أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - ولاية الفقيه بين الرمز والواقع: قراءة في خطاب مجتبى خامنئي















المزيد.....

ولاية الفقيه بين الرمز والواقع: قراءة في خطاب مجتبى خامنئي


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 20:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في أوقات الحروب لا تختبر الدول قوتها العسكرية فقط، بل يُختبر أيضًا تماسك أنظمتها السياسية. فحين تتعرض دولة لضربات عسكرية خارجية، يصبح ظهور القيادة ووضوحها جزءًا من معركة المعنويات بقدر ما هو جزء من إدارة الحرب نفسها. غير أن ما حدث في إيران بعد الضربات الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة كان مختلفًا؛ إذ ظهر إلى العلن خطاب منسوب إلى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، لكن من دون أن يظهر صاحبه أو يُسمع صوته. صورة ثابتة على الشاشة، وخطاب تقرؤه مذيعة في التلفزيون الرسمي، وغموض كامل حول وضع الرجل نفسه. في نظام يقوم على فكرة القيادة الدينية المطلقة، لا يمكن لمثل هذا الغياب أن يمر بوصفه تفصيلًا إعلاميًا عابرًا، بل يتحول إلى لحظة سياسية تكشف أسئلة أعمق حول طبيعة السلطة في إيران.
لقد ظهر الخطاب الأول المنسوب إلى مجتبى خامنئي في ظروف لافتة. أعلنت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية أن رسالة للمرشد الجديد ستُنشر قريبًا، ثم ظهر حساب على وسائل التواصل يحمل اسمه، وبعد ذلك بث التلفزيون الرسمي الخطاب بصوت مذيعة مع صورة ثابتة له على الشاشة. لم يظهر الرجل بنفسه، ولم يُسمع صوته، ولم تُعرض أي لقطات مباشرة تثبت حضوره الفعلي. هذه الطريقة غير المألوفة في تقديم خطاب قائد أعلى فتحت باب التساؤلات: هل كتب مجتبى خامنئي هذا الخطاب بنفسه؟ أم أن الرسالة صيغت داخل مؤسسات النظام وأُعلنت باسمه؟
في النظام الإيراني، لا يُعد هذا السؤال تفصيلًا إعلاميًا بسيطًا. فالمرشد الأعلى ليس مجرد رئيس دولة، بل هو تجسيد لفكرة ولاية الفقيه التي تمنح السلطة السياسية بعدًا دينيًا وعقائديًا. منذ الثورة الإيرانية عام 1979 ارتبطت شرعية النظام إلى حد كبير بشخصية القائد الذي يجمع بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية. فالخميني كان قائدًا ثوريًا يتمتع بكاريزما دينية وسياسية كبيرة، واستطاع أن يرسخ موقع المرشد بوصفه مركز السلطة العليا في الدولة. أما علي خامنئي فقد احتاج إلى سنوات طويلة لترسيخ موقعه، لكنه تمكن في النهاية من تثبيت سلطته عبر تحالف مع مؤسسات القوة في الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري.
غير أن الحالة التي يمثلها مجتبى خامنئي تبدو مختلفة. فهو ليس من كبار المراجع الدينية في الحوزة الشيعية، ولم يُعرف تاريخيًا كفقيه بارز يمنح المنصب شرعية دينية تلقائية. ولهذا فإن وصوله إلى موقع المرشد – إن كان قد حدث بالفعل – يطرح سؤالًا أساسيًا حول مصدر الشرعية التي يستند إليها. هل تأتي هذه الشرعية من المؤسسة الدينية، أم من شبكة العلاقات السياسية والأمنية التي تشكل العمود الفقري للنظام الإيراني؟
هنا يبرز الدور الحاسم للحرس الثوري. فهذه المؤسسة التي تأسست لحماية الثورة تحولت خلال العقود الماضية إلى قوة مركزية في الدولة الإيرانية، ليس فقط عسكريًا بل أيضًا اقتصاديًا وسياسيًا. كثير من المراقبين يرون أن ميزان القوة الحقيقي في إيران بات يمر عبر هذه المؤسسة. وإذا كان مجتبى خامنئي قد صعد بالفعل إلى موقع القيادة، فإن الدعم الذي يحظى به داخل هذه الشبكة قد يكون العامل الأكثر أهمية في صعوده.
في هذا السياق يمكن قراءة الخطاب الأول المنسوب إليه بوصفه رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى هذه المؤسسات. فمضمون الخطاب ركز على الاستمرار في “المهمة” وعلى خطاب التعبئة والصمود. هذا النوع من الرسائل يتناسب أكثر مع خطاب تعبوي موجّه إلى أجهزة الدولة العميقة منه مع خطاب قائد جديد يحاول مخاطبة المجتمع الإيراني بأكمله.
غير أن غياب مجتبى خامنئي يكتسب بعدًا إضافيًا إذا وُضع في سياق التصعيد العسكري الأخير في المنطقة. فمنذ بداية الضربات الأميركية-الإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل إيران، بدأ الغموض يحيط بوضع القيادة الإيرانية نفسها. وفي مثل هذه الظروف ظهرت عدة فرضيات لتفسير غياب المرشد الجديد عن الظهور العلني.
الفرضية الأولى تتعلق بالاعتبارات الأمنية. ففي أوقات الحرب قد تلجأ القيادات السياسية إلى تقليص ظهورها العلني لتجنب أي محاولة استهداف مباشر. وفي هذه الحالة قد يكون النظام الإيراني اختار إبقاء مجتبى خامنئي بعيدًا عن الأضواء مؤقتًا، مع الاكتفاء بإصدار رسائل باسمه للحفاظ على صورة القيادة.
الفرضية الثانية تتعلق بإمكانية تعرضه لإصابة أو وضع صحي معقد نتيجة الضربات الأخيرة أو نتيجة ظروف أخرى داخلية، وهو ما قد يفسر الاكتفاء بصورة ثابتة وخطاب يُقرأ عبر التلفزيون الرسمي بدل ظهوره المباشر. ورغم أن هذه الفرضية لا تستند إلى معلومات مؤكدة حتى الآن، فإن تداولها يعكس حجم الغموض الذي يحيط بالمشهد.
أما الفرضية الثالثة، وربما الأكثر أهمية سياسيًا، فهي أن غياب مجتبى خامنئي يعكس في الواقع طبيعة النظام الإيراني نفسه. ففي لحظات الأزمات الكبرى قد تتحول القيادة الفعلية إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، بينما يبقى المرشد الأعلى رمزًا سياسيًا ودينيًا تستخدمه هذه المؤسسات للحفاظ على تماسك النظام.
هذا الاحتمال يعيد طرح سؤال أعمق حول تطور النظام الإيراني بعد أكثر من أربعة عقود على قيام الثورة. فالدولة التي تأسست حول قائد ديني كاريزمي قد تكون اليوم في مرحلة مختلفة، مرحلة تتحول فيها السلطة تدريجيًا من القيادة الفردية إلى شبكة مؤسسات قوية تدير الدولة بشكل جماعي.
في هذا السياق يصبح غياب المرشد عن الظهور العلني مؤشرًا على تحول أعمق في طبيعة السلطة نفسها. فحين يستطيع النظام إصدار الخطابات وإدارة الدولة حتى في غياب ظهور القائد، فإن ذلك يعني أن مركز الثقل في السلطة قد انتقل من الشخص إلى المؤسسة.
لهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: أين مجتبى خامنئي؟
السؤال الأكثر أهمية هو: من يحكم إيران فعليًا في زمن الحرب؟
فإذا كان المرشد الأعلى قد تحول إلى رمز يُستخدم للحفاظ على تماسك النظام بينما تُدار السلطة الفعلية داخل مؤسسات الدولة العميقة، فإن ذلك يعني أن الجمهورية الإسلامية تدخل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي.
وعند هذه النقطة يصبح غياب القائد أكثر من مجرد لغز سياسي؛ إنه لحظة تكشف أن النظام قد يستمر في الحكم… حتى عندما يصبح وجود القائد نفسه موضع سؤال.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في ا ...
- بين خطاب الحسم وتحذير الجنرال: هل تقترب الحرب… وأين يقف العر ...
- الشرق الأوسط على حافة التصعيد: العراق في قلب العاصفة المقبلة
- الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ
- بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى


المزيد.....




- خبير عسكري يوضح لـCNN تداعيات قصف جزيرة خرج الإيرانية على أس ...
- ما هي مهمة الجنود الفرنسيين في كردستان؟
- ماهي البدائل الحالية لنقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز؟
- ضغوط على الإدارة الأمريكية بشأن القدرات العسكرية والذخيرة
- إسرائيل تدمر جسرا جنوب لبنان: ما دلالة الخطوة؟
- فوسفات المغرب وهيليوم الجزائر: أي قطاعات مغاربية تستفيد وأيه ...
- بهلوان وطالب وأمير... مرشحون غير مألوفين في الانتخابات البلد ...
- الإمارات.. النيابة تأمر بضبط 10 متهمين بنشر مقاطع مضللة
- نتنياهو يكلّف ديرمر بملف لبنان.. وحزب الله: أعددنا أنفسنا لم ...
- سريلانكا تبدأ إعادة جثامين 84 بحارًا إيرانيًا بعد غرق فرقاطت ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - ولاية الفقيه بين الرمز والواقع: قراءة في خطاب مجتبى خامنئي