أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - مكناس التي لم يقلها بنسالم حميش














المزيد.....

مكناس التي لم يقلها بنسالم حميش


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 20:17
المحور: الادب والفن
    


الكتابة الى أميمة ملاك

ليست السيرة الذاتية في الذات بين الوجود والإيجاد استعادة للماضي بقدر ما هي إعادة إنتاج له داخل اللغة فالماضي لا يعود بوصفه واقعة مكتملة وإنما بوصفه أثراً وما يهم في الأثر ليس فقط ما يقوله بل ما يتركه من فراغات وما يستدعيه من قراءات وما يسمح به من تأويلات تتجاوز قصد الكاتب إلى فضاء النص ومن هنا لم أقرأ بنسالم حميش بحثاً عن بنسالم حميش وحده وإنما بحثت عن ذلك الآخر الذي يتخفى خلف السيرة المدينة والأسرة والجسد والرغبة والفقر والسينما والمراهقة والمرأة والذاكرة أي إنني لم أتعامل مع مكناس باعتبارها مكاناً جغرافياً في سيرة الكاتب وإنما باعتبارها علامة نصية مدينة تتكون داخل الكتاب بقدر ما يستعيد الكاتب نفسه داخلها ولعل هذا ما يجعل السيرة عند حميش تتجاوز مفهوم الاعتراف فالكاتب لا يقول لنا هذه حياتي بالمعنى الوثائقي للكلمة وإنما يضع أمامنا مجموعة من الشظايا التي تتيح لنا أن نعيد تركيب الذات من خارج اكتمالها المزعوم الأب المالكي الصارم الأخ المتمرد ضيق الإمكانات الرغبة في السينما والسباحة النساء المراهقة الحكايات المتداولة في المدينة القديمة كلها ليست مجرد وقائع من ماض شخصي إنها علامات على نظام اجتماعي كامل وهنا تبدأ قراءتي الخاصة للكتاب لم أكن مهتماً فقط بما اختار حميش أن يقوله وإنما بما جعلني النص أراه من دون أن يقوله وهذه مسافة مهمة لأنني لا أريد أن أنسب إلى الكاتب نية لم يصرح بها ولا أن أستخرج من نصه أسراراً بالمعنى الصحفي للكلمة وإنما أبحث عن ذلك الذي يمكن تسميته بلغة القراءة المسكوت عنه المنطقة التي لا يحتلها التصريح وإنما تسكنها الإشارة وفي هذه المنطقة تحديداً يظهر الجسد وتظهر المرأة وتظهر الرغبة وتظهر المراهقة بوصفها زمناً تتعلم فيه الذات للمرة الأولى أن للجسد لغة أخرى غير اللغة التي تسمح بها العائلة والمجتمع ولذلك تستوقفني حكايات حرودة ومصيرها اللاحق كما تستوقفني حكاية الزهراء ومأساة بوركاب وحكايات الأسطح واللقاءات والقبل والأحضان والمطاردة العاطفية في فضاء المدينة القديمة لا أريد أن أقرأ هذه التفاصيل باعتبارها فضائح مستترة فهذا تبسيط يفسد النص وإنما باعتبارها شقوقاً في جدار الخطاب الاجتماعي تظهر من خلالها مدينة أخرى مدينة الرغبة حين تبحث عن مكان والجسد حين يتفاوض مع الرقابة والمراهق حين يكتشف أن للمدينة وجهاً لا يظهر في النهار ولعل السطح هنا أكثر من مجرد مكان إنه فضاء بيني لا هو البيت تماماً ولا هو الشارع تماماً مكان تخرج إليه الرغبة كي تتنفس ثم تعود منه إلى الداخل ولهذا يمكن للسطح أن يقرأ بوصفه استعارة صغيرة للعلاقة بين الخاص والعام بين ما يسمح المجتمع بظهوره وما يدفعه إلى الاختباء وكذلك السينما فالسينما التي تظهر في طفولة حميش ليست مجرد ترف كان ينقص الفتى إنها جهاز تخييلي كامل حين يقول الأب في مواجهة الرغبة في الذهاب إلى السينما ما يشبه دعوة الابن إلى أن يغلق عينيه ويتخيل فإن الخيال هنا لا يعود بديلاً فقيراً عن الواقع بل يصبح ربما الطريق الذي سيقود الذات إلى تجاوز واقعها ومن المفارقات التي فرضها الكتاب علي أنني وأنا القادم من طفولة مختلفة اقتصادياً واجتماعياً وجدتني أتمنى أحياناً لو عشت ذلك الزمن الذي عاشه حميش لا لأنني أحن إلى الفقر أو إلى الحرمان وإنما لأنني اكتشفت أن الذات لا تتكون فقط من وفرة ما تمتلكه بل كذلك من نقص ما لم تستطع امتلاكه وربما كان الحرمان في بعض الحالات أحد أسماء الخيال هنا تتقاطع سيرة حميش مع سيرة قارئه من دون أن تتطابقا وهذا هو المكان الذي تصبح فيه السيرة الذاتية أقل انشغالاً بالكاتب وأكثر انشغالاً بالقارئ ماذا يفعل الماضي بنا حين لا يكون ماضينا لقد وجدت نفسي وأنا أقرأ مكناس حميش أبحث عن مكناس أخرى عن المدينة التي لم تكتب كاملة وعن الأشخاص الذين مروا في السيرة ثم اختفوا وعن تلك الحياة الاجتماعية التي تظهر أحياناً في طرف الجملة أكثر مما تظهر في مركزها وربما لهذا السبب بدأت أفكر في زيارة مكناس لا لكي أبحث عن الأماكن التي ذكرها حميش وإنما لكي أبحث عن الأماكن التي لم يذكرها عن المدينة التي تركها النص خارج النص عن السيرة التي لم تتحول إلى كتابة عن الأشياء التي ربما لا يستطيع الكاتب نفسه أن يعرف أنها بقيت في كتابه بعد أن انتهى منه وهنا يصبح عنوان قراءتي مكناس التي لم يقلها بنسالم حميش أكثر من عنوان استفزازي إنه فرضية في القراءة أن المدينة لا تدخل النص كلها وأن ما يبقى خارجها قد يكون أحياناً أكثر إثارة من الذي دخل إليها وربما لا يكون اهتمامي بالمغرب أقل التباساً من اهتمامي بمكناس ثمة أمكنة لا نملك تفسيراً عقلانياً كاملاً لانجذابنا إليها نقرأها قبل أن نزورها ونحبها قبل أن نعرف شوارعها ونشعر أحياناً أن علاقتنا بها بدأت قبل أن تبدأ علاقتنا بها فعلاً لكنني لا أريد أن أشرح هذا الآن بعض العلاقات بالأمكنة تفقد شيئاً من سحرها حين تتحول إلى اعتراف يكفيني أن أترك هذا الجزء من الحكاية في الهامش فالهامش كما تعلمنا القراءة الحديثة ليس دائماً هامشاً أحياناً يكون هو النص الذي ينتظر قارئه



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللامسرح : نقد مفهوم المسرح
- الكتابة إلى امرأةٍ تركت تاريخها في الدار البيضاء
- أميمة وفريدا كاهلو وأنا في الدار البيضاء
- لماذا أكتب عنكِ في البداية
- هَوَامِشُ دَاخِلِيَّة
- من رسائلي إلى أميمة ملاك
- من رسائلي الى أميمة ملاك 2
- رحلة السيدة إيما ضد غباء السينما 2
- ضدّ المصطلح
- Le voyage de Madame Emma contre la bêtise du cinéma
- الاسم الذي يعرف الطريق
- كراريس القديسة أيما / أشكال التمثال
- الجسد الأحمر للقصيدة
- المكين بوصفه أنطولوجيا حركية للمكانية
- **قصيدة حب إلى أميمة**
- نشوةٌ آلية / أميمة ملاك
- Poème d’amour à Oumayma Malak
- أميمة ملاك: حين تتحول الذاكرة إلى فضاء
- شيئًا مؤجلًا لا يُمتلك نهائيًا
- محاكاة لانهيار اللغة وإعادة تشكّلها داخل الدماغ


المزيد.....




- مصر.. توصية بتفكيك تمثال رمسيس الثاني بالكرنك
- وزير ثقافة الاحتلال يطالب بسحب جنسية مخرجي فيلم وثائقي عن غز ...
- بتهمة الخيانة.. وزير إسرائيلي يتوعد بسحب الجنسية من مخرجَي ف ...
- جولة بسمرقند.. جوهرة طريق الحرير وموطن العلماء والحكام التيم ...
- تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
- -بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال ...
- باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
- مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي ...
- فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
- ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - مكناس التي لم يقلها بنسالم حميش