مالك الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 14:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تكن فضيحة إيران–كونترا مجرد اتصال سياسي سري بين دولتين متخاصمتين، بل كانت عملية معقدة شارك فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون وإسرائيليون، إلى جانب تجار سلاح ووسطاء ماليين. وقد انتهت بوصول صواريخ أميركية الصنع إلى إيران عبر إسرائيل، ثم من الولايات المتحدة بصورة أكثر مباشرة، في الوقت الذي كانت فيه الحرب العراقية–الإيرانية تستنزف البلدين.
لفهم أسباب قبول إيران بهذه الصفقة، ينبغي العودة إلى طبيعة ترسانتها العسكرية. فقد كان الجيش الإيراني يعتمد بدرجة كبيرة على الأسلحة الأميركية التي اشتراها الشاه قبل ثورة عام 1979. وبعد سقوط النظام الملكي واندلاع أزمة احتجاز موظفي السفارة الأميركية، فرضت واشنطن حظراً على تصدير الأسلحة إلى إيران، فأصبح الجيش الإيراني يعاني نقصاً متزايداً في قطع الغيار والذخائر اللازمة لتشغيل معداته.
ومع استمرار الحرب مع العراق، أصبحت طهران في حاجة شديدة إلى صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدبابات، لمواجهة التفوق العراقي في المدرعات، وإلى صواريخ «هوك» المضادة للطائرات وقطع غيارها، لمواجهة القوة الجوية العراقية. ولأن إسرائيل كانت تمتلك هذه الأسلحة الأميركية في مخازنها، فقد أصبحت القناة المناسبة لإيصالها إلى إيران.
قد يبدو شراء الجمهورية الإسلامية أسلحة من إسرائيل أمراً يصعب تصديقه إذا نظرنا فقط إلى خطاب الخميني وشعارات الثورة. لكن العلاقة العسكرية السرية بين الطرفين لم تبدأ مع فضيحة إيران–كونترا. فقد باعت إسرائيل أسلحة وقطع غيار لإيران في سنوات سابقة من الحرب، لأن القيادة الإسرائيلية كانت تنظر إلى عراق صدام حسين باعتباره خطراً عربياً وعسكرياً أكبر من الخطر الإيراني في ذلك الوقت.
كان الهدف الإسرائيلي منع العراق من تحقيق انتصار حاسم، وإطالة الحرب بما يؤدي إلى إضعاف الدولتين. كما أرادت إسرائيل المحافظة على قنوات اتصال مع أطراف داخل إيران والاستفادة اقتصادياً من تجارة السلاح. وهكذا اختلف الخطاب العلني عن حسابات الأمن والمصلحة داخل الغرف المغلقة.
بدأت المرحلة الأساسية من العملية عام 1985، عندما نُقلت صواريخ أميركية الصنع من المخزون الإسرائيلي إلى إيران، بعد الحصول على موافقة إدارة الرئيس رونالد ريغان وتعهد واشنطن بتعويض إسرائيل عما تسلمه لطهران.
وصلت الشحنة الأولى في 20 أغسطس/آب 1985، وكانت تضم 96 صاروخاً من طراز «تاو». ثم وصلت شحنة ثانية في 14 سبتمبر/أيلول تضم 408 صواريخ من النوع نفسه. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أُرسلت 18 قطعة من صواريخ «هوك» المضادة للطائرات.
واجهت شحنة «هوك» مشكلة محرجة عندما اكتشف الإيرانيون وجود علامات إسرائيلية على الصواريخ، كما تبين لهم أنها لا تتمتع بالمواصفات التي كانوا يتوقعونها، فرفضوا معظمها وأعادوها. لكن هذه الحادثة لم تؤدِّ إلى إيقاف الاتصالات.
في عام 1986، قررت إدارة ريغان تقليص دور بعض الوسطاء الإسرائيليين وتولي العملية بصورة أكثر مباشرة. ووقّع ريغان في 17 يناير/كانون الثاني تفويضاً رئاسياً سرياً يسمح باستمرار نقل الأسلحة إلى إيران. وبعد ذلك نفذت الولايات المتحدة عدة شحنات تضمنت صواريخ «تاو» وقطع غيار لصواريخ «هوك».
وتشير المصادر التي تناولت القضية إلى أن إيران حصلت، بين أغسطس/آب 1985 ونوفمبر/تشرين الثاني 1986، على ما مجموعه 2004 صواريخ «تاو» و18 صاروخ «هوك»، إضافة إلى أكثر من مئتي قطعة غيار لمنظومة هوك. وهذا الحجم ينفي أن تكون العملية مجرد مبادرة محدودة نفذها عدد قليل من تجار السلاح من دون معرفة المؤسسات الحكومية المعنية.
برز على الجانب الإيراني اسم أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس الشورى آنذاك وأحد أقرب رجال النظام إلى الخميني. وكان رفسنجاني من أبرز المسؤولين عن إدارة الحرب، كما عُدّ الشخصية السياسية الأهم في فتح القناة السرية واستمرارها.
أما محسن كنغرلو، مستشار رئيس الوزراء مير حسين موسوي، فقد أدى دوراً تنفيذياً أساسياً في الاتصالات وشراء الأسلحة. وكان يتعامل مع منوشهر قربانيفر، تاجر السلاح الإيراني الذي امتلك علاقات مع مسؤولين ووسطاء في الولايات المتحدة وإسرائيل.
تصف المصادر الأميركية قربانيفر بأنه الوسيط الإيراني الرئيسي في معظم مراحل العملية. ومع ذلك، كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد اعتبرته منذ سنوات شخصاً غير موثوق به ويميل إلى المبالغة وتقديم المعلومات المضللة. لكن الحاجة إلى قناة اتصال مع طهران دفعت المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين إلى التعامل معه رغم شكوكهم الكبيرة فيه.
على الجانب الإسرائيلي، وصل التورط إلى مستويات سياسية وأمنية عليا. فقد شجّع رئيس الوزراء شمعون بيريز فتح القناة مع إيران، بينما شارك ديفيد كيمحي، المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، في الاتصالات الأولية مع مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت ماكفارلين.
وشارك أيضاً يعقوب نمرودي، ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق وتاجر السلاح المعروف، وأدولف شويمر، مؤسس الصناعات الجوية الإسرائيلية، في ترتيب الشحنات الأولى. ثم برز عميرام نير، مستشار شمعون بيريز لشؤون مكافحة الإرهاب، وأدى دوراً مباشراً في المفاوضات والاتصالات.
كما كان وزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق رابين على اطلاع على نقل الصواريخ، وناقش مع الأميركيين مسألة تعويض إسرائيل عن الأسلحة التي خرجت من مخازنها إلى إيران.
أما عدنان خاشقجي، رجل الأعمال وتاجر السلاح السعودي، فقد أدى دوراً مالياً مهماً، إذ قدم تمويلاً مؤقتاً ساعد الوسطاء على إتمام بعض الصفقات. لكنه لم يكن ممثلاً رسمياً للحكومة السعودية، ولذلك ينبغي التمييز بين دوره بوصفه وسيطاً وممولاً خاصاً وبين أي قرار حكومي سعودي.
على الجانب الأميركي، كان روبرت ماكفارلين وأوليفر نورث وجون بويندكستر ومايكل ليدين من أبرز المسؤولين عن الاتصالات والتنفيذ. غير أن العملية لم تكن مغامرة نفذها هؤلاء بعيداً تماماً عن الرئيس؛ فقد وافق رونالد ريغان على استمرارها، وكان يأمل أن تؤدي شحنات السلاح إلى إطلاق الرهائن الأميركيين المحتجزين في لبنان لدى جماعات مرتبطة بإيران.
وقد حاولت إدارة ريغان تقديم العملية على أنها وسيلة لفتح قناة مع من وصفتهم بـ«المعتدلين» داخل إيران. لكن الوقائع أظهرت أن مسؤولين من مكتب رئيس الوزراء والحرس الثوري ومؤسسات أخرى شاركوا فيها، وهو ما يجعل الحديث عن مجموعة صغيرة من المعتدلين تعمل بعيداً عن النظام أمراً غير مقنع.
بلغت العملية ذروتها في مايو/أيار 1986، عندما وصل روبرت ماكفارلين إلى طهران ضمن وفد أميركي سري ضم أوليفر نورث ومسؤولين أميركيين آخرين، وكان برفقتهم عميرام نير ممثلاً عن الجانب الإسرائيلي. استخدم أعضاء الوفد جوازات سفر بأسماء غير حقيقية، ونُقلوا إلى فندق في طهران لإجراء مفاوضات مع المسؤولين الإيرانيين.
حمل الوفد معه قطع غيار لمنظومة «هوك»، وكان يأمل الاجتماع بمسؤولين إيرانيين كبار وفتح حوار سياسي مباشر. لكن الزيارة لم تحقق النتائج التي توقعها الأميركيون، وغادر الوفد بعد عدة أيام من دون الوصول إلى اتفاق سياسي واسع أو إطلاق جميع الرهائن.
كانت الأسلحة تُباع إلى إيران بأسعار أعلى من قيمتها الأصلية، وتراكمت من العملية أرباح كبيرة. وهنا ارتبطت الصفقة الإيرانية بعملية أخرى كانت تجري في نيكاراغوا.
فقد كان الكونغرس الأميركي قد حظر تقديم المساعدات العسكرية إلى قوات «الكونترا»، وهي جماعات مسلحة يمينية كانت تقاتل الحكومة الساندينية اليسارية. وللالتفاف على هذا الحظر، حوّل أوليفر نورث وشركاؤه جزءاً من أرباح بيع السلاح إلى إيران لتمويل الكونترا.
وبذلك لم تكن الأموال المخصصة للكونترا اعتمادات أقرها الكونغرس، كما توحي بعض الروايات، بل كانت أموالاً حُصّلت من رفع أسعار الأسلحة المباعة إلى إيران، ثم حُولت سراً إلى القوات النيكاراغوية بعيداً عن معرفة الكونغرس ورقابته.
أما دوافع الأطراف المشاركة، فقد اختلفت لكنها التقت داخل الصفقة. إيران أرادت الأسلحة وقطع الغيار لمواصلة الحرب مع العراق. وإسرائيل أرادت إضعاف العراق ومنعه من تحقيق النصر، إلى جانب الحفاظ على صلات داخل إيران وتحقيق مكاسب من تجارة السلاح. وإدارة ريغان أرادت تحرير الرهائن الأميركيين وفتح قناة مع طهران وتمويل الكونترا خارج رقابة الكونغرس.
كان كل طرف يقدم الآخر أمام جمهوره باعتباره عدواً، لكن ذلك لم يمنعهم من التعاون سراً عندما التقت مصالحهم. وهذا لا يعني أن العداء بينهم كان مختلقاً، بل يعني أن العداء لم يكن مطلقاً إلى الدرجة التي تمنع التفاوض والصفقات.
انكشفت العملية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1986، عندما نشرت مجلة «الشراع» اللبنانية معلومات عن زيارة ماكفارلين والاتصالات السرية. وبعد أيام، اضطرت إيران والولايات المتحدة إلى الاعتراف بوقوع الاتصالات ونقل الأسلحة، وإن حاول كل طرف تقديم رواية تخفف مسؤوليته السياسية.
وبانكشاف الصفقة، ظهرت مفارقة يصعب تجاهلها: إيران التي رفعت شعار «الموت لأميركا» اشترت الصواريخ الأميركية، والنظام الذي جعل إزالة إسرائيل جزءاً من خطابه تسلم أسلحة من مخازنها، بينما باعت الولايات المتحدة وإسرائيل السلاح إلى الدولة التي كانتا تصفانها بالعدو والداعم للإرهاب.
لم تغير الصفقة طبيعة الصراع بين هذه الأطراف، لكنها كشفت أن الشعارات العقائدية لا تقف دائماً أمام الضرورات العسكرية ومصالح الأنظمة. وحين تصبح الحرب أو بقاء السلطة أو إطلاق الرهائن أو إضعاف خصم مشترك على المحك، يمكن للأعداء أن يتحولوا مؤقتاً إلى شركاء في صفقة سرية.
لكن سؤالاً أساسياً بقي من دون جواب نهائي: هل كان من الممكن أن تجري عملية بهذا الحجم، وتدخل آلاف الصواريخ إلى إيران ويصل وفد أميركي–إسرائيلي إلى طهران، من دون علم الخميني؟ ومن الذي أقنعه، إذا كان قد وافق عليها؟ هذا ما يتناوله الجزء الثالث.
#مالك_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟