يقوله الآخرون عنه بل ذلك الصراع المستمر بين الشخص وصورته وبين ما عاشه وما يستطيع أن يرويه وبين ما يرويه عنه شخص آخر وهو يعرف أن صاحب الحياة ما زال موجودًا ويمكنه أن يقول له أنت مخطئ
وربما لهذا لا أعرف حتى الآن من تكون فريدا التي عرفتها أميمة ولم تعرفها الكتب ولا من تكون أميمة التي كانت تظهر داخل فريدا كلما تحدثت عنها وربما لم تكن أميمة شاهدة على فريدا أصلًا ربما كانت تستخدم فريدا لكي ترى نفسها من الخارج وربما كانت المرأة التي تحدثت عنها طويلًا باسم فريدا هي أميمة نفسها ولكن من خلال اسم آخر وحياة أخرى وجسد آخر وفي كل مرة أتذكر فيها تلك الشقة في الدار البيضاء أشعر أنني كنت أظن أنني أجلس أمام أميمة بينما كانت أميمة تحاول أن تجعلني أجلس أمام امرأة أخرى لكي تقول لي شيئًا عن نفسها دون أن تضطر إلى أن تقول إنها هي
والمشكلة الآن أنني لا أستطيع أن أحسم الأمر لأن أميمة ما زالت حية وهذا يعني أن النص الذي أكتبه عنها ليس حكمًا نهائيًا عليها بل اقتراحًا يمكنها أن ترفضه وربما يكون أجمل ما في الأمر أن السيرة لا تستطيع أن تغلق عليها وأن أميمة تستطيع أن تدخل النص في أي لحظة وتفتح فيه نافذة لم أضعها أنا وتقول لي إن فريدا لم تكن كما كتبت وإنها لم تكن هي كما تخيلت وإنني طوال الوقت كنت أبحث عن أميمة في المكان الخطأ بينما كانت تجلس أمامي في شقتها في الدار البيضاء وتتركني أبحث عنها داخل امرأة أخرى
#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟