ميشيل الرائي
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 23:27
المحور:
قضايا ثقافية
هذا النص ليس دراسة مكتملة، ولا أريد له أن يكون كذلك. هو مجموعة ملحوظات أولية أحاول من خلالها أن أفتح بعض الأبواب التي يمكن أن تقود لاحقًا إلى دراسة أوسع حول صورة المرأة والجسد في كتاب «الذات بين الوجود والإيجاد» لبنسالم حميش. ما يهمني هنا ليس أن أسأل: ماذا أراد حميش أن يقول عن المرأة؟ ولا أن أفتش عن نيات مستترة خلف السرد، بل أن أسأل سؤالًا آخر أكثر إزعاجًا: ماذا يحدث لصورة المرأة عندما تعيد الذاكرة بناء الماضي؟ وما الذي تقوله طريقة ترتيب الذكريات، ومساحة كل صورة، وانتقال السرد من امرأة إلى أخرى، حتى حين لا يصرح الكاتب بأي حكم مباشر؟ في السيرة الذاتية لا تعود الذاكرة مجرد مخزن للوقائع. إنها جهاز اختيار وترتيب وحذف وإبراز. فالكاتب لا يستعيد الماضي كما وقع، وإنما يستعيد ما بقي منه في اللغة. ولهذا قد تكون المسافة بين ما حدث وما يُروى أهم أحيانًا من الحدث نفسه. فالواقعة لا تدخل النص دفعة واحدة، وإنما تدخل بعد أن تكون الذاكرة قد منحتها حجمًا معينًا، وأعطتها مكانًا معينًا، وربطتها بصورة أخرى. وهنا تبدأ القراءة في المستوى الأول تظهر المعلمة الفرنسية بوصفها صورة لرغبة لا يمنحها السرد إلا مساحة محدودة، ثم تنتقل الذاكرة إلى فتيات مراهقات كان الصبي يطاردهن فوق الأسطح طلبًا لقبلة أو وعد بقبلة، ويصف هذا السلوك بعبارة «براءة الطفل». وهنا لا أريد أن أحاكم الطفل أخلاقيًا، فهذا ليس موضوع القراءة، وإنما أريد أن أتوقف عند الكلمة نفسها: لماذا «البراءة»؟ ماذا تفعل هذه الكلمة داخل السرد؟ هل تصف الفعل كما كان، أم تصف الطريقة التي أصبحت الذاكرة تنظر بها إلى ذلك الفعل بعد مرور الزمن؟ فالطفل الذي يطارد فتيات مراهقات من أجل قبلة ليس بالضرورة أن يُقرأ ببساطة من خلال كلمة «براءة»؛ الكلمة نفسها تحتاج إلى قراءة. إنها لا تصف الماضي فقط، بل تعيد تأطيره.
والأهم من ذلك أن السرد لا يمنح جميع الصور المساحة نفسها. لماذا تمر المعلمة الفرنسية في إشارة سريعة، بينما تأخذ مطاردة المراهقات فوق الأسطح صورة أكثر حضورًا؟ لماذا تحتاج مطاردة الفتيات إلى كلمة تبررها، بينما يمر حضور المعلمة بوصفه رغبة مخفية تقريبًا؟ هنا يصبح تفاوت المساحة السردية موضوعًا قائمًا بذاته. ما يُقال في صفحة، وما يُقال في سطر، وما يُترك في نصف جملة، ليست أمورًا بريئة من الناحية السردية. فالذاكرة لا تختار الأشخاص فقط، بل تختار مقدار الضوء الذي يسقط عليهم.
ثم نصل إلى حرودة، وهنا يتغير وضع الجسد بصورة واضحة. فحرودة، كما يروي حميش، كانت تأخذ المال من الأطفال أو المراهقين مقابل أن تكشف لهم أجزاء من جسدها الحميم، وحين عرف الآباء بالأمر طُردت. ثم تدخل الذاكرة في منطقة أكثر قسوة: يقال إنها كانت تتجول في الخلاء، أو أُخذت إلى «دار بوذا»، ذلك المكان الذي يصفه السرد بوصفه فضاءً للمجانين أو المرضى النفسيين في المدينة القديمة، حيث كانت تُسمع الصرخات ليلًا، وحيث كان الحراس يضربون النزلاء بالعصي حتى تهدأ أصواتهم.
هنا لا يعود الجسد مجرد موضوع للرغبة. إنه جسد يتجاوز الحدود الاجتماعية، وحين يتجاوزها تبدأ الجماعة في إنتاج آليات العقاب والإبعاد. المرأة التي ظهر جسدها في البداية بوصفه موضوعًا للنظر تتحول إلى امرأة مطرودة، ثم إلى جسد يمكن أن يُودع في مؤسسة مغلقة. وهذه النقلة تستحق التوقف: ماذا يحدث للجسد حين ينتقل من المجال المرئي إلى المجال المعاقَب عليه؟ وهل المشكلة في الجسد نفسه، أم في المكان الذي ظهر فيه، أم في القواعد الاجتماعية التي تحدد متى يصبح الجسد مقبولًا ومتى يصبح خطرًا؟
ثم تأتي الأعراس، وهنا تحدث مفارقة شديدة الأهمية. فالبيوت القديمة، بأزقتها وضيقها وبنيتها الاجتماعية، تفتح داخل فضاء النساء مجالًا خاصًا لهن. وفي الأعراس تستدعي النساء المخنثين، مثل بوشامة أو «أخو البنات»، ليقوموا بتحريك الغناء والرقص وإشعال الفضاء الاحتفالي. والمثير أن الرجال، والأزواج تحديدًا، لا يعترضون على دخول هؤلاء الرجال إلى فضاء النساء في هذه المناسبة.
لماذا؟
لأن الفضاء الاحتفالي يعلّق القواعد اليومية مؤقتًا. الرجل الذي لا يجوز له في الظروف العادية أن يدخل ذلك الفضاء يمكن أن يدخل حين يتحول المكان إلى فضاء احتفال، والجسد الذي تحيطه الحدود يصبح جزءًا من طقس جماعي يسمح بما لا يسمح به اليوم العادي. هنا لا يعود الجسد مجرد جسد بيولوجي، بل يصبح جزءًا من نظام اجتماعي يتغير بحسب المكان والمناسبة والزمن. وهذا يكشف شيئًا مهمًا: الحدود الاجتماعية ليست ثابتة تمامًا؛ يمكنها أن تتشدد، ويمكنها أن تتراخى، ويمكن أن تتوقف مؤقتًا عندما يبدأ الاحتفال.
وهنا تصبح المرأة جزءًا من فضاء لا يمكن فهمه فقط من خلال ثنائية «مسموح/ممنوع». فالعرس ينتج منطقة ثالثة: لا تلغي القواعد، لكنها تعلقها مؤقتًا. ولذلك فإن قراءة هذه المشاهد لا ينبغي أن تبحث فقط عن صورة المرأة، بل عن النظام الذي يسمح لجسدها أن يتحرك بطريقة مختلفة داخل المكان نفسه عندما تتغير المناسبة.
أما زهراء فتأتي من جهة أخرى تمامًا، وربما هنا تكمن أكثر مناطق السيرة إثارة للقراءة. يروي حميش حادثة بوركاب، كارثة أوائل الستينيات في مكناس، حين جرى خلط زيوت الطعام بزيوت محركات الطائرات وبيعها بأسعار رخيصة، فأصيب الناس بالتسمم، وكان من نتائج ذلك إصابة بعضهم بالشلل، ولا سيما في الأحياء الشعبية والمدينة القديمة. لكن على هامش هذه الكارثة التاريخية الكبرى، تظهر زهراء.
وهذه العبارة وحدها تستحق الوقوف عندها: «على هامش حادثة بوركاب».
لماذا تظهر زهراء على الهامش؟
لماذا تحتاج كارثة جماعية، تمس مدينة كاملة وأجسادًا كثيرة، إلى أن تتوقف فجأة عند جسد امرأة واحدة؟
كانت زهراء، قبل الكارثة، واحدة من أجمل فتيات الحي. كان الأطفال والمراهقون والرجال الأكبر سنًا يقفون إعجابًا واحترامًا حين تمر. وكان الفتيان يتبعونها أحيانًا من بعيد، كأنهم يحاولون حمايتها من المتحرشين أو المنحرفين. وفي إحدى المرات اقترب منها أحدهم، فلاحقه الفتيان وضربوه وأبعدوه عنها.
ثم تأتي الكارثة، ويتغير الجسد.
تصبح زهراء مشلولة، تتحرك بالعكازين، وتصبح «قعيدة البيت». لكن اللافت أن السرد لا يتركها عند لحظة فقدان الجمال أو الحركة. هنا يبدأ شيء آخر: الفتيان الذين كانوا يتبعونها سابقًا بوصفها موضوعًا للإعجاب يتحولون إلى أشخاص يرعونها. يساعدون أمها الأرملة، ويتناوبون على الاعتناء بزهراء، ويحملونها أو يخرجونها، ويلبون حاجاتها، حتى تصبح العلاقة بالجسد علاقة خدمة ومسؤولية. وحين تدعو على الذين تسببوا في الكارثة، يجيبونها: «آمين يا ربي آمين».
وهنا يحدث التحول الأكثر عمقًا في صورة الجسد داخل السيرة: الجسد الذي كان يُرى يصبح جسدًا يُرعى. المرأة التي كانت تمر في الشارع فتجذب الأنظار تتحول إلى امرأة تحتاج إلى يد تحملها، ورفاقًا يخرجونها، وأشخاصًا يشاركونها الألم. لم تعد قيمتها السردية قائمة فقط على جمالها، بل على شبكة التضامن التي أنتجها مرضها.
ومن هنا يمكن أن نضع الطبقات الأربع جنبًا إلى جنب: المعلمة والرغبة، المراهقات والقبلة، حرودة والجسد الذي يتجاوز الحد، الأعراس والجسد الذي يتحرك داخل فضاء احتفالي استثنائي، ثم زهراء والجسد الذي ينتقل من مجال النظر إلى مجال الرعاية. لكنني لا أقول إن حميش نفسه يقسم النساء إلى هذه الوظائف، ولا أزعم أن هذه كانت نيته. هذه نقطة أساسية في القراءة. فالكاتب قد لا يقول شيئًا، بينما تستطيع بنية النص أن تنتج أثرًا لذلك الشيء.
وهنا تحديدًا تصبح الذاكرة موضوعًا للنقد لا مجرد وسيلة للسرد. فالذاكرة لا تستعيد النساء كما كنّ، وإنما تعيد توزيعهن داخل الحكاية: امرأة تُستعاد من خلال الرغبة، وأخرى من خلال القبلة، وأخرى من خلال تجاوز الحدود، وأخريات داخل طقس العرس، ثم امرأة أخرى تعود إلينا من خلال المرض والرعاية. وقد لا يكون هذا التقسيم مقصودًا من صاحب السيرة إطلاقًا، لكن القراءة تستطيع أن تراه بوصفه أثرًا تنتجه طريقة انتظام الذكريات.
وهذا هو السؤال الذي أريد أن أتركه مفتوحًا: هل نحن أمام صور مختلفة للمرأة، أم أمام وظائف مختلفة للجسد داخل ذاكرة واحدة؟ وهل المرأة هي التي تتغير في السيرة، أم أن موقع النظر إليها هو الذي يتغير؟ وهل تكشف هذه التحولات عن المرأة المغربية، أم تكشف قبل كل شيء عن الطريقة التي يستطيع بها رجل أن يتذكر المرأة بعد أن تصبح جزءًا من تاريخه الشخصي؟
ربما لا تكمن المسألة في أن نقول إن حميش أنصف المرأة أو ظلمها، فهذا حكم سابق لأوانه. الأهم أن نسأل كيف تعمل الذاكرة حين تكتب المرأة. ماذا تختار أن تُبقي؟ ماذا تختصر؟ ماذا تمنح مساحة؟ ماذا تضع في الهامش؟ ولماذا تصبح امرأة مثل زهراء، على هامش حادثة تاريخية كبرى، مركزًا عاطفيًا لسرد طويل عن الجسد والمدينة والطفولة؟
لهذا لا أريد أن أبحث عن «سر» وراء النص، ولا عن نية مخفية لدى الكاتب. أريد أن أقرأ الآثار التي تركها ترتيب الذاكرة نفسها. فالنص لا يقول فقط ما يقوله صاحبه بوعي، بل يكشف أحيانًا، من خلال بنائه وتوزيعه وصمته وانتقالاته، عن علاقات لم يكن مضطرًا إلى تسميتها.
وهنا تبدأ الدراسة الحقيقية هذه ليست نتيجتها، بل مفتاحها الأول.
#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟