أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني















المزيد.....

قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 10:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بين خطاب التصعيد وغياب الضربة، وبين رفض إيران العلني للمفاوضات وتصريحات ترامب عن “رغبتها في الاتفاق”، يتشكل مشهد سياسي لا يمكن فهمه بمنطق الحرب أو السلام، بل بمنطق الردع وإدارة الخوف والسيطرة على السلوك دون استخدام القوة المباشرة.

يميل النقاش العام، كلما تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إلى اختزال السياسة في سؤال تقني مباشر: هل ستقع الضربة أم لا؟ غير أن هذا السؤال، على شيوعه، لا يعكس جوهر المشهد بقدر ما يكشف عن سوء فهم لطبيعة السلطة في العلاقات الدولية المعاصرة. فالحرب لم تعد الأداة الأولى لإنتاج الطاعة، بل غدت الخيار الأخير، بينما أصبحت أدوات الردع، والغموض، وإدارة الخوف، أكثر فاعلية وأقل كلفة.
ما يجري اليوم لا يمكن فهمه بوصفه تمهيدًا حتميًا لمواجهة عسكرية، ولا بوصفه مسارًا تفاوضيًا تقليديًا، بل باعتباره ممارسة واعية لسياسة يمكن تسميتها “الردع بالغموض”. في هذا الإطار، لا يكون الحشد العسكري مقدمة للضربة بالضرورة، بل قد يكون بديلًا عنها. فالقوة لا تُعرض هنا لكي تُستعمل، بل لكي تُدرَك، ولكي تعيد تشكيل أفق الاحتمالات لدى الخصم.
هذا المنطق يجد جذوره في النظرية الكلاسيكية للسلطة. فالدولة، كما صاغها توماس هوبز، لا تحتاج إلى استخدام العنف باستمرار، بل يكفي أن تحتكره وأن تُبقيه ممكنًا. السلطة لا تقوم على الضربة المتكررة، بل على معرفة الجميع بأن الضربة قابلة للوقوع في أي لحظة. هذا التصور، الذي نشأ داخل الدولة الحديثة، انتقل اليوم إلى مستوى العلاقات بين الدول، حيث أصبح الردع هو القدرة على منع الفعل قبل وقوعه، لا الرد عليه بعد حدوثه.
من هنا، لا يبدو سلوك ترامب متناقضًا كما يُصوَّر في كثير من التحليلات السطحية. فترامب لا يتحرك بمنطق الحرب الكلاسيكية، ولا بمنطق السلام التفاوضي، بل بمنطق إدارة الخوف. الضربة العسكرية حدث محدود في الزمن، يمكن احتواؤه سياسيًا وإعلاميًا، أما الخوف فهو حالة ممتدة، تُربك القرار، وتُنهك الأعصاب، وتحوّل النظام السياسي من فاعل يسعى لتحقيق أهداف إلى كيان يكتفي بإدارة البقاء.
الحشد العسكري الأميركي في المنطقة لا يمكن قراءته كإعلان حرب، بل كإعلان قدرة. والفرق بين الاثنين جوهري. إعلان الحرب يعني الدخول في مسار مفتوح على نتائج غير مضمونة، أما إعلان القدرة فيعني وضع الخصم أمام احتمالات متعددة لا يستطيع التحكم بها. في هذه الحالة، لا تعود الضربة ضرورية بحد ذاتها، لأن وظيفتها الأساسية تكون قد أُنجزت مسبقًا: فرض القلق، وتعليق الزمن السياسي، وإجبار الخصم على التفكير تحت ضغط دائم.
هنا تصبح الضربة التي لا تقع، في أحيان كثيرة، أكثر تأثيرًا من الضربة التي تقع. فالأنظمة السلطوية تستطيع امتصاص القصف وتحويله إلى خطاب تعبوي، لكنها تعجز عن التعامل مع الغموض المستمر. الغموض لا يمكن تأطيره أيديولوجيًا بسهولة، ولا يمكن تحويله إلى شرعية، لأنه يعمل في العمق، في دوائر القرار، وفي توازنات الخوف داخل السلطة نفسها.
من هذه الزاوية، لا يكون عدم توجيه ضربة لإيران دليل ضعف أو تراجع، بل قد يكون مؤشرًا على نجاح الردع. فالسيطرة، في معناها السياسي العميق، لا تقوم فقط على الفعل المباشر، بل على القدرة على جعل الخصم يتصرف وفق حسابات مفروضة عليه دون إكراه عسكري مباشر. حين تضبط إيران سلوكها، وتتجنب تجاوز خطوط حمراء واضحة، وتُدير وكلاءها بحذر شديد، فإنها عمليًا تتحرك داخل هامش لم تعد هي من يحدده بالكامل.
في هذا السياق يظهر التناقض الظاهري في الخطاب السياسي. إيران تعلن، وبلهجة حادة، رفضها القاطع للمفاوضات، بينما يصرّ ترامب على أنها تريد اتفاقًا. هذا التناقض لا يعكس تضاربًا في الوقائع، بل اختلافًا في وظيفة الخطاب. الخطاب الإيراني موجّه إلى الداخل، حيث تُبنى الشرعية على سردية الصمود ورفض الإملاءات الخارجية. أما الخطاب الأميركي فموجّه إلى ميزان القوى، حيث لا تُقاس النيات بالكلمات، بل بالسلوك.
وهنا تكتسب صيغة ترامب القائلة بأنه «يعتقد» أن إيران تريد التوصل إلى اتفاق دلالة خاصة. فهذه الصيغة لا تعني وجود تصريح إيراني معلن، ولا تفيد بوجود اتصال رسمي أو تفاوض مباشر جرى الإعلان عنه. على العكس، هي اعتراف ضمني بعدم وجود موقف إيراني مُصرَّح به، لكنها في الوقت ذاته ليست مجرد تخمين. حين يقول ترامب «أعتقد»، فهو لا ينقل معلومة، بل يفرض رواية سياسية مبنية على قراءة السلوك لا الخطاب. في منطق العلاقات الدولية، تُقرأ الدول من خلال ما تتجنبه بقدر ما تُقرأ من خلال ما تعلنه.
امتناع إيران عن قتل أميركيين مباشرة، وضبط إيقاع وكلائها، وتجنب كسر الخطوط الحمراء، كلها مؤشرات تُفسَّر في منطق الردع على أنها سلوك طرف لا يريد حربًا شاملة. من هنا يصبح “الاعتقاد” أداة ضغط نفسي وسردي في آن واحد، تُحوِّل غياب التصريح الرسمي إلى قرينة سياسية تُستخدم ضد الخصم، لا دليلًا على غياب الرغبة.
في العمق، لا ترفض إيران التفاوض بوصفه أداة سياسية، بل ترفض صورته الرمزية تحت الضغط. فهي تبحث عن مخرج يخفف الكلفة دون أن يُسجَّل كانكسار سيادي أمام جمهورها الداخلي. في المقابل، لا يبحث ترامب عن اتفاق بوصفه تسوية متوازنة، بل بوصفه نتيجة مباشرة للضغط، ودليلًا على أن استعراض القوة أدى وظيفته. كلا الطرفين، إذن، لا يقول الحقيقة كاملة، لأن الحقيقة الكاملة لا تصلح للاستهلاك السياسي.
ما نعيشه اليوم هو مرحلة شدّ أعصاب طويلة، لا حرب فيها ولا سلام. مرحلة تُدار فيها السياسة بمنطق الزمن لا بمنطق الضربة، وبمنطق الانتظار لا بمنطق الحسم. وهي مرحلة خطرة بطبيعتها، لأن أي خطأ غير محسوب قد يُسقط هذا التوازن الهش، لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن تحول عميق في طبيعة الصراع، حيث لم تعد الغاية الانتصار العسكري المباشر، بل فرض السلوك وتقييد الخيارات وإعادة تعريف حدود الحركة.
في هذا السياق، تُقاس القوة لا بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بعدد الأفعال التي يُمنع الخصم من الإقدام عليها. وقد يكون أخطر ما في المشهد الراهن أن العنف لم يقع بعد، لكنه حاضر دائمًا في الحسابات، وفي القرار، وفي الوعي السياسي. هذا الحضور الصامت هو ما يجعل الردع يعمل، والسيادة تُستنزف، والسلطة تُمارَس بلا ضجيج… إلى أن يتغير التوازن، أو ينفجر الخطأ، أو يُعاد تعريف اللعبة من جديد.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة
- كاظم الحائري، نظرية الكفاح المسلح، والانتظار المهدوي – قراءة ...
- لا يهم أن كنت فقيرًا في الدنيا… كيف تُستخدم اللغة الدينية لإ ...


المزيد.....




- مركز الفلك يحدد أول أيام رمضان 2026.. هل هو 17 أم 18 أم 19 ف ...
- ساعات دامية في غزة: قصف بري وجوي وبحري يحصد أرواح 32 فلسطيني ...
- تركيا - هل هي شريك لأوروبا أم خطر لا يمكن التنبؤ به؟
- صناعة النسيج التركية على حافة الانهيار: خسائر وظائف وتراجع ح ...
- اللحوم هي الأولى: كيف تقلب الولايات المتحدة هرم الغذاء رأسا ...
- ترامب يحذّر كندا من اتفاق تجاري مع الصين ويهدد برد أمريكي -ق ...
- تحت رقابة مشددة...إسرائيل تعيد فتح معبر رفح جزئيا أمام الأفر ...
- شاهد.. فيضانات عارمة تحول أحياء القصر الكبير بالمغرب إلى بحي ...
- ترمب: الهند ستشتري النفط الفنزويلي بدل الإيراني ونشجع الصين ...
- قاضية فدرالية تنتصر لإدارة ترمب وترفض وقف عمليات مكافحة الهج ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني